تاريخ عمان

قبل 39 عامًا: مواطن يُهدي نسخة من مخطوط عُماني نادر لوزارة التراث

قبل 39 عامًا: مواطن يُهدي نسخة من مخطوط عُماني نادر لوزارة التراث

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

في مثل هذا الشهر من عام 1987م أي قبل (39) عامًا أهدى الشيخ محمود بن إبراهيم بن سعيد الرحبي من بلدة (لزغ) بولاية سمائل نسخًة أثرية قيّمة من مخطوطة (جامع الأحكام) لمؤلفه العلّامة محمد بن جعفر الازكوي لوزارة التراث القومي والثقافة وقتها.

جريدة عمان. عدد 6 يناير 1987م

معلومات عن المخطوط:

تقع النسخة المهداة في حوالي خمسمائة صفحة من القطع الكبير، وكانت عند تسليمها في حالةٍ جيّدة، وقد كتبت بخطٍ جميل واضح، تجليد أصلي. به رطوبة. خط مشرقي. مداد أسود وأحمر. واحتوى المخطوط على 712 صفحة، تضمنت كل صفحة 24 سطرًا.

الصفحة الأولى من المخطوط ويبدو اسم مالكه الشيخ محمود بن إبراهيم الرحبي

وانتهى نسخ المخطوطة يوم الجمعة لاثنتي عشر ليلة خلت من شهر الحج سنة خمس سنين وسبعين سنة وألف سنة (1075هـ) أي في عهد اليعاربة، وهي بخط الناسخ العماني مصبح بن جراد بن راشد الجرادي العامري وقد نسخه للشيخ فارس بن خميس بن ماجد بن خميس بن محمد الفيلاني الضنكي، وقد أعاد الناسخ كتابة بيانات النسخ نظمًا.

الصفحة الأخيرة من المخطوط. دار المخطوطات العمانية

ويبدأ المخطوط الذي يحمل رقم الحفظ (2861) بالعبارة: ”الحمد لله على العقول والأحلام، وصلى الله على سيّدنا محمّدٍ النبيّ وعليه السلام، وبعد، فليتقِّ الله كلّ حاكمٍ من الحكّام، وليخفْ جبّارًا آخذًا بالنواصي والأقدام، تصعق من خيفته الصواعق، وترتعد من فرقه المغارب والمشارق“.

إحدى صفحات المخطوط. دار المخطوطات العمانية

أما آخر المخطوط فهو: ”وأمّا قوله: إنه اكتسبه من بعد التزويج، وادّعى الورثة ذلك فعليهم البيّنة بما اكتسبه من بعد التزويج، والله أعلم، وبغيبه أدرى وأحكم، وسل المسلمين، وصلى الله على سيِّدنا محمدٍ النبيّ وآله وسلّم“.

وقد سبقه بخط الناسخ: فهرس الأبواب، ومن التقييدات الخارجة عنه: قيد تملّك باسم محمود بن إبراهيم بن سعيد الرحبي وبيده، وقيد مسائل من حلّ المشكلات والمعتبر وغيرهما، وقصيدة للشاعر الأديب سالم بن محمد بن صخبور في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، مطلعها:

أرقتُ ولي قلبٌ يذوب صبابةً ... وشوقًا لخير العالمين محمدِ.

وثلاثة أبيات بخطّ ناظمها ناصر بن عبدالله بن ناصر الرحبي، مطلعها:

إنّ الدُّنا حازها ناسٌ بظلمهمُ ... وآخرون لأخرى بالتقى حازوا.

الناسخ:

هو مصبح بن جراد بن راشد الجرادي العامري، ناسخ عُماني للمخطوطات والكتب الدينية، عاش في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، اشتهر كـناسخ للمؤلفات الفقهية والشرعية الكبرى في عُمان، حيث كانت مهنة النسخ آنذاك وسيلة أساسية لحفظ ونشر العلم.

ومن أبرز أعماله: نسخ أجزاء من كتاب ”بيان الشرع“ للشيخ محمد بن إبراهيم الكندي؛ حيث أتم نسخ أحد أجزائه في 22 رمضان 1091هـ. كما نسخ أجزاء من كتاب ”المصنف“ لأبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي، ومنها نسخة فرغ منها في 28 رمضان 1087هـ، ونسخ كتاب ”جامع ابن جعفر“، وأتمه في 12 ذو الحجة 1075هـ لفارس بن خميس بن ماجد الفيلاني الضنكي.

عاصر الناسخ الجرادي فترة حكم اليعاربة في عُمان، وتظهر تواريخ نسخه للمخطوطات نشاطه العلمي بين عامي 1075هـ و1091هـ (الموافق تقريباً 1664م - 1680م).

نسخ أخرى

يشار إلى أنه كانت توجد في دار المخطوطات والوثائق بوزارة التراث القومي والثقافة وقتها مجموعة نسخ مخطوطة من كتاب جامع الأحكام لابن جعفر، من بينها نسخة كتبها الناسخ العماني سعيد بن محمد بن عبد السلام تعود إلى عام 1094هـ، وأخرى تعود إلى عام 1083هـ كتبها الناسخ راشد بن عبدالله بن سعيد بن غسّان الفليتي، وعليه تعد النسخة المهداة من قبل المواطن محمود بن إبراهيم الرحبي أقدم من النسختين السابقتين.

قبل 39 عامًا: مواطن يُهدي نسخة من مخطوط عُماني نادر لوزارة التراث

صاحب المخطوط

أما المُهدي ومالك المخطوطة الأصلية فهو الشيخ محمود بن إبراهيم بن سعيد بن سلطان بن سالم بن حسن الرحبي، من بيت مشيخة عريقة، ويُعد من الشخصيات القبلية والاجتماعية البارزة، وله إساهمات مجتمعية فاعلة من خلال الإشراف على العديد من الأنشطة المختلفة.

وبعد حوالي (39) عامًا من إهدائه للمخطوط، قامت ”أثير“ بزيارة الشيخ محمود بن إبراهيم الرحبي في منزله بقرية لزغ التابعة لولاية سمائل، حيث أوضح أن المخطوط الذي أُهدي إلى وزارة التراث القومي والثقافة يُعد واحدًا من أربع مخطوطات كانت في حوزة أسرته، وقد بادر بإهداء إحدى هذه النسخ إلى الوزارة، فيما جرى استعارتهنّ من قبل أحد الأشخاص، الذي توفي قبل إعادتهن، الأمر الذي حال دون تحقيق رغبته في إهدائهن جميعًا للوزارة لإتاحتهن لطلبة العلم والباحثين.

وأضاف الشيخ محمود أن اهتمام أسرته بالكتب العلمية والمخطوطات يعود إلى الأجداد، وبالأخص جدّه الشيخ سلطان بن سالم الرحبي، الذي عُرف بحبه للعلم واقتناء الكتب، إذ كان منزله في جردمانة يضم عددًا من المؤلفات والمخطوطات إلا أن جزءًا من هذه المقتنيات تعرّض للضياع والتلف إثر انهيار سقف المنزل.

صورة للشيخ محمود بن إبراهيم الرحبي بمنزله
صورة للشيخ محمود بن إبراهيم الرحبي بمنزله، وأخرى مع معدّ التقرير

أهمية الإهداء

يُعد كتاب جامع الأحكام من أهم كتب الفقه العُماني، وهو من تأليف العلامة محمد بن جعفر، ويحتوي على أبواب فقهية متعددة تتعلق بالعبادات والمعاملات والأحكام الشرعية.

وقد ثمّنت الوزارة وقتها هذه المبادرة، مؤكدة أن إهداء مثل هذه المخطوطات يُسهم في الحفاظ على التراث الفكري العُماني، ويعزز الجهود الوطنية في جمع وصون المخطوطات العُمانية.

ويعكس الخبر وعي المجتمع المحلي – ممثلًا في الشيخ محمود الرحبي – بأهمية المخطوطات العُمانية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الذاكرة العلمية والدينية لعُمان، ويؤكد استمرار تقليد الوقف العلمي وإهداء الكتب منذ قرون.

كما يؤكد الخبر مرحلة مبكرة من الجهود المؤسسية لجمع المخطوطات العُمانية وحمايتها داخل إطار رسمي، وهو ما أسهم لاحقًا في إنشاء قواعد بيانات للمخطوطات، وترميمها وفهرستها، وإتاحتها للباحثين.

ويندرج هذا الإهداء ضمن إساهمات الأفراد في بناء الذاكرة الوطنية، ويؤكد أن حفظ التراث لم يكن حكرًا على المؤسسات، بل ثمرة شراكة بين المجتمع والدولة.

المراجع

- جريدة عمان. عدد 6يناير 1987.

- لقاء مع الشيخ محمود بن إبراهيم الرحبي في منزله بولاية سمائل. الاثنين 29 ديسمبر

2025.

Your Page Title