د. سالم بن سلمان الشكيلي يكتب: المطبّل والتطبيل

أثير- د. سالم بن سلمان الشكيلي

أرقد على سرير المرض في الغرفة رقم 1005 في مستشفى سيفي في العاصمة الاقتصادية للهند بومبي، أحدّق في زوايا الغرفة وسقفها ، أرقب دخول الطبيب الجرّاح من بابها ليبلغني بميعاد العملية التي سيجريها لي ، وقد سلّمت أمري إلى الله تعالى راجيًا عنايته ولطفه.

وفي هذه الأثناء جالت بخاطري أشياء كثيرة ، أخْرَجَتني من طوق المستشفى ، إلى رحابات أوسع وأسمى ، في حب عمان ، الوطن الذي أعدّه كما يعدّه غيري أمرًا مقدسًا ، لا يدانيه حبٌ غير حب الوالدين ، ولَكَم كان حب الوطن شغلي الشاغل ليس في أوقات الرخاء ، بل وحتى فِي أوقات الشدة التي أصبحت أكثر ملازَمة لي من غيرها ، فساءلت نفسي : هل أصبح حب الوطن والدعوة إلى الإخلاص والوفاء والانتماء والولاء والتضحية من أجله تطبيلًا ؟ وهل لدى البعض روزنامة أحقاد يطلقها على من يدعو إلى حب وطنه ، هل الوفاء للوطن كأرض وبحر وسماء يُعد تطبيلًا كما يصفنا بها قلائل ممّن ملأ الحقد نفوسهم المريضة، حتى باتوا لا يفرقون بين الوطن وأشخاصه ، أو بين الوطن ومن هم على رأس السلطة من المسؤولين ، الذين قد نتفق ونختلف معهم من أجل الصالح العام.

لماذا هذه القلة القلية لا تقرأ إلا بالقدر الذي تريد قراءته، ولا تفهم إلا ما تريد أن تفهمه ، ولا تريد أن تسمع إلا ما استقر واستكان في عقولها المريضة ، حتى باتت تهرف ، بذميم القول ، فيما لا تعرف، وهي إِذْ تفعل ذلك كمن يغمض عينًا عمّا لا يستهويها ، ويفتح عينًا لتقرأ ما يهوى لها ، فتنبري لكيل الاتهامات المُسِفّة بالتطبيل ، ووصْف هذا بالمطبّل الأصغر ، وذاك بالمطبل الأكبر ، لتطفو على سطح ثقافتنا العمانية الجميلة والرزينة ، مصطلحات جديدة ، لم تكن معهودة من قبل ، لمجرد أنهم عقدوا العزم عن سبق إصرار وترصّد على تحطيم كل صورة جميلة يرسمها فنان تعبّر عن مكنون عشقه لوطن أعطى ولم يأخذ شيئًا.

أيها الإخوة : إنّني في سبيل إظهار حبي لوطني وقيادته ، لا أمتلك إلًا قلمي الذي لن يجفّ حبْره ، ولن يتوقّف في تسطير وتأطير كل ما من شأنه عزة الوطن ورفعة شأنه ، إلا مع نهاية أجَلي ، يسير جنبًا إلى جنب ، مع جهدٍ مخلص في عملي وتطوير أدائي فيه ، والنظر إليه كونه تكليفًا وليس تشريفًا إلّا بالقدر الذي يكون مردوده الإيجابي في خدمة الوطن كما أشار إليه مولانا المعظم ، كما أن روحي رخيصة إذا ما دعا داعي الوطن والقائد للذود عن حياض الوطن .

تلكم ثلاث حالات لا أمتلك غيرها للتعبير عن شغفي بهذا الوطن وافتخاري بقيادته ، ولن أقبل أن يزايدني أحد ، أو يشكّك في أحدها.

الوطن لا يحتاج إلى تطبيل ولا يحتاج إلى مطبلين ، لأنه ببساطة شديدة قبلة على جبين الأرض، وهو أجمل قصيدة شعر في ديوان الكون ، والعاشق له لا يطبّل لأشخاص ، فمع احترام المقامات والمراكز الاجتماعية، لم أطبّل يومًا لا لوزير ولا لوكيل ولا لأي مسؤول ، فلست ممّن ينافق أو يحابي أو يجامل ، ولكن عندما أكون في معرض شهادة الحق فسأقولها ، وهو ما عاهدْت نفسي عليه ، حتى ولو كانت سببًا في قطع رقبتي.

لماذا تضنّ قلة قليلة على الآخرين حق الاختلاف وحريته ، تراهم يلبسون فوق رؤوسهم عمائم الحرية في الرأي ويتشدقون بها ، وفي لحظة الحقيقة ينزلون عمامتهم تلك ويجعلونها وراء ظهورهم ، فلا رأي غير رأيهم ، ولا صواب إلا ما رأوه هم صوابا !؟ أيّ حُمْق هذا !

في مقالي الأخير لم يحدث فيه أن أسبغت المديح على أحد ، ذكّرت بحب الوطن وبحقه علينا ، وأكدت من خلال كلمات واضحة لا لبس فيها عدم اختزال الوطن في شخص مسؤول أو وزير أو إدارة حكومية ، ذلك أن الوطن أسمى وأكبر من الأشخاص ، فهو وطن ومُلْك للجميع دون استثناء . نعم رجوت الجميع بما فيها المؤسسات الرسمية، إلى أن يستمع كل منا للآخر في حوار ونقاش هادئ ومتزن بعيدًا عن افتراض سوء النوايا وعدم وضع شروط مسبقة واستنتاجات مفرطة ، الصراخ والضجيج والصخب لا يسمع الطرف الآخر ، فهل يعد المقال من قبيل التطبيل لأحد ؟ أقول للذين يزعمون العفاف ، اسألوا من شئتم ، أو اذكروا دليلًا واحدًا ، يثبت أني قد طبّلت يومًا لغير الوطن ولقائده وسيده وولي أمره ‏حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله-، وهو تاج على رأس كل عماني وعمانية ، وهو الرمز الذي أجمعَت واجتمعَت الأمّة عليه ، حبّا ومليكا وقائدا ، ولا يختلف عليه اثنان في كل ذلك ، وهو الشأن الوحيد الذي يمكنني القول فيه ” لا أُريكم إلا ما أرى ” فهل تُراكم قد تنازلتم عن عمانيتكم !؟

أقولها بكل صراحة ووضوح إذا كان حب الوطن والولاء والوفاء والتضحية من أجله ، تطبيلًا فيشرفني أن أطبل له ما دمت حيًا ، ولن ينتقص مني شيئا ، وإنما يزيدني فخرًا وانتماءً ، ورجولة ، واستشعارًا للوطنية ، بل وأراه تجسيدًا لها . هذا ما أرشدني إليه عقلي ، وهداني إليه قلبي ، وهو إلى الحق أحقّ ، ولربّما هو عليكم أشقّ .

أقول لهولاء أيضًا ، اقراؤا جيدًا وافهموا إن أردتم الفهم ، أما اختزال الأقوال والمعاني كما يحلو لكم فهذا ليس من شيم الفرسان ، ولا هكذا يكون الحوار والاختلاف مع الآخر ، عبروا عن رأيكم كما شئتم ، ولكن حاذروا أن تتطاولوا على الوطن وسيده ، لأننا لن نسمح لكم وسنقارعكم بالحجة وسنُغلظ القول لكي يعود رُشدكم الذي غيّبتموه إليكم ، وتزيلوا الغمامة عن عيونكم ، وتطردوا شيطان الغرور من نفوسكم ، واعلموا أنّنا لا ولن نساوم ،ولا ولن نزايد أحدًا . والسلام على من اتبع طريق السلام .

مستشفى سيفي / مومبي / الهند
في ٢٠١٩/٢/٨

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لا زلت مبدعا كما كنت استاذنا الدكتور سالم .. نسأل الله لك العافية والعودة إلى الوطن سالما من كل داء .. ولا نقول إلا أن اختلاط المفاهيم .. وتشغيب أنصاف المثقفين .. قد أعيا القراء وأثقل كاهلهم بعقيم أفكارهم وضحالة رؤيتهم.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock