د.سعيد الصقري يكتب: ماذا قال البروفيسور الفنزويلي عن تحقيق رؤية عمان 2040

 

د.سعيد بن محمد الصقريرئيس الجمعية الاقتصادية العمانية

 

 

في حفل بهيج يليق بالمناسبة أطلق يوم الأحد 27 يناير 2019م المؤتمر الوطني لرؤية عمان 2040.  ويهدف المؤتمر إلى عرض ومناقشة وثيقة الرؤية المستقبلية لعمان والتي تحمل عنوان “عمان في مصاف الدول المتقدمة” والتي بدأ العمل بها في العام 2015 ومرت بعدة مراحل مهمة من التحضير شملت جولات لمختلف مناطق السلطنة بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من “المشاركة المجتمعية الواسعة” من المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني وعامة الناس. ويأتي المؤتمر الوطني قبل الصياغة النهائية للرؤية وعرض الوثيقة النهائية على مجلس الوزراء الموقر.

 

واستضيف في المؤتمر البروفسور ريكاردو هاوسمان ليكون المتحدث الأول بعد الكلمة الافتتاحية لصاحب السمو السيد هيثم بن طارق رئيس اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية. وهناك أسئلة سنجيب عنها عبر هذا المقال في “أثير”.

 

 

فمن هو ريكاردو هاوسمان؟

 

يشغل ريكاردو هاوسمان الفنزويلي الأصل مدير مركز هارفارد للتنمية الدولية وهو محاضر في التنمية الاقتصادية في كلية كنيدي للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. وشغل سابقا منصب كبير الاقتصاديين في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، وشغل منصب وزير التخطيط في فنزويلا، وعضوا في مجلس إدارة البنك المركزي في فنزويلا. كما شغل منصب رئيس لجنة التنمية التابعة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكان أستاذ الاقتصاد في معهد الدراسات العليا للإدارة في العاصمة الفنزويلية كاراكاس. وتشمل اهتماماته البحثية قضايا النمو واستقرار الاقتصاد الكلي والتمويل الدولي والأبعاد الاجتماعية للتنمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كورنيل.

 

إذًا نحن نتحدث عن شخصية ذات خبرة أكاديمية وعملية واسعة ومن دولة تعتمد على الصادرات النفطية بشكل كبير، وتعاني حاليًا من أزمات سياسية واجتماعية لا تزال تتوسع أبعادها بعد الأزمة الاقتصادية التي حلت بها فور انهيار أسعار النفط في عام 2014م.

 

فماذا قال البروفيسور ريكاردو هاوسمان؟ وماذا كانت وصيته في المؤتمر الوطني لرؤية عمان 2040؟

 

في عرضه الذي سمّاه “سر الازدهار” استعرض في البداية بعض الحقائق عن التنمية العمانية وأشاد بالنجاحات التي تحققت في عمان مثل التحاق الطلبة في المراحل الابتدائية بنسبة بلغت 102%، والتحاقهم بالتعليم بعد الثانوي بنسبة بلغت 45%[1]. وزيادة حقيقية في متوسط دخل الفرد من 9,009 دولار في العام 1970 إلى 16,144 دولار في 2018، أي زاد الدخل بنسبة بلغت حوالي 97%، وهي زيادة كبيرة حقًا في متوسط دخل الفرد وطفرة في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية[2]. مضيفًا البروفيسور في معرض عرضه بأنه تمنى لو استطاعت بلاده، فنزويلا، تحقيق نجاحات مماثلة.

 

وأوضح بأن السلطنة استطاعت تحقيق تلك النجاحات بفضل استغلال وفرة الإيرادات النفطية لتحقيق تنمية اجتماعية واقتصادية شاملة خاصة خلال الفترة 1970 – 2011، غير أن الفترة 2012 – 2018، و”القول للضيف”، تميزت بتباطؤ واضح في المؤشرات الاقتصادية في السلطنة، بل انخفض متوسط دخل الفرد خلال 2008 – 2018 بنسبة بلغت 29% ومرد ذلك هو زيادة الإنفاق مقابل تباطؤ في الدخل.

 

 

كيف تستطيع السلطنة المحافظة على النمو الاقتصادي وتزدهر خاصة في ظل إنخفاض الإيرادات النفطية؟ وما هي “أعمدة الحكمة” لنجاح الرؤية عمان 2040 كما عبر عنها ضيف الرؤية؟

 

لفترة طويلة جدا في تاريخ البشرية كانت الفجوة في الدخل بين الدول والاقتصادات غير كبيرة، إلا أن التقدم التقني والمعرفي والذي بدأ بالثورة الصناعية الأولى زاد من الفوارق بين الاقتصادات بشكل كبير وأصبحت الفجوة في الدخل بين الدول صارخة. وأشار ضيف المؤتمر إلى “التسارع الكبير” في نمو دخل بعض الدول خلال الفترة الأخيرة حيث زاد معدل دخل بعض الدول بشكل كبير وأصبحت الفجوة كبيرة جدا بينها وبين دول أخرى كثيرة بسبب ونتيجة تبني المعرفة والتقانة في الإنتاج الاقتصادي.  وعلى سبيل المقارنة، كان متوسط دخل الفرد الحقيقي في سنغافورة في العام 1970 حوالي 6.5 ألف دولار أمريكي، مقارنة بمتوسط دخل يبلغ 9 آلاف دولار أمريكي للفرد في السلطنة  خلال الفترة نفسها ، أي يزيد متوسط دخل الفرد في عمان بحوالي 1.5 ضعف عن دخل الفرد في سنغافورة في العام 1970، وفي العام 2017 بلغ متوسط دخل الفرد في سنغافورة حوالي 55 ألف دولار أمريكي، مقارنة بمتوسط دخل للفرد بلغ حوالي 16 ألف دولار أمريكي في السلطنة، أي أصبح متوسط دخل الفرد في سنغافورة يزيد بحوالي 3.4 ضعف عن دخل الفرد في السلطنة في العام 2017. ومثال آخر، في العام 1970 في الولايات المتحدة الأمريكية كان متوسط دخل الفرد الحقيقي يزيد بحوالي 2.5  ضعف عن دخل الفرد في عمان، وفي العام 2017 أصبح متوسط دخل الفرد يزيد بحوالي 3.3 ضعف عن دخل الفرد في عمان[3].

 

إذًا كيف أستطاعت سنغافورة أن تلحق بعمان وتزيد عليها؟ ولماذا زادت الفجوة في الدخل بين عمان والولايات المتحدة الأمريكية؟ السر يكمن في تطبيق وتبني التقدم التقني والمعرفي بنجاح في الإنتاج الاقتصادي وفي إدارة الموارد المتعددة للاقتصاد. كيف؟ قسّم البروفسور المعرفة والتقانة إلى 3 أعمدة “أعمدة الحكمة” يقوم ويعتمد عليها الإنتاج تشمل (1) الأدوات (2) الأنظمة والتعليمات (3) التراكم المعرفي. وبينما يمكن استيراد الأدوات القادرة على الإنتاج مثل المصانع وغيرها من الآلات، ويمكن شراء الأنظمة والتعليمات، المعرفة التراكمية تحتاج إلى بناء ورعاية وبشكل مستمر في الاقتصاد ومن الصعب استيرادها لأنها توجد في أدمغة البشر وليس من السهل نقلها من عقل إلى آخر.

ويستقيم الإنتاج الاقتصادي ويستدام ويتطور من خلال التراكم المعرفي الذي يؤدي إلى التخصص في الإنتاج، والتخصص يؤدي بدوره إلى مضاعفة وزيادة المعرفة التي تؤدي بدورها إلى زيادة ومضاعفة الإنتاج وهكذا في دورة حميدة تؤدي إلى تقسيم العمل بشكل أكبر والتخصص بشكل أدق مما يؤدي إلى توسع آخر في الإنتاج وإلى آفاق لا حدود لها تقريبًا تعود بالنفع على المجتمع ورفاهيته.

 

وفي المقال القادم سيكون حديثنا حول المعرفة التراكمية ودورها في التنمية والعناصر الممكنة لها.

 

 

 

[1] يمكن أن يتجاوز إجمالي التسجيل عدد السكان في الفئة العمرية التي تتوافق رسميًا مع مستوى التعليم – مما يؤدي إلى نسب أكبر من 100% إذا كان هناك تأخير في التسجيل أو الالتحاق المبكر أو التكرار وبالتالي العدد يشمل الطلاب الذين تتجاوز أعمارهم الفئة العمرية الرسمية.

[2] متوسط الدخل الحقيقي يساوي الدخل ناقصا التضخم.

[3] دخل الفرد، دولار أمريكي، بالاسعار الثابته للعام 2010 حسب بيانات البنك الدولي :

عمان سنغافورة الولايات المتحدة الأمريكية
1970 9,239 6,507 23,310
2017 16,144 55,236 53,129

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock