د.رجب العويسي يكتب: ما السّر الذي جعل المدرسة العمانية في عقود النهضة الأولى حاضرة في ذاكرة المواطن؟

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

مع كل اللطائف التي ننسجها حول التعليم، والردود التي تأتينا عبر منصات التواصل الاجتماعي والواتس أب أو عبر اللقاءات الجانبية التي تجمعنا بين فينة وأخرى مع الأقران وذوي الاختصاص وأهل الخبرة وأولياء الأمور والمثقفين والكتاب، والمتابعين للشأن التعليمي، بل حتى أولئك الذين عاصروا التعليم في هذه العقود كمسؤولين ومشرفين ومعلمين وهيئات إدارية ، لتحمل معها قناعات وأفكار واحدة ووجهات نظر متقاربة، قليلا ما يظهر بينها التباين لتعيد إلى ذاكرة الأيام الموقع الذي كان يشكله التعليم عامة والمدرسة على وجه الخصوص في تلك الفترة من عمر النهضة العمانية المباركة، والحديث عن علامة فارقة كانت تعيشها المدرسة العمانية بكل محتوياتها ومعطياتها، صورة عكست إنجازات مخلصة في التعليم رغم قساوة الظروف وقلة الإمكانيات وتدني نسبة الانفاق على البرامج والأنشطة التعليمية، وصعوبة الوصول إلى بعض المدارس في الأماكن البعيدة، في فترة لم تستكمل فيها التقنية نشاطها الواسع لتصبح فاعلا مؤثرا في التعليم وموجها للكثير من سياساته وبرامجه، ، كانوا يقرؤون في ذلك الزمن الطيب، مساحات من العطاء تفوق التوقعات، وأنشطة مبتكرة أبهرت الجميع، فأذاعت صيت المدرسة حاملة نهج الحضارة ومنهج البناء في ظل انتاجية أوسع نحو خلق المنافسة، وبناء مسارات التحدي في المنجز التعليمي، ولعل السر الذي حملته معها كان يرتكز إلى جملة السمات التي أسست للتعليم عالي الجودة، وأصلت لمسارات العمل المتقن، في تركيزه على جوهر العمل وأولوية الهدف وركيزة المنافسة وبلسم التحدي، ألا وهو الطالب ذاته، فبناء شخصية الطالب القادر على التحليق في فضاءات المعرفة الواسعة، والإنتاجية التي تصنع منه إنسانا منتجا وعاملا ماهرا، هي محور العمل والفسحة المتاحة التي وجدت فيها المدرسة فرصتها لإثبات الجدارة ، وأعطت حالة الابهار والتفاخر بماضي التعليم والحنين إليه والرغبة في بقائه بالرغم من كل التحديات التي كانت تعيشها المدارس، تلكم النواتج الإيجابية الأخرى التي كانت تغطي هذه التحديات، وتزيل عبء هذه الإشكاليات، وتصحح حالات القصور، وتُذهب كدر الاخفاق ، فمؤشرات العمل تبرز حالة من التناغم بين مختلف مستويات العمل التربوي ( المدارس ، والمحافظات التعليمية، وديوان عام وزارة التربية والتعليم) فهي جميعها تعمل كخلية نخل واحدة تتجاوز كل التباينات، وتتفاعل مع كل المعطيات بروح المسؤولية، وتمتلك فورية القرار واستراتيجيته.

لقد عكس هذا النهج سلوك الجدية في التعليم، والرغبة فيه، والدافعية نحوه من قبل الكثير من الطلبة، ومستوى الحرص والاهتمام العميق، والسعي الحثيث من الكادر التعليمي بالمدارس والشركاء من الداخل والخارج في حمل المسؤولية التعليمية باعتبارها مسؤولية اجتماعية يتحمل المجتمع مع مؤسسات التعليم نجاحاتها، فبذل الجميع خلالها قصارى جهده في إحداث تحول في مسيرة المدرسة وتحقيق التنافسية في الكثير من المنافسات والمسابقات، وروح التواصل والحميمية التي كانت حاضرة في علاقة المدرسة بالمجتمع وتماهيها معه واندماج أنشطتها مع أنشطته، لتشكل ثنائيا واحد يستهدف بناء شخصية الطالب المواطن الواعي بمسؤولياته، المحافظ على قيمه ومبادئه، القادر على اتخاذ قراراته، العارف بما يحتاجه المجتمع، فأنشطة المدرسة تعبير عن الاحتياج الفعلي للطلبة والمجتمع ، فهي الحاضنة لكل هذه الفعاليات، وهي المسوّقة لكل هذه الجهود، وهي المشاركة في كل فعاليات المجتمع، لذلك وجد المجتمع في المدرسة بيته الثاني، منحها من وقته الكثير وأصبح ولي الأمر جزء من تشكيلات المدرسة حاضرا بصورة مستمرة في لجان عملها وأنشطتها، كما أن المسارات التعليمية في المدرسة أصّلت لأنموذج التكامل في تنوع أنشطتها الاقتصادية والحرفية والزراعية والصناعية وغيرها ، حتى أصبحت دافعا للطالب في تحديد وجهته القادمة ، أين يريد أن يكون، وكيف له أن يحقق غاياته، بما أتاحه ذلك في المقابل من تعددية في المسارات التعليمية فهناك التعليم الزراعي الثانوي، والتعليم التجاري الثانوي ، والصناعي الثانوي ومعهد التدريب المهني لمخرجات الصف التاسع، والتعليم الديني الثانوي ، هذه المساحة العريضة من الخيارات التعليمية، أسست مسار عمل للمدرسة، وعززت قدرتها على صياغة نماذج تعليمية متعددة في أنشطتها تتسم بالريادة والابتكار، لذلك أدخلت في قناعات الطلبة هذا النسق التكاملي في بناء الخبرة وترقية التجربة التعليمية ، وهناك في قاعة الصف الدراسي حيث يقف المعلم شامخا في أدائه، مناضلا في عطائه، من يصنع وسائله، ويبتكر أدواته، ويشحذ همم أبنائه، ويعزز فيهم عامل التحدي وضمير المسؤولية وقيمة المنافسة، ويؤسس فيهم قيم الإنجاز والاعتماد على النفس، متابعا حريصا على أخذ واجبات الطلبة الى بيته، يدقق في الكلمات، ويمعن النظر في الإجابات، ويكتب الدرجات، ويستفهم في محل الاستفهام، ويضع خطا أحمر تحت مكمن التساؤل ، حتى إذا جاء الطالب في اليوم التالي وجد في دفتر واجبه المليء بكلمات التعزيز، المعبر عن حرص المتابعة والتزام نهج التعاطي الواعي مع الواجبات المنزلية، ما زاده شرف الفخر بين طلابه، فيبتسم منهم من اخلص وأنجز، ويشمّر عن ساعد الجد من قصر منهم أو أهمل، فيأخذ الجميع باحتوائه، ليناقش معهم كل الإجابات، ويقرأ معهم الإخفاقات والزلات ويمنحهم صدرا رحبا في استكمالها في أوقات أخرى عندما يظن عليهم بانتهائه ، فيقبَل على نفسه أن يأتيهم في درس تقوية في المساء، أو يأخذ من حصص احتياط يشغلها في استكمال بقية ما لم يستوعبه الطلبة من دروس، وتأتي زيارات المشرفين والمتابعين للمدراس في انتظامها ونهجها المتسق مع طبيعة الاحتياج، لتعطي أنموذجا للعمل معا، فالمشرفون وإدارات المدارس والمعلمون والطلبة ويشاركهم في المهمة أولياء الأمور، عليهم مسؤولية البحث عن كل ما من شأنه صناعة التجديد في العمل، وزيادة التناغم في الإنتاجية، وخلق التحول في السلوك الذي يراقب المجتمع نجاحاته، وبين هذه التفاعلات أنتجت المدارس ثقافات متعددة تحكي خصوصية المجتمع العماني، وتؤكد على دور التعليم في توظيف هذه الثقافة والقيم والهوية العمانية في بناء مسارها، فتأسست ثقافة التعاون والتكامل والحوار والتناغم، وارتسمت على محيا الجميع فرص الإنجاز والعطاء ، وزيادة التنسيق والتكامل بين المدارس، حيث برزت الكثير من الأنشطة، وتوجت باستحقاقات التميز، إلى غيرها من المناقب الجميلة والخصال الحسنة التي تركت بصمة لها في الحياة التعليمية العمانية.

ومع كل ما سمعته من هؤلاء جميعا يبقى لكل مرحلة اهتماماتها وظروفها واولوياتها ، التي تحدد معالم الأداء، إلا أنها تطرح علينا مسؤولية الوقوف على هذا التأثير الايجابي الذي حققه التعليم في تلك العقود وأنتج ممارسة تعليمية أصيلة شكلت محور تأثير واحتواء لن تمحوها الأيام من ذاكرة أجيال النهضة، فقد أعطت التعليم مكانته، وأسست له موقعه في ضمير المواطن، وأكسبته ثقة ولي الأمر، لذلك نعتقد بأن التعليم اليوم بحاجة إلى أن يعيد في رؤيته التطويرية والتجديدية، النظر في العديد من الملفات السابقة التي عاشتها المدرسة العمانية سواء على مستوى السياسات او الخطط والبرامج او غيرها، إذا التطوير الناجح هو الذي يستفيد من الماضي، ويقف على محطات العطاء فيه، وجوانب التفوق التي لازمته، ومواطن القوة والاخفاقات فيه ، فإن المسيرة التعليمية في عمان التي بدأت من ثلاث مدارس محدودة الفئات والمراحل، إلى أن وصلت لأكثر من ألف مدرسة في ثلاثة عقود، إنما تعني رقما استراتيجيا صعبا يحمل دلالات كثيرة ويفصح عن السر الذي جعل من هذه الحقبة حاضرة في ذاكرة جيل النهضة، فحري لهذه النجاحات التي تحققت للتعليم الثبات والاستمرارية وسبر توقعات الأبناء وأولياء الأمور والوطن.

إننا نعتقد بأن من يتحدثون بثقة عن تلك الفترة من التعليم، إنما كانوا يقرأون ملامح التحول في سلوك الانسان العماني، وكيف استطاع أن يؤسس من امكانياته المتواضعة على مستوى الكم، أرصدة نجاحات كبيرة ظهرت في كم التعليم ونوعه، وانطلقت حاملة معها أشعة العطاء على منابر من نور، فإن على القائمين على التعليم اليوم أن يتعايشوا مع معطيات التعليم السابقة والبيئة التي وجد فيها، وما حققه في مسيرة بناء الانسان ودفعه قدما إلى الأمام، وكيف استطاعت أنظمة التشغيل والتوظيف وغيرها أن تستجيب لقدرة التعليم وكفاءته، وتفتح أبوابها لمخرجاته وامكانياته، حتى لم يكن هناك من باحث عن عمل، إلا وقد امتلك الخبرة وأدرك الفضل فيما يمتلكه من مشروعات الإرادة والبناء الذاتي وصقل الخبرة، ونعتقد بأنه ليس خطأَ أن نعيد تصوراتنا للتعليم، وأن نقف على محطات الإنجاز، وأن نعيد انتاج مسارات التفكير في طريقة انجازنا التعليم بشكل نقف فيه على ما صنعناه من تحول في أحلك الظروف وأصعب المواقف وبين ما يفكر به عالم اليوم من مسارات أخرى للنهوض التعليمي، فمع الاخذ في الحسبان كل المستجدات الحاصلة في بناء الفكر التعليمي، وفلسفة العمل وأليات الأداء، والوقوف على أبرز النجاحات وأفضل الممارسات في الأنظمة التعليمية الأكثر تقدما في ظل المعايير العالمية، إلا أننا نعتقد بأهمية وضع التجربة العمانية الناجحة في التعليم كأحد محطات التحول ومحددات العمل القادم، في ظل حضورها النوعي فقد استطاعت بامتياز أن تترك في فصول عملها بصمات نجاح ظلت شاهد اثبات على ما تميزت به تلك الفترة من التعليم ، فكان لها في فكر الانسان العماني وعطائه وشغفه واخلاصه سيرة حسنة ومسيرة مظفرة.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock