عبر تعميم ديواني: توجيهات سامية باعتماد عام تأسيس الدولة البوسعيدية، فما هي الآراء المختلفة حوله؟

أثير- تاريخ عمان 

 إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

أوضح تعميمٌ أصدره معالي السيد خالد بن هلال البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني – وتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي- إلى أن “المقام السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – تفضل فأصدر توجيهاته السامية المطاعة القاضية باعتماد عام 1744م عامًا لتأسيس الدولة البوسعيدية ، وذلك على ضوء الملاحظة السامية لجلالته – أبقاه الله – حول عدم التوافق في البيانات المتوفرة لدى الجهات الرسمية عن تاريخ تأسيس الدولة البوسعيدية”.

“أثير” بحثت في عدد من المصادر والمراجع التي تناولت تاريخ عمان عن رأيها في تحديد العام الذي تولى فيه الإمام أحمد بن سعيد مقاليد الإمامة في عمان؛ وكانت النتيجة أن هذه المصادر والمراجع اختلفت في التاريخ؛ فمنهم من ذهب إلى العام 1741، ومنهم من رجّح أنه العام 1744، ومنهم من أشار إلى توليه في عام 1749، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك، ولعل هناك أسبابًا عديدة أدت إلى هذا الاختلاف من بينها قلّة المصادر التي عايشت الحدث إذا ما استثنينا “كشف الغمة”، بالإضافة إلى تداخل أحداث عديدة من بينها ازدواجية منصب الإمامة في بعض الأوقات، ووجود أكثر من بيعة لبعض هؤلاء الأئمة، واعتبار البعض أن أحمد بن سعيد تولى القيام بأعباء الإمامة فعليًا بعد استشهاد الإمام سلطان بن مرشد عام 1743، بينما يرى بعض آخر أن هذا الأمر لا يعني كونه قد أصبح إمامًا على اعتبار أن تاريخ عقد الإمامة الفعلي له كان عام 1749 كما أشار الأزكوي في كشفه.

وفي الأسطر القادمة سنعرض في سياق سرد الإشارات المختلفة المتعلقة بتاريخ تولي الإمام أحمد لأغلب هذه الآراء مع التركيز على الآراء التي تذكر أو ترجّح اعتبار العام 1744 هو العام الذي أصبح فيه (الشيخ) أحمد بن سعيد بن محمد البوسعيدي الأدمي والي صحار إمامًا على عمان.

ومن بين المؤرخين والباحثين الذين ذكروا أو رجّحوا عام 1744 على اعتباره العام الذي تولى فيه الإمام أحمد الإمامة في عمان؛ لوريمر الذي ذكر التاريخ ثم أتبعه بالفقرة الآتية ” لقد منح حاكم صحار أعلى السلطات اعترافا بفضله الذي لا ريب فيه على البلاد، وهكذا أصبح أحمد بن سعيد هو مؤسس حكم آل بوسعيد الذي ما يزال حاكما في عمان حتى اليوم. ويبدو أن انتخابه للإمامة كان أمرًا دبّر بعناية…” (1)

ويرى بادجر “أن انتقال الحكومة من اليعاربة إلى أحمد بن سعيد وهو أول حكام أسرة آل بو سعيد بعد أن كانت السلطة بيد الأسرة القديمة مدة مائة وسبع عشرة سنة – من ضمنها الحكم القصير لمحمد بن ناصر الغافري- قد حدث عام 1744م”(2)

أما الباحثة خلود باحشوان فترى أنه قد “قامت دولة البوسعيد في عمان عندما بويع أحمد بن سعيد – والي صحار- بالإمامة في اجتماع أهل الحل والعقد في الرستاق سنة 1744، وهناك اختلاف بين المصادر في السنة التي تولى فيها الإمام أحمد بن سعيد الحكم في البلاد، فالسالمي ذكر أن ذلك تم عام 1167 هـ أي تقريبا 1754، والإزكوي أورد أن ذلك تم سنة 1162 هـ أي تقريبا سنة 1749م، وذكر ابن رزيق أن ذلك كان عام 1154هـ أي 1741، إلا أننا نرجح أن يكون تولى بين عامي 1744 و 1745 ؛ وذلك لأن قوات تقي خان انسحب معظمها من عمان سنة 1743 ، وقد وقع اختيار أهل عمان  على أحمد بن سعيد ؛ لأنه خلص البلاد من الغزاة الفرس”(3)

وتعود الباحثة لتضيف: “مما سبق نرجح أن تكون سنة تولي الإمام أحمد بن سعيد هي 1744 للسبب الذي ذكر آنفاً، وأن ذلك التضارب قد حدث نتيجة لعدم استقرار الأوضاع وانفراد الإمام أحمد بالسلطة وإذعان كل عمان له إلا بعد سنوات من توليه الحكم..”(3)

ويرى الدكتور عبد القادر القحطاني أنه “تم انتخاب بلعرب بن حمير بن سلطان بن سيف اليعربي بعد وفاة الإمام سلطان بن مرشد يوم 20 ربيع الآخر 1157هـ/1744م للمرة الثانية إمامًا لعمان، وذلك بتأييد قبائل بني غافر ونعيم والقواسم وقبائل منطقة الصير. وفي الوقت نفسه انتخبت قبائل الهناوية في الرستاق أحمد بن سعيد البوسعيدي تقديرًا لجهاده الوطني ضد الغزاة الفرس”.(4)

ثم يعود القحطاني ليشير إلى وجود خلاف بين المؤرخين على تاريخ تولي الإمام أحمد بن سعيد لمقاليد الإمامة في السلطنة، ويشير إلى تواريخ عدّة من بينها العام 1744 حيث يرى أنه” قد اختلف المؤرخون في تاريخ بداية ونهاية حكم الإمام أحمد بن سعيد، فنجد ابن رزيق يقول إن بداية حكم أحمد بن سعيد عام 1741 ووفاته عام 1188 هـ/ 1774، على أساس أن رحيل القوات الفارسية عن البلاد على حد قوله كان في عام 1731، وبذلك تعد بداية لحكم الإمام أحمد. وهناك من يقول إن البيعة بالإمامة لأحمد بن سعيد تمت في عام 1749 عقب خروج آخر جندي فارسي من البلاد، وتغلبه على منافسه الإمام بلعرب بن حمير، بينما يؤكد جون ويلان أن أحمد بن سعيد تولى الإمامة في 1744م، وهذا ما يؤكده لوريمر وغيره من المؤرخين بعد أن طرد في هذا العام آخر جندي فارسي من بلاده بما فيها مسقط”.(4)

ويشير القحطاني إلى ذات المعلومة في مرجعٍ آخر في مكانٍ آخر، ويضيف إليها ” وتذكر بعض المصادر أن أحمد بن سعيد دعا عقب نجاحه في طرد الفرس من بلاده إلى عقد اجتماع يضم رؤساء وشيوخ القبائل في مدينة الرستاق لاختيار أحدهم إمامًا للبلاد؛ فوقع اختيارهم عليه لما قام به من أعمالٍ وطنية كان منها تخليص البلاد من الغزاة الفرس”.(5)

وفي حديثه عن نجدة أهل عمان زمن الإمام أحمد للبصرة يشير الدكتور طارق الحمداني إلى أنه ” لقد تمخض احتلال الفرس لعمان عن ظهور زعيم جديد للبلاد، قام ليسترد لها استقلالها وسيادتها وما ضاع من نفوذها في الخليج العربي، وليعمل على تحقيق الوحدة الوطنية، وكان هذا الزعيم هو أحمد بن سعيد (1744-1783)، الذي لمع اسمه في صحار، فتصدى للاحتلال الفارسي، وأرغم الفرس على الانسحاب من عمان عام 1744، فكوفئ على عمله هذا بانتخابه إماما للبلاد”.(6)

وترى الباحثة جميلة معشي أن “..تلك الخلافات التي عصفت بالزعامات اليعربية، فتحت المجال لظهور زعامة جديدة فتية تمثلت في أحمد البوسعيدي الذي استفاد من قيادته للمقاومة في صحار ضد الحملات الفارسية، ووضع الأساس لحكم أسرة البوسعيد في عمان، وتمت مبايعته بالإمامة في عام 1157هـ/1744م”.(7)

أما الباحث موسى غضبان فقد أكّد أنه ” وكما هو معروف فقد آل حكم عمان بعد انتهاء عهد اليعاربة الذين أسسوا الدولة على يد إمامهم ناصر بن مرشد عام 1624، إلى فرع آخر عرف بآل بوسعيد (البوسعيد) على يد أحمد بن سعيد في عام 1744 ليصبح المؤسس لدولة البوسعيد”(8)

ويشير الدكتور صالح الخروصي إلى أنه ” لم تتفق المصادر على تحديد السنة التي تولى فيها الإمام أحمد، فابن رزيق يشير إلى عام 1154هـ/1741م، بينما يشير السالمي إلى 1167هـ/1754م، ويشير معظم المؤرخين المعاصرين إلى عام 1744، إنما الرأي الأقرب للصواب هو أن حكم الإمام في عام 1744 كان بوجود إمام منافس له من بقايا اليعاربة هو بلعرب بن حمير..، ثم جددت بيعة الإمام في عام 1749″.(9)

******************************

المراجع:

1- ج، ج، لوريمر.دليل الخليج، القسم التاريخي، الجزء الثاني، مكتب أمير قطر، بدون.

2- بادجر، بيرسي. مقدمة كتاب تاريخ أئمة وسادة عمان– ترجمة محمد علي الداود – ط2 2012، وزارة التراث والثقافة

3- خلود بنت سالم باحشوان (أهمية مسقط منذ اتخاذها عاصمة لعمان 1784 وحتى 1832)، بدون.

4- عبد القادر بن حمود القحطاني، دراسات في تاريخ الخليج العربي، المجلس الوطني للثقافة والفنون، ط1 ، 2008، الدوحة.

5- عبد القادر حمود القحطاني، سيرة الإمام أحمد بن سعيد البوسعيد، المؤرخ العربي، العدد 52، 1995 ص 68 – 71

6- الحمداني، طارق نافع. النجدة العمانية للبصرة 1775-1776، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، السنة السابعة، العدد السابع،1995، جامعة قطر، ص223

7- معشي، جميلة بنت عبده بن موسى، جهود المزارعة في نشر الإسلام في أفريقيا، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الشريعة، جامعة أم القرى، 2014، ص89

8- غضبان، موسى. الآثار الثقافية للعرب على شرق أفريقيا خلال القرن التاسع عشر، مجلة الدراسات الأفريقية، مجلد 34، 2012 ص77 

9- الخروصي، صالح بن عامر. عمان في عهدي الإمام سعيد والسيد سلطان بن أحمد البوسعيدي (178301804)، بيت الغشام للنشر والترجمة، البرنامج الوطني لدعم الكتاب، ط1 ، 2015

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock