محمد الوهيبي يكتب: بلد سيت، تُزاحم النجوم والكواكب

محمد بن علي الوهيبي

تخبرنا جبال بلادنا عن الإنسان العماني وعلاقته بها، تخبرنا عن عناده وجلادته إزاء تضاريسها وقسوتها، علاقة تحوّلت بمرور الدهور والأحقاب إلى تواصل واتصال، وألفة وانسجام، بينه وبين هذه الجغرافيا من الأرض، أقول هذا وأنا أطوف في مناطق ولاية الرستاق وأوديتها الرائعة وجبالها وسفوحها التي تأسر الألباب بجمالها اللافت، كنت قد زرت أو بمعنى أدق صعدت أكثر من مرة إلى قرية (يصب) بعد أن عبرت وادي السحتن والقرى الجميلة التي تترامى على جانبيه، وربما تكون قرية (يصب) هي من أصعب الأماكن التي توجد في أعالي الجبال، وذلك لوعورة ومشقة الطريق المؤدي إليها لكنك حتمًا ستشعر بجزالة المكافأة عندما تصل إلى هناك وترى تلك الوجوه المشرقة، والطبيعة الساحرة، والزهور والأشجار النادرة، أسرد هذا الحديث لكوني مررت بالعديد من الوجهات الجبلية ، وبطبيعة الحال أن لكل جبل ملامحه وتفرّده عن الآخر، فسبق لي وأن صعدت مرات عديدة إلى الجبل الأخضر وجبل شمس وجبل السراة، وبلد سيت، وهاط والجبل الأسود والسعتري ، وسلكت في محافظة مسندم طرقًا جبلية تطاول عنان السماء من خصب وصولا إلى دبا عبر ممرات ملتوية ووعرة ، غير معبدة في مدة زمنية تجاوزت ثلاث ساعات، ولروعة تلك الدروب وأمكنتها الباذخة بالجمال لم أشعر بمشقة الطريق ووعورتها ، كما صعدت كذلك معظم جبال ظفار الشّماء ، إلا أن الذهاب إلى (يصب) بالنسبة لي وجدته الأكثر مشقة من بين تلك الأسماء التي ذكرتها من جبال بلادنا والتي عبرت طرقها ، وربما جاء مسمى “يصب” لهذه القرية من الوصب أو التعب ، لكنها بحق وجهة تستحق الوصول إليها رغم العناء والتعب .


لكنني هذه المرة قررت أن أصعد إلى بلد سيت عبورًا بوادي بني عوف، هذا الوادي الممتع الذي يستحوذ على الانتباه بمكوناته الرائعة من ناسه الطيبين، ومياهه وصخوره العجيبة وأشجاره الوارفة الظلال
وكنت أسير في ذلك الوادي والصباح يطلق عصافيره الأولى في وجه نهار يشي بكثير من الفرجة والمتعة، وتصادف أن وجدت أحد السياح مخيما على أحد جنبات الوادي بين تلك الجبال السامقة، يبدو أنه أمضى ليله هنا مستمتعًا بجمال المكان غير عابئ بجنّيات المكان والسحرة والمغايبة الذين يخرجون من كهوفهم ليستمتعوا بجمال الليل، وأيضا ليلتقطوا أرزاقهم كما تقول الحكايات، العجيب أن هذا الرجل لم يأتِ إلى هذا المكان على متن سيارة ذات دفع رباعي وإنما جاء على متن دراجة هوائية ركنها بجوار خيمته، وبما أنه كان لدي متسع من الوقت تحدثت معه، فأخبرني بأنه جال في ربوع هذه البلاد وهو مندهش من طبيعتها وبساطة أهلها وطيبتهم ، وأنه بالرغم من أنه زار العديد من بقاع الأرض شرقا وغربا، إلا أن عمان جذبته أكثر من غيرها وجعلته يعود إليها، وذكر بأن هذه هي المرة الثالثة التي يزورها كما أكد لي بأن هذه البلاد لا تُمل .


تركت هذا السائح يلملم أمتعته البسيطة ليذهب إلى وجهته القادمة ، ويممت الطريق صعودًا إلى بلد سيت وما إن بدت لي من بعيد حتى دهشت أمام فتنة هذه القرية الوادعة، وهي تعانق الجبال
وحين يتداخل الجمال والخيال، تتعثر لغة الكلام، فاختلت بين شجرها وبيوتها عابرًا أزقتها ودروبها، مرة أراها بعين ذاك السائح الأجنبي ومرات بعيون عمانية، وتواردت إلى خاطري أسئلة عن قدرة الإنسان العماني الذي أوجد بين هذه البيئة الصعبة، وكيف تمكّن من زراعة هذه الجبال بما لذ وطاب من الثمر بطرق وتقنيات مبتكرة وإعمارها بأجمل البنيان؟!!
كما قادني إلى تساؤل آخر عن مدى قدرة العماني في زمننا الحاضر على تحدي وقهر المستحيل كأسلافه، وليقول بصوت عالٍ (كنت بالأمس عماني واليوم عماني وسأبقى مدى الدهر عماني ).

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بلاد سيت الوادعة الجميلة زرتها في 1989 و رأيت فيها قوم وكأنهم من عهد النبي بكرمهم وطيبتهم وشهامتهم . كانوا يتناسفون على استظافتنا جزاهم الله خير الجزاء . صليت في مسجدها الصغير الكبير ببركته . حولهم الجبال من كل مكان محصنين بخيرات الله وأمنه وسلامه . غفر الله لكم يا أهل الكرم

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock