محمد الهادي الجزيري يكتب: مذبح الموتى لـ هنري جيمس

‏مذبح الموتى
هنري جيمس

‏ترجمة وليد أحمد الفرشيشي
‏مراجعة رمزي بن رحومة

‏محمد الهادي الجزيري

‏جرّب المسألة ففشل أوّل مرّة ..وأعاد مرّات أخرى فصار ” مسكيلياني ” دارا واسما وجهة يُشير إليها القرّاء والناشرون كلّما صدر عنوان لافت ..، المعني هو طبعا شوقي العنيزي الذي تربطني به صداقة متينة ..وقد زرته في مقرّ عمله وأهداني مجموعة من الإصدارات الجديدة عدت بها إلى البيت كفارس نال طريدة ..وها إني أقرأ إحداها وأفكّر في الكتابة عنها لقرّاء ” أثير ” ..، الرواية هي ” مذبح الموتى ” لهنري جيمس…..

‏يبدأ السرد بذكر جورج سترانسوم ونفوره من الاحتفالات السنوية باستثناء مناسبة واحدة وجدت مكانا لها في حياته..وهي أن يُحيي في كلّ عام تاريخ وفاة ماري أنتريم..ومن هنا تنطلق رواية ” مذبح الموتى ” الطافحة بحبّ كائن استثنائي كان يوشك أن يتزوج به ..وكائنات فارقت هي الأخرى الحياة …نحن في حضرة رواية تخفّف من حدّة الموت وتستردّ عالم العيش اليوميّ للذين فارقوا حياتنا ….

‏نعم إنّ الحياة صارت بالنسبة له افتراضا محضا ..فمن حرصه على عدم فقدان أحد من أحبّائه وشدّة إيمانه بعمله وتفانيه فيه ..صار في كلّ اجتماع يعدّهم واحدا واحدا ..بالرغم أنهم لم يكونوا على قدر هذه الأهمية لو كانوا على قيد الحياة …يقول هنري جيمس :

‏” ثمّة أشخاص لم يكن يهتمّ لأمرهم كثيرا وهم أحياء، أصبحوا قريبين منه بعد أن ضُمّوا إلى طائفته، بل أكثر من ذلك، لقد واظب على عدّ رؤوس شموعه في كلّ مرّة إلى حدّ شعر معه وكأنّه راع يقف أمام قطيعه…”

‏أن يصرّ المرء منّا على فعل شيء على عكس الآخرين ..يُعدّ دوما جميلا وايجابيا ..لكنّه يوغل في ذلك الوهم إلى أن يصبح حقيقة بل ” الحقيقة ” وما عداه باطل وهامشي ..نرى أنّ بطل الرواية جورج سترانسوم ظلّ يراكم السنوات والعقود حتّى نسي نفسه بل أصبحت في خدمة الآخرين ..وما هم سوى أوهام وأشباح ….

‏” ولأجل هذا كبُر لدى ( جورج ستنرانسوم ) بمرور السنوات،ذلك التصميم على أن يفعل هو على الأقلّ شيئا من أجل موتاه، وأن يقوم بهذا العمل الخيريّ العظيم على الوجه الأكمل..”

‏لقد نجح بطل الرواية في مسعاه ..وأفلح في جهده وإن كان وهما ..فقد حوّل عالم الموت في المستطاع ولوجه ومغادرته وقت ما يشاء …، وغيّر الحقّ الواضح للأحياء في الفعل والقول لصالح الموتى دون أن يظلم أحدا ..ما هو إلاّ التماهي وفق نظام من صنعه …

‏” ها قد صار ( موتاه ) يمتلكون حقّا شيئا ما مخصّصا لهم، لقد أحبّ سترانسوم فكرة أن يتماهى موتاه مع موتى الآخرين، وأن يكون بالإمكان استحضار موتى الآخرين وجعلهم تحت رعاية نظام الطقوس الذي أنشأه ..”

‏في ظهر الغلاف الخارجيّ ..كتب مترجم العمل وليد أحمد الفرشيشي قراءته لمذبح الموتى:

‏” لم يقدّم هنري جيمس قصّة بل مرثية حقيقية تستحقّ، دون شكّ، أن تنال المرتبة الأولى من بين كلّ الرحلات السردية التي غامرت باستكشاف عالم الموت.

‏في هذه القصة، يلعب الموتى دورا لا ينفذ إلى كنهه الأحياء، حيث تفقد مشاعر الحب والصداقة وحتى الكراهية، معانيها لفائدة معنى أكثر نقاء وسموّا، وهو تمجيد الموت لهدم آخر جدار يفصل بين البشر والغفران.”

‏مذبح الموتى تعيد أنسنة الموت، هذا الوحش المخيف، وتعيد الحياة للموتى، هؤلاء الساقطين من ذاكرة الأحياء، وتعيد للغفران مذبحه المتلألئ بمئات الشموع التي تنير عتمة الروح في طريقها إلى الخلاص….

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock