سلسلة “المشتغلون بالتاريخ”: الشاب العُماني الذي يهتم بالتاريخ منذ الصف الرابع ويستثمر “تويتر” للتعريف به

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د.محمد بن حمد العريمي

 

عندما تدخل حسابه في (تويتر) تُفاجأ بحجم الزخم الفكري التاريخيّ الذي يحتويه ذاك الحساب؛ حيث ستتابع من خلاله مدى الجهد الميداني الذي يبذله صاحبه في مجال التنقيب عن مكنونات التاريخ العماني وشواهده المادّية، وحيث لا شاردة أو واردة تتعلق بتاريخ السلطنة دون أن يتم تدوينها فيه، ولا يمكن لخبرٍ عن فعاليةٍ أو اكتشافٍ هنا أو هناك، أو عرضٍ لمعلومة تاريخيةٍ مهمة في أي حساب من حسابات المهتمين بالتاريخ، أن يمر دون أن يكون لها توقفٌ في حسابه، ولا أظن أنه يمكنك حضور أي مؤتمرٍ أو ندوةٍ تاريخيةٍ محلية دون أن تجده موجودًا كأول الحضور وأكثرهم حضورًا. باختصار هو شعلةٌ من النشاط الدائم وكأنه خُلِق للبحث والاستكشاف والتفاعل المجتمعيّ.

هو الباحث حبيب بن مرهون بن سيف الهادي الحاصل على درجة الماجستير في طرق تدريس التاريخ، والمحاضر كأكاديمي ببرنامج التعليم عن بعد بكلية العلوم الشرعية، وعضو مناهج تعليم التاريخ بوزارة التربية والتعليم، وقبل هذا وبعده هو الباحث الشغوف بمفردات التاريخ المختلفة، المتتبع لها، والمساهم في صناعتها.

 

اهتمام مبكر

بدأ اهتمام شخصيتنا بالتاريخ العماني مبكرًا وتحديدًا منذ أن كان في الصف الرابع؛ حيث كانت بداية علاقته بكتب التاريخ، فقرأ تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للإمام نور الدين السالمي وغيرها من الكتب التاريخية المتعلقة بالتاريخ العماني، وفي مقاعد الدراسة كانت مادة التاريخ من أحبّ المواد إليه، لذا كان من الطبيعي أن يكون التاريخ هو مجال تخصصه في الجامعة، وأن تكون وظيفته الأولى هي تدريسه قبل أن ينتقل للعمل بمجال تأليف مناهج التاريخ.

مكتشفات أثرية

للباحث والمشتغل بالتاريخ حبيب الهادي اهتمام كبير بمجال التنقيب عن الآثار وتتبع المكتشفات الأثرية، فلا يكاد يمر يوم دون أن تجد على حسابه (التويتري) خبرًا عن اكتشافٍ هنا أو هناك، أو صورةً له وهو أمام موقعٍ أثريّ، أو قرب صخرةٍ نقش عليها بعضٌ من الرسوم، أو دُوّن على سطحها بعضٌ من التواريخ المهمّة، ومن بين المكتشفات الأثرية على مختلف أنواعها التي اقترب منها باحثنا حارة محصنة ( حصن صنه)، وتقع هذه الحارة الحصينة في منطقة الحاجر والتي كانت تسمى “بحاجر حطاط أو حاجر الخفيجي” تميزًا عن غيرها من حواجر عمان المختلفة، واللافت في هذه الحارة الحصينة أنها ترتفع عن ما جاورها من أراضي سهلية بحوالي (150 م) فهي على مصطبة جبلية تشرف على ممر حيوي يربط بين شرقية عمان بمسقط، كما أنها تقع على ضفاف أهم أودية ولاية العامرات وهو وادي الجانحي ووادي الحاجر. وكذلك البيوت الأثرية ومن بينها (بيت العود) بوادي الميح للشيخ سعيد بن سالم المعشري، وبيت الشيخ سعيد بن ناصر الكندي بالعامرات، وبيت الشيخ حبيب بن سليم الضنكي بالأخضر، بالإضافة إلى بعض الكهوف ومن بينها كهف الموميان وهو كهف تم شقه في قمة جبل تطل على وادي الميح، ويستخرج منه مادة (الموميان) ذات لون أسود تستخدم لعلاج كسور العظام كعلاج شعبي متعارف عليه عند أهالي المنطقة، ومنجم اللاصف ( الإثمد) وهو منجم تعديني في قمم جبلية تقع إلى أقصى جهة الشمال الشرقي من ولاية العامرات في أحد روافد وادي عدي ويحتاج  لمسافة ثلاث ساعات مشيا ذهابًا وإيابًا، وهو عبارة عن مجموعة مواقع محفورة في قمة جبل بينها موقع عميق يزيد عمقه على (10م)، وكانت هناك قوافل تجارية تقدم من نزوى وبهلا لشرائه حتى يتم استخدامه في صناعة الفخار حيث يستفاد من المادة بإضافتها على الطبقة النهائية كأصباغ للفخار لتعطيها لمعان أكثر.

 

كما تم اكتشاف بعض الرسومات والنقوش الصخرية حيث توجد مجموعة من الرسومات الصخرية تنتشر في كل من وادي الميح ووادي عدي على ممرات الطرق قديمًا، وهذه الرسومات تعطي صورة عن الواقع الذي كان يعيشه الإنسان في فترات تاريخية سحيقة حيث لم تكتشف الكتابة بعد، كما أنها تتميز بأهميتها الحضارية إذ تمثل جانبًا من جوانب الإبداع عند الإنسان العماني قديمًا حيث يصور فيها الحالة الاجتماعية والدينية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع آنذاك.

 

 

 بالإضافة إلى اكتشاف عدد من القبور الأثرية؛ حيث تنتشر العديد من القبور القديمة في ولاية العامرات وخاصة في منطقة الحاجر، وبعض تلك القبور تقع في منطقة وادي عدي، وهذه القبور تختلف في أشكالها فمنها القبور الدائرية ومنها القبور المستطيلة. 

كما أن هناك مستوطنات زراعية عديدة ظهرت في فترات تاريخية مختلفة، وفي مناطق متعددة من ولاية العامرات ومن أبرز تلك المناطق: (الأخضر) وتقع في منطقة الأقمار الاصطناعية مقابل لمتنزه العامرات، ومن أهم بقايا تلك المستوطنة مسجد أثري حيث لا يزال محافظا على جدرانه التي بنيت بالجص والحصى، كما توجد في الموقع آثار لساقية الفلج وجدران بنيت بالحجارة لحماية التربة من الانجراف، و(السعادي) التي تقع بالقرب من بلدة جحلوت وكانت من أكبر التجمعات السكانية في جنوب العامرات، وبها فلج شق من وادي جحلوت وقد بقت آثاره وآثار الأراضي الزراعية الواسعة ومخازن الزراعة وبعض المنازل القديمة، و(المحيول) وتقع في منتصف مسار الوادي القادم من جحلوت إلى وادي الميح إلى الجنوب من الحاجر، وقد تبقى من معالم هذه المستوطنة الزراعية الضواحي والجدران ومخازن الحبوب، حيث تمتد على شكل مدرجات مما يؤكد بناءها على فترات زمنية متعاقبة، و(الفيفا) وهي منطقة جبلية بالقرب من بلدة حيم إلى الجنوب الغربي من ولاية العامرات.

إنجازات بحثية

عدا عن اهتمامه بمجال التاريخ المادّي والشواهد الأثرية، فللباحث إسهامات فكرية بحثية متنوعة تشهد بها سيرته الذاتية الزاخرة، ومن بين إنجازاته البحثية عرض العديد من الوثائق التاريخية التي تتناول جوانب سياسية واجتماعية وأدبية تتعلق بمنطقته، وإسهامه في تأليف الكتاب الذي أصدرته وزارة التربية والتعليم عام 2018 بعنوان (شخصيات عمانية خلّدها التاريخ)، وله كتيب بعنوان (أحمد بن ماجد ربان المحيط الهندي الأول)، وكتاب آخر في مرحلة الطباعة بعنوان (التواصل الحضاري بين عمان وشعوب السواحل الآسيوية منذ العصور القديمة إلى العصور الإسلامية)، كما سوف يُصدر قريبا بحثًا علميًا بمجلة علمية محكمة في تركيا خلال شهر مارس القادم عن العلاقات العمانية العثمانية (دراسة وثائقية في الأرشيف العثماني).

كما ترأس وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات، حيث قدم أوراقًا بحثية عدّة من بينها ورقة بحثية بعنوان (الطرق التجارية بين عمان والصين. طريق البخور أنموذجًا)، وأخرى بعنوان (إسهامات العمانيين في نشر الإسلام واللغة العربية في مناطق جنوب شرق آسيا)، وثالثة تناولت الدور العماني في نشر الحضارة الإسلامية في السواحل الآسيوية، كما كتب مقالات متعددة من بينها: موانئ عمان عبر الأزمان، الطرق التجارية بين عمان والصين، العامرات كنز أثري عبر الزمان، عدا العديد من الأنشطة الثقافية والمجتمعية الأخرى والتي تعبر عن نشاط فكري واجتماعي دؤوب قد لا يتسع المجال لحصرها.

 

ملاحظات

يرى الأستاذ حبيب الهادي أنه لا تزال هناك الكثير من الشواهد الأثرية العمانية التي لم يتم اكتشافها بعد، وأن ما تم اكتشافه هو نزرٌ يسير، وعليه لابد من الاستمرار في البحث والتقصي عن هذه المواقع، وحماية هذه الشواهد من العبث بها كما هو ملاحظ في تلك القريبة من الطرق على سبيل المثال، وهذه من القضايا التي تؤرقه إضافة إلى عدم تعاون بعض مالكي الوثائق مع الباحثين من حيث إتاحة الفرصة لهم لدراسة تلك الوثائق والتعرف على محتوياتها الفكرية، كما يرى أهمية وجود خبراء أثريين لتقدير العمر الزمني للشواهد الأثرية التي يتم اكتشافها؛ كي يتسنى إعادة كتابة التاريخ المادي وما يرتبط به من أحداث بشكل أقرب للدقة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock