محمد الهادي الجزيري يكتب: مدارات التأويل

مدارات التأويل
‏لعبد الكريم أبو الشيح

‏محمد الهادي الجزيري

‏يرتجفْ
‏كلّما أغمض عينيه وألقى
‏قلبه
‏في خوابي الخزفْ

‏هكذا يفتتح عبد الكريم أبو الشيح مجموعته الشعرية ” مدارات التأويل ” ..ويمضي بنا صوب الكلام العالي والمصفى ..، فهذا شاعر بارع يتقن لعبة القول فهو فنّ من أرقى الفنون التي روّضها الإنسان قصد الرقيّ والبوح بما يختلج في نفسه …، وها إني أدعوكم لنزهة رائقة داخل هذا الإبداع الشعريّ ….

‏منذ قصيدة ” الولادة ” المتصدرة للمجموعة نسبيا ..نرى أنّ الشاعر يخلق عالمه الخاص ويحاول أن يقول الدنيا بأقلّ ما يمكن من المفردات ..، ككلّ كائن حيّ له أسئلة ليس لها أجوبة وفي هذا النصّ يجرأ على رؤية ذاته في نشأتها الأولى ويرى الأنثى رديف الرغبات ..فيدعو العاشقين أن يجوبا الفردوس من دون أخطاء ..فمن يحلم هنا ..يكون قد وقع في أفدح ذنب ممكن ويكون استحق السخط ..فكأنه يرد كلّ شيء ..وسبب شقائنا ومتاهتنا داخل هذه الأرض المرعبة ..إلى تمسكنا بالحلم ..ثمّ أليس الإنسان من حلم ورؤى وقلق….

‏ ” يتململ هذا الطين وينهض
‏ها أنت كما شئت
‏وها ضلعك بين يديك
‏فكونا زوجين يجوسان بهذي الأفياءْ
‏وخذا من كلّ متاع فيها…
‏لكما فيها ما شاءت لكما الرغباتْ
‏سوى شجر الأحلام فمن يدنو منه
‏يحيق به غضب
‏وينال به شرّ جزاءْ “

‏في الحقيقة قرأت نصّا جميلا في صفحته على الفيسبوك فطالبته بالمجموعة التي ينتمي إليها النصّ ..فما كان منه إلاّ أن أرسل مشكورا ديوان ” مدارات التأويل ” فكان لي ما أردت ..فأنا عاشق لمثل هذه النصوص القلقة المتوترة ..الباحثة عن أصل كلّ شيء ..، فالنصّ الموالي عن أوّل دم سال على وجه الأرض ..وكم كُتبت عنه وحُبرت مجلدات ..، أمّا ما شدّني في تنهيدة عبد الكريم فوعيه الحادّ بحتمية الصراع بين البشر ..وميل الناس إلى الفوضى والقتل والهدم .. صراحة قلّ الشعراء الذين يصدحون بذلك ….

‏ ” وتزحمُ رأسيَ الصورُ
‏فأمحو
‏ثمُّ أعتذرُ
‏فذي صُوَرٌ
‏ــــ رويدكِ ــــ كلُّها نُذُرُ
‏فذا قابيلُ ما ينفكُّ يجلسُ فوق جثتهِ
‏يراودُها
‏ويشربُ ما تعتَّقَ من دمٍ في كفِّهِ عَلّاً
‏وينتظرُ
‏وأنتظرُ
‏فليسَ هناكَ مِن عِبرٍ
‏سوى الفوضى…
‏وموتى تقتلُ الموتى
‏وجوعى تسلبُ الجوعى…
‏وليسَ هناكَ مُعتَبرُ ”
‏وفي ختام هذه الإطلالة على هذه المجموعة المتكونة من نصوص تفعيلة وأخرى عمودية
‏تفشي ما يفكّر فيه الشاعر وما يستوعبه من أحزان وأحلام في زمن ظالم لا يسمح لأحد أن يكون هو نفسه …أترككم مع قصيدة ” فيسبوك ” يتحاور فيها الشاعر وهذا العالم الرهيب الذي افتكّ منا …حتّى حياتنا ….

‏” ويسألني الفيس عنّي
‏بماذا تفكّر قل لي؟
‏أفكّر يا فيس أني
‏أردّد كالببغاء
‏بأنّا سنهزم أعداءنا
‏في الصباح ..وأغفو
‏أفكّر كيف تكون السبايا؟؟؟
‏أفكّر كيف نكون السبايا؟؟؟
‏أفكّر كيف؟؟؟
‏وأدفن رأسي بظنّي
‏وأبكي..لأنّي ..أفكّر…”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock