“القهوة والجدل الفقهي حولها نموذجًا”: 6 سلع ارتبطت بالتاريخ الاقتصادي العُماني، فما هي، وكيف كان تأثيرها وتأثّرها؟

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

“قراءات في التاريخ الاقتصادي العماني.. السلع التجارية أنموذجا” كان عنوان الندوة التي نظمتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بمشاركة عدد من الباحثين العمانيين المتخصصين في المجال التاريخي والتي أدارها الباحث يونس النعماني.

وتم خلال الندوة تقديم أربع أوراق عمل تناولت عددًا من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالمجتمع العماني؛ حيث تحدث الدكتور سليمان بن سعيد الكيومي عن “القرنفل وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية على العمانيين في زنجبار”، وتناولت الدكتورة أحلام بنت حمود الجهورية “القهوة بين الجدل الفقهي والمكانة الاقتصادية”، هدفت إلى توضيح الأهمية الاقتصادية لسلعة (البُن) والدور المهم والمؤثر الذي قام به العمانيون في عملية الربط بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك، وإبراز التأثير الاجتماعي والثقافي لمشروب (القهوة)، بينما سلّط الدكتور سالم بن عقيل مقيبل الضوء على اللبان كسلعة مقدسة كان لها دورٌ حضاريّ مهم، بينما حملت ورقة الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية عنوان “المحاصيل الزراعية رافد تاريخي اقتصادي، المانجو والليمون والتمور أنموذجا”، وهدفت إلى دراسة تطور المجتمع العماني بتطور بعض من السلع الاقتصادية فيه خلال التاريخ العماني. متخذة من المانجو والليمون والتمور أنموذجا.

في السطور القادمة تسلّط “أثير” الضوء على جوانب مهمة مما أتت به هذه الأوراق الأربع من خلال تلخيص أبرز ما جاء فيها، خاصّة وأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية قد لا تحظى بذات الاهتمام الذي تلقاه القضايا السياسية عند تناول موضوعات التاريخ العماني، ومن المهم بمكان تسليط الضوء على العديد من القضايا التاريخية المتعلقة بالمجتمع العماني خاصة في الجوانب المشار إليها سلفا.

اللبان السلعة المقدسة ودورها الحضاري

تسمى شجرة اللبان (مغرة) باللهجة الشحرية الظفارية، يصل ارتفاعها من ثلاثة إلى خمسة أمتار، وتنتمي إلى فصيلة البخوريات، وينقسم اللبان من حيث الجودة إلى خمسة أقسام: اللبان الحوجري وهو أجودها وينمو في جبال سمحان وشرق ظفار، ويليه اللبان الحاسكي ثم اللبان النجدي، واللبان الشزري (الشعبي) وأخيرًا اللبان السهلي أو الشعايبي أو الرسمي، ومن فوائد اللبان أنه يجلو ظلمة البصر، وينشف رطوبات الصدر، ويقوي المعدة الضعيفة، وزيادة في الحفظ.

وأتى ذكر اللبان في العديد من المصادر القديمة من بينها ما ذكره المؤرخ اليوناني “هيرودتس” 490- 448 ق.م عن شجرة اللبان قوله: “وبلاد العرب في نهاية المعمورة من الجنوب، وفيها وحدها يوجد اللبان والمر والقرفة واللادن، والحصول على هذه الأشياء يتطلب مصاعب كبيرة..”

وقد فتحت هذه الثروة الشرقية شهية العديد من الدول العظمى في تلك الفترة للحصول عليه، وكان الفراعنة من أقدم الشعوب التي تستخدم اللبان تقربًا للآلهة، ويصنعون منه الطيب منذ آلاف السنين، ويرسلون البعثات إلى أرض الآلهة أو بلاد بونت للحصول على أفضل البخور، وقد عثرت البعثات الأثرية على كرات من الروائح داخل قبر الفرعون الشاب “توت عنخ آمون”، كما تم اكتشاف مباخر في قبور “مناون” بجزيرة كريت بالبحر المتوسط، وتصور أعمال النحت الأشوري في “نينوى” بالعراق الروائح وهي تحرق للآلهة “الشمس”، كما نجد في كثير من معابد الأشوريين أعمدة عالية للروائح تفصل بين الملك والإله وبين رعاياه، وبالنسبة للعبرانيين فإن دخان الروائح كان يخفي حضور الآلهة في الخيمة المقدسة، وقد ذهبت الملكة حتشبسوت (1495 ق. م – 1457 ق. م) إلى “أرض بونت” للحصول على البخور واللبان، وهي من أقدم الرحلات غلى ظفار، وكان الإغريق والرومان يحرقون البخور بكميات كبيرة مع جثث موتاهم .

وتطورت تجارة اللبان وازدهرت في القرن التاسع عشر وتحديدًا منذ عام 1830م وحتى أوائل الحرب العالمية الثانية عام 1939م، حيث كانت مومباي هي السوق النشطة لاستقبال السفن المحملة باللبان التي تأتي من ظفار، حيث تجمع هذه السلعة ثم توزع على العالم من خلال التجار الهنود.

ويعد السوق الهندي من أكبر مستوردي اللبان من ظفار خلال الفترة ما بين الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وحتى أوائل الحرب العالمية الثانية، ويصدر إلى الهند خلال موسمين في العام، وتتراوح حمولة السفن ما بين مائة وخمسين ومائتي طن من مادة اللبان. وتراجعت تجارة اللبان في الهند بعد استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947م حيث فرضت الحكومة الهندية الضرائب على اللبان الظفاري، وتحولت إلى ميناء عدن وانتهت باستقلال اليمن الجنوبي 1963.

القهوة: جدل فقهي ومكانة اقتصادية

تبوأت بعض السلع التجارية مكانة وأهمية تاريخية خاصة، وكانت علامة فارقة في الكثير من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكما حظيت شجرة اللبان بحضور تاريخي مهم جعل من عُمان جسرًا للتواصل بين ‏حضارات العالم القديم قبل أكثر من سبعة آلاف سنة، كذلك أحدثت شجرة البُن أو كما يُطلق عليها: “الذهب الأخضر” ثورة على جميع المستويات، وعُرفت تاريخيًا بــــ “ثورة القهوة”.

ونجح العمانيون في أن يكونوا حلقة وصل بين مناطق إنتاج البُن في اليمن ومناطق الاستيراد في العراق وبلاد الشام والدولة العثمانية، ومنها تصديره إلى أوروبا، حيث كان للعمانيين دورٌ مهمٌ في ذلك عبر أسطول البُن العُماني، الذي عُرف تاريخيًا بمسمى “مراكب القهوة”.

وأحدثت القهوة جدلا واسعا بين الفقهاء بين محلل ومحرم لها، منذ أن أصبحت معروفة منذ حوالي القرن الخامس عشر الميلادي في الأديرة الصوفية اليمنية، حيث إن الإشارات الأولى لشرب القهوة توثق في نهايات القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر الميلادي؛ لذلك حفزت الإنتاج الفقهي والأدبي بين التحليل والتحريم، وكان لفقهاء عُمان نصيبٌ من ذلك الجدل الدائر حول القهوة، ونجد ذلك في رسائل وفتاوى بعض العلماء مثل الشيخ الزاهد درويش بن جمعة المحروقي، والشيخ الفقيه سعيد بن بشير الصبحي، والشيخ الرئيس جاعد بن خميس الخروصي.

ومن أهم الدراسات التي تحدثت عن أسطول البُن العماني دراسة الدكتورة ناهد عبد الكريم حول أسطول البُن العماني، التي أوضحت من خلالها المكانة الاقتصادية التي تبوأتها عُمان خلال فترة نشاطها التجاري بسلعة البُن، حيث تتبعت هذا النشاط خلال فترة حكم اليعاربة (1624-1744م)، وحكم الدولة البوسعيدية.

وحقق البُن كسلعة تجارية أهمية اقتصادية كبيرة لعُمان في القرنين 17 و18 الميلاديين، وارتفعت مكانة ميناءي صور ومسقط للدور الاقتصادي المهم اللذين قاما به في الربط بين مناطق إنتاج البُن اليمن، ومناطق الاستيراد في الخليج والشام ومصر واسطنبول ثم أوروبا، كما حققت تجارة البُن مكاسب سياسية للعمانيين تمثلت في التقارب مع الدولة العثمانية، لاسيما بعد إسهام العمانيون في فك الحصار الفارسي عن البصرة في عامي 1756م، وعام 1775م.

وحفّز مشروب القهوة الإنتاج الفكري (الفقهي والأدبي)، حيث ألّفت الكثير من الكتب حول القهوة، والكثير من الأشعار التي قيلت حولها، كما أدت القهوة إلى ثورة ثقافية تمثلت في بيوت القهوة “المقاهي”، كما أسست القهوة لعادات وقيم مجتمعية مرتبطة بطريقة إعدادها وتناولها، والطقوس المصاحبة لها، فالقهوة عنصرٌ من عناصر ثقافة العربي، كما أن عنوان ضيافة في كل بيت عُماني: اللبان (البخور)، والتمر، والقهوة التي يضاف إليها القرنفل أو الهيل.

أشجار القرنفل تكتب جزءًا من تاريخ زنجبار

شكل انتقال السيد سعيد إلى زنجبار واتخاذها عاصمة لأملاكه في شرق أفريقيا منذ عام 1832 م حدثا فارقا في تاريخ زنجبار السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتحولًا مهما في حياة أهلها الأصليين من الأفارقة وسكانها العرب قدامى وجدد، ولعل من أبرز التحولات التي رافقت استقرار السيد سعيد في زنجبار هو التوسع في زراعة القرنفل وتشجيع السيد سعيد على زراعته في كل من زنجبار وبمبا حتى أضحى القرنفل هو المحصول الرئيسي الذي تنتجه زنجبار.

بدأ القرنفل يشكل نقطة تحول كبيرة في حياة العمانيين، وحدد دورهم الاقتصادي وشكل مسارهم الاجتماعي؛ فنجاح المحصول وما جلبه من ثراء دفع الكثير من العمانيين إلى التحول من التجارة إلى الزراعة، ومن قادة للقوافل التجارية إلى ملاك للأراضي، وفوق كل ذلك أغرقهم في الديون، فأصبحوا رهنًا للمرابين من التجار الهنود وأسرى للمحررين من العمال الأفارقة.

ترجح الروايات أن القرنفل تم جلبه من جزيرة موريشيوس الفرنسية ، كما ترجح الروايات كذلك أن عربيا عمانيا يدعى صالح بن حريمل العبري هو أول من أحضر شتلات القرنفل إلى زنجبار في العام 1818 م، وهناك من يرى أن صالح بن حريمل فعل ذلك بأمر من السيد سعيد بن سلطان . وهو ما أورده جراي في كتابه تاريخ زنجبار Gray, A history of Zanzibar

وقد أدى تصاعد أرباح القرنفل في السنوات الأولى من الإنتاج إلى التوسع في زراعته إما باستصلاح المزيد من الأراضي أو شراء المزارع من أصحابها ، وبمرور الوقت بدأت تظهر في زنجبار طبقة من ملاك الأراضي والتجار والأثرياء ، الذين كان معظمهم من العرب ، ثم أصبحت هذه الطبقة تضم بعض الشيرازيين والهنود.

وقد انعكس ذلك على التطور العمراني وشكل البناء، فظهرت المنازل الفخمة المبينة من الحجر والمكونة من طابقين أو ثلاثة طوابق، كما شيدت الأبواب من الخشب الثقيل المزخرف والمنقوش، وفرشت الغرف بأفخر أنواع الأثاث.

وتركت زراعة القرنفل آثارًا اجتماعية واضحة في زنجبار، كان أبرزها هو زيادة النمو السكاني في الجزيرة بوتيرة متسارعة نتيجة ارتفاع معدلات الهجرة إليها، وهذا ما أكده المغيري الذي ذكر أن القرنفل كان أحد الأسباب المهمة لهجرة العرب العمانيين وغيرهم إلى زنجبار، حيث يقول ” لولا وجود هذه الشجرة في زنجبار لانقطع المهاجرون عنها من العرب وغيرهم إلى آخر درجة “.

وكان اهتمام السيد سعيد بالقرنفل والتوسع في زراعته بعد نجاح التجربة نابعاًمن حرصه الشديد على امتلاك زنجبار لمحصول نقدي منافس يدعم موقفها كميناء للتجارة العابرة ويقوي اقتصاد امبراطوريته الناشئة ، فأمر السيد سعيد كل صاحب مزرعة من العرب بغرس ثلاث شجرات من القرنفل بدلا عن كل شجرة نارجيل ) جوز الهند ( ومن هنا بدأ القرنفل يشكل نقطة تحول كبيرة في حياة العمانيين الاقتصادية في زنجبار، فنجاح المحصول وما جلبه من ثراء دفع الكثير من العمانيين إلى التحول من التجارة إلى الزراعة ، ومن قادة للقوافل التجارية إلى ملاك للأراضي .

إن تحول العمانيين إلى الزراعة كان يعني من جانب آخر التحول إلى حياة الاستقرار بدلا من حياة التجول والترحال التي تقوم عليها التجارة

نماذج من السلع العمانية ( المانجو – الليمون – التمور)

شكلت المحاصيل الزراعية على مر التاريخ العماني الحضاري جزءًا رئيسًا في رفد الاقتصاد الوطني؛ حيث كان المانجو – الذي عرف في عمان لأول مرة في مقنيات في عهد السلطان فلاح بن محسن النبهاني – محصولا محلي الاستهلاك لم يتم استغلاله على نطاق اقتصادي ولم يصل لدرجة التصدير خلال مراحل التاريخ العماني، فيما شكلت التمور الرافد الرئيسي للاقتصاد العماني إلا أن التغيرات السياسية لعبت دورها في تهميش دور المحصول في رفد الاقتصاد العماني، حيث كان للتدخلات البريطانية المستمرة في البلاد دورٌ في تهميش محصول التمور وعدم العناية به، فظهرت أسواق منافسة حديثة تفوقت على المنتج العماني إقليميا ومحليا.

كما شكل الليمون المجفف مصدر الدخل الثاني للاقتصاد العماني، ولعبت الظروف المناخية، والأحوال السياسية في البلاد دورا بارزا في غياب القيمة الاقتصادية لليمون العماني، وضعف الاهتمام بزراعته، فقلّ عدد الأشجار بصورة كبيرة مما أكسب الليمون المستورد مكانه اقتصادية مع تهميش المنتج العماني

وفي عصر النهضة المباركة عمل جلالة السلطان قابوس بن سعيد – حفظه الله- على إعادة إحياء المكانة الاقتصادية للمحاصيل العمانية، وخاصة التمور من خلال مشروع المليون نخلة.

· الصور من أرشيف الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية

المراجع:

1- الجهورية، أحلام بنت حمود. القهوة: جدل فقهي ومكانة اقتصادية، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة “قراءات في التاريخ الاقتصادي العماني.. السلع التجارية أنموذجا”، الأربعاء 26 ديسمبر، الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء.

2- الكيومي، سليمان بن سعيد. الآثار الاجتماعية والاقتصادية لزراعة القرنفل في زنجبار خلال القرن 19 م، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة “قراءات في التاريخ الاقتصادي العماني.. السلع التجارية أنموذجا”، الأربعاء 26 ديسمبر، الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء.

3- النبهانية، بدرية بنت محمد النبهانية. “المحاصيل الزراعية رافد تاريخي اقتصادي، المانجو والليمون والتمور أنموذجا”، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة “قراءات في التاريخ الاقتصادي العماني.. السلع التجارية أنموذجا”، الأربعاء 26 ديسمبر، الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء.

4- مقيبل، سالم بن عقيل. اللبان السلعة المقدسة ودورها الحضاري، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة “قراءات في التاريخ الاقتصادي العماني.. السلع التجارية أنموذجا”، الأربعاء 26 ديسمبر، الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock