سلطان بلا مملكة ..

 

أثير – تاريخ عمان 

 

 

 

الكثيرمنا قد يتذكر اسم ذلك الشاب آخر سلاطين العرب العمانيين في زنجبار حفيد  الفاتحين رافعوا راية الإسلام في شرقي القارة الإفريقية ، حفيد من رسموا مفاخر التاريخ العماني عبر تلك القرون .

 

نتحدث هنا عن السلطان الشاب جمشيد بن عبد الله بن خليفة بن حارب بن ثويني بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد  آخر سلاطين العرب الذي فقد حكم زنجبار في شرق افريقيا، بعد حكم لم يدم لأكثر من واحد وثلاثين يوما فقط نتيجة الإنقلاب الذي  أطاح بحكومتة العربية العمانية في عام 1964م.

 

ولد السلطان جمشيد عام 1929م في زنجبار، وبعد أن أنهى الثانوية التحق بكلية فكتوريا بالاسكندرية، ومن ثم أنتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، ومن بعدها عمل في البحرية الملكية البريطانية لمدة عامين، ودرس في بريطانيا الإدارة العامة ، وحينما عاد إلى زنجبار ألحقه جده السلطان خليفة بن حارب إلى بعض مؤسسات الدولة لإكتساب الخبرة الإدارية والعملية .

 

لم تكن حياة السلطان جمشيد حياة قصور وترف وعظمة، بل كان بسيطا متواضعا مخالطا للكثير من العامة، وهو من حاول جاهداً أن لا يحكم زنجبار بعد وفاة والده، ولكن إصرار كبار الوزراء على تنصيبه سلطانا حال دون رفضه ذلك في عام 1963م.

 

تزامن حكم السلطان جمشيد مع استقلال زنجبار  في التاسع من ديسمبر عام 1963م من سلطة التاج البريطاني التي كانت حاضرة في تلك الجزيرة وما جاورها من الدول الأفريقية لعقود طويلة ، بعد شدّ وجذب وتفاوض طويل الأمد لنيل الإستقلال الذي كان أملا زنجبار لغد مشرق وأفضل في ظل حكومة عربية بقيادة السلطان جمشيد، ورئيس وزرائه محمد شامتي، بعد فوز ائتلاف الحزب الوطني، وحزب الشعب في الانتخابات التشريعة، وخسارة حزب الأفروشيرازي الذي كان يكنّ الحقد للعرب، ويخطط  للإنقلاب على أساس بأن هذا الاستقلال ليس إلا بمثابة إعلان حقيقي لقيام حكومة عربية، وأخذ قادة الإنقلاب يثيرون مشاعر الأفارقة للفتنة العرقية وللتخلص من العرب وحكومتهم وسلطانهم ، وبالفعل نجحوا في ذلك، وتمخضت من تلك النداءات البغيضة ضد الجنس العربي تلك المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 16 ألف قتيل من العمانيين والعرب في عام 1964م مع سقوط حكم السلطان جمشيد للأبد لتنتهي فصول الحكم العماني في زنجبار التي دخلت في ظلام دامس، واصبحت تقتات حتى يومنا هذا من التبرعات، والمعونات التي ترسل إلى أهلها بعدما كانت درّة الدول الأفريقية وأجملها، ومحط أنظار الكثير .

 

 

السلطان بلا مملكة :

 

يذكر المؤلف ناصر بن عبدالله الريامي صاحب كتاب “زنجبار شخصيات وأحداث والذي أجرى لقاء مع جلالة السلطان جمشيد في منزله بإنجلترا عام 2006م ، “انه في حدود الحادية عشر من صباح أول أيام سقوط نظام سلطنة زنجبار الذي صادف يوم الأحد 12 يناير 1964 خرج السلطان جمشيد من قصره المعروف بإسم (بيت الساحل) واتجه إلى ميناء زنجبار البحري الذي يبعد مسافة خمسمائة متر تقريبا، ومعه حاشيته وأسرته ، وركب سفينة (السلامة) دون أن يعلم وجهته تحديدا، بقدر ما كان يعلم بأن عليه الخروج من البلد فحسب، لينأى بنفسه وأسرته من مذبحة محققة” .

 

وقد حاول المقربون من السلطان جمشيد وهو من يتصف بالشجاعة والإقدام أن يقنعوه بضرورة المغادرة، ولكنه في البداية رفض ذلك وأخبرهم بأنه لن يترك رعيته تحت رحمة الغوغائية حتى وإن كان الثمن حياته ، وبعد العديد من المحاولات لإقناعه بترك زنجبار نجح الشيخ هلال بن محمد البرواني في ذلك بعدما أوضح له بأن خروجه هو الحل الأنسب للنظام وللبلد وللرعية على السواء ليقتنع أخيراً بأن نهاية عرش أجداده في تلك الأنحاء واقع لا محاله.

في هذه الأثناء، وفي تمام الساعة الحادية عشر صباحا تلقى السلطان جمشيد اتصالاً من مفوض الشرطة  يستأذن جلالته بأن يرسل له ضباطاً على رأس قوة مسلحة لإخراجه وأهله من القصر ومرافقته إلى الميناء البحري ، فخرج السلطان متهيئا لأسوأ الاحتمالات، وبيمينه بندقيته، يقود سيارته بنفسه مرفوع الهامة، ويصطحب معه زوجته وأبناءه ، وأما بقية عائلته وحاشيته رافقته كذلك بسيارات الشرطة إلى المرفأ، ليغادر السلطان قصره للأبد منكسراً ، محفوفا بعلامات التعجب والإستفهام يعتلي ظهر سفينة يودع من خلالها القصر الذي بناه جده الأكبر سعيد بن سلطان بعدما تعرض للخيانة حتى من أقرب الناس إليه كمرافقه الشخصي.

 

بعد ذلك انتقل السلطان جمشيد وعائلته من السفينة (سلامة) إلى السفينة المسماه ( السيد خليفة ) ليبحر حيث  المجهول إلى وجهة ليست في تلك اللحظات معلومة ، وحينما حاول السلطان التوجه إلى ممباسا تم منعه من النزول من قبل الإنقلابيين خشية حدوث  الاضطرابات ليتجه إلى دار السلام التي وافقت على استقبال السلطان وأتباعه بتدخل انجليزي، ووضع السلطان قيد الاقامة الجبرية في أحد المنازل بدار السلام لمدة 6 أيام، ليغادر بعدها بيوم تاريخي في 18 يناير من مطار دار السلام، وبحراسة أمنية مشددة إلى مطار نيروبي، ومنها إلى مطار بنغازي، ومن ليبيا أقلتهم الطائرة إلى انجلترا وتحديداً إلى مطار (مانشيستر)، وعن طريق القطار توجه السلطان جمشيد وعائلته إلى مدينة لندن، واستقر مؤقتاً هناك حتى قرر الرحيل والإستقرار النهائي في مدينة (بورتسماوث) بعد إلحاح من الشيخ سالم بن مسعود الريامي الذي كان يدرس هناك، فما كان من السلطان إلّا الإستجابة لطلب صديقه الحميم، فاشترى منزلاً متواضعاً في حي( فكتوريا جروف) في سوث سي ليستقر فيه حتى يومنا هذا.

 

 

                                                                                                                            

 

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock