تاريخ عمان

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

عندما دعاني مرافقي وصديقي عيسى بن صالح القلهاتي لزيارة مزرعة أحد معارفه خلال جولتنا الاستكشافية في وادي بني جابر – ذلك الوادي الذي يُخبئ بين طيّات تضاريسه الشاهقة آثارًا قديمة، ومقابر تاريخية تعود لمئات السنين – لم أكن أتوقع أن تكون وجهتنا الأولى هناك تجربةً زراعية استثنائية، تشبه المعجزات في تفاصيلها.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

فما إن وصلنا إلى هناك، حتى وقفت مذهولًا أمام مشهدٍ بدا لي ضد الطبيعة والمنطق: مزرعة خضراء تنبض بالحياة في مكانٍ لا يوحي بشيء سوى القفر والوعورة. مكانٌ لا توجد فيه بقعة مستوية، ولا شجرة قديمة، ولا جدول ماء. فقط صخور شاهقة، ووهاد عميقة، ومنحدرات جبلية لا ترحم.

لقد اعتدنا أن تكون الزراعة حكرًا على الأودية السهلة والمناطق المنبسطة، القريبة من مصادر المياه والبنية الأساسية، أما أن تُزرع الحياة في ”اللا مكان“ فذلك حديثٌ آخر يستحق أن يُروى.

حين يُزهر التحدي: مزرعة ناصر الصلتي في قلب العوينة

في منطقةٍ جبليةٍ وعرة، حيث تتشابك المسالك وتغيب مظاهر التمدّن، قرر ناصر بن سالم بن محمد الصلتي أن يبدأ مشروعه الزراعي من الصفر، متحديًا الطبيعة القاسية ومحدودية الإمكانات، فهناك، في منطقة ”العوينة أو ;عوينة عدي“، قرب قرية حلم الوادعة – آخر قرى وادي بني جابر التابعة لولاية صور – تمتد مزرعته على أرضٍ كانت في الأمس القريب مجرد صخور وجروف بلا حياة.

ناصر بن سالم الصلتي صاحب المزرعة
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

ورغم التضاريس الشاهقة والبعد عن الخدمات الأساسية، استطاع الصلتي أن يحوّل هذه الأرض الجرداء إلى واحة خضراء نابضة بالحياة، تُجسّد روح المثابرة والإيمان بأن الزراعة ليست حكرًا على السهول فقط، بل يمكن أن تزدهر حتى في أصعب البيئات، حين تقترن بالرؤية والعمل الدؤوب.

كان المكان في الأصل مزرعةً صغيرة يمتلكها أحد أقاربه أقيمت بالقرب من عين ماءٍ صغيرة سميت المنطقة باسمها، فالعوينة هي تصغير عين، وكان بتلك المزرعة الصغيرة حوالي سبع نخلات، وشجرة سفرجل، وشجرة بالنج، ولم يكن لها طريق يوصل إليها، عدا عن تحديات توفير الماء بسبب توزع مياه تلك العين في مجاري مختلفة بحاجة إلى تجميعها في مكانٍ واحد قبل استخدامها في ريّ المزروعات.

معد التقرير في جلسة الضيافة بحضور صاحب المزرعة وعيسى القلهاتي وأيوب القلهاتي ويعقوب الصلتي

لم تكن الأرض التي تقوم عليها المزرعة اليوم سوى بذرةٍ صغيرة لمشروعٍ أكبر، فقد كانت في الأصل مزرعةً متواضعة يمتلكها أحد أقارب ناصر، أُقيمت بمحاذاة عين ماءٍ صغيرة عُرفت بها المنطقة، حتى سُميت ”العوينة – تصغيرًا لكلمة عين“.

كانت تلك المساحة الزراعية تضم سبع نخلات فقط، وشجرة سفرجل، وأخرى من شجر ”البلنج“، تعيش جميعها على مياه العين التي كانت تتوزع في مجارٍ طبيعية عدة، يصعب التحكم فيها، وتحتاج إلى جهد كبير من أجل تجميعها وتنظيم استخدامها في ري المزروعات.

إضافةً إلى ذلك، لم يكن هناك طريق معبّد أو ممهد يؤدي إلى المزرعة؛ ما جعل الوصول إليها– آنذاك – أقرب إلى مغامرة يومية، سواء لنقل المستلزمات أو للقيام بأعمال الزراعة الأساسية.

مدخل المزرعة الداخلي

بداية التحول: من فكرة إلى مشروع زراعي

بدأ ناصر بن سالم الصلتي فعليًا تجهيز المزرعة في عام 2018م واضعًا نصب عينيه تحويل تلك البقعة الوعرة إلى أرضٍ منتجة، وكانت أولى الخطوات الأساسية هي شق طريقٍ يصل إلى المزرعة، وهو أمر لم يكن سهلًا على الإطلاق، نظرًا لطبيعة التضاريس المحيطة، فقد استعان بالمعدات الثقيلة لشق الطريق، وكان التحدي كبيرًا، نتيجة لعبور الأودية ومجاري السيول التي تهدد بقطع الوصول في مواسم الأمطار، وكان ذلك الأمر بمبادرةٍ شخصيةٍ منه، مع بعض المساعدة المادية والمعنوية من قبَل بعض القريبين منه.

جانب من الطريق الذي تم شقّه من قبل صاحب المزرعة

ولحماية الأرض الزراعية من مخاطر الانجراف والانهيارات الصخرية، قام ببناء جدران إسمنتية وسياجٍ خارجي يحيط بالمزرعة من عدة جهات، ليضمن بذلك استقرار التربة واستمرارية العمل داخل الموقع بأمان.

المدرّجات.. حلٌّ عُماني أصيل في مواجهة التضاريس بعد أن أنجز عملية شق الطريق وتأمين الوصول إلى الموقع، بدأ ناصر الصلتي المرحلة التالية من مشروعه، وهي تسوية الأرض واستغلال مساحتها المحدودة بحكمة.

وبدلًا من السعي لفرض أساليب زراعية لا تناسب طبيعة المكان، اختار الصلتي أن يستلهم طريقة تقليدية عُمانية عريقة لطالما أثبتت نجاحها في المناطق الجبلية، ألا وهي إنشاء المدرّجات الزراعية، كما هو شائع في مناطق مثل الجبل الأخضر، لذا؛ فقد قام بتهيئة عدة مستويات على سفح الجبل، تُشبه السلالم الطبيعية، لتقليل الانحدار، وتحسين تثبيت التربة، وزيادة المساحة الصالحة للزراعة.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

كما استغل بعض المساحات الأخرى التي تمكن من تسويتها بشكل يدوي ومجهد، ليزرع فيها مجموعة من المحاصيل الدائمة والموسمية، في مزيج يُحقق الاكتفاء ويُحافظ على خصوبة الأرض.

جلسة داخلية يتم فيها استقبال الضيوف

توفير المياه.. معركة يومية مع التضاريس

من بين التحديات الكثيرة التي واجهت ناصر بن سالم الصلتي، كان توفير المياه هو التحدي الأبرز والأكثر إلحاحًا، فالمصدر الوحيد المتاح في بداية المشروع كان عين ماء قديمة وصغيرة، تقع في المنطقة، إلا أن مياهها كانت تتوزع في عدة اتجاهات عبر مجارٍ طبيعية، ما يجعل الاستفادة منها أمرًا معقدًا.

وللتغلب على هذا التشتت، قام الصلتي بتركيب شبكة من الأنابيب لتجميع المياه في نقاط خاصة تُعرف محليًا باسم ”الجوابي“؛ ما أتاح له التحكم في تدفق المياه وتوجيهها نحو ريّ المزروعات، لكن الكمية ظلّت غير كافية لتغطية احتياجات المشروع، خصوصًا مع التوسعات المخططة.

أحد الخزانات التي تم تركيبها فوق صخرة عالية لتجميع مياه العين
أحد الخزانات التي تم تركيبها فوق صخرة عالية لتجميع مياه العين

ولذلك؛ لجأ إلى حل بديل وطموح، تمثّل في استغلال نصيبه من مياه أحد أفلاج قرية حلم القريبة – حيث يقطن – من خلال مد أنبوب يبلغ طوله نحو 2700 متر، ينقل المياه من الفلج إلى المزرعة.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

وقد مرت هذه الشبكة عبر تضاريس وعرة جدًا، شملت أودية، وشراجا، ومنحدرات جبلية، لكن التحدي الأكبر لم يكن في طول المسافة فحسب، بل في أن الصلتي أنجز هذا العمل بجهود شخصية خالصة، وبدون الاعتماد على أية معدات أو آلات حديثة، في مشهدٍ يعكس الإصرار والتفاني في تحقيق الحلم الزراعي رغم كل المعوقات.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

إنتاج وفير من أرضٍ كانت قاحلة: تنوع المزروعات في المزرعة

مع مرور الوقت، وبتغلبه على تحديات البداية القاسية، نجح ناصر بن سالم الصلتي في تحويل مزرعته إلى واحة زراعية متنوعة، تضم محاصيل دائمة وأخرى موسمية، تعكس تنوّع المناخ الزراعي الذي استطاع تهيئته بعناية.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

في مقدمة المزروعات، تأتي أشجار النخيل التي غرسها بعناية، ومن أبرز أنواعها: المجدول، والخلاص، والنغال، وبو لارنجة. كما تحتضن المزرعة مجموعة واسعة من أشجار الفاكهة المزروعة والبرية مثل: الرمان، المانجو، العنب، الموز، الجوافة، السدر بأنواعه، البلنج، الزام، التين، الفرصاد، السفرجل.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

وفي جانب المحاصيل الموسمية، تزرع المزرعة القمح، والبر (الشعير)، والثوم، والبصل، بالإضافة إلى تشكيلة من الخضروات المنزلية، منها الباذنجان، والليمون، والطماطم، والخيار، والجلجلان، والشمندر، والخس، والبازلاء وغيرها.

رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور
رحلة في قلب التحدي: عُماني يبني مزرعةً مُنتِجة بين الصخور

ولا تقتصر منتجات المزرعة على المحاصيل فقط، بل تنتج أيضًا عسل النخيل (الدبس) بطريقة تقليدية عبر التقطير اليدوي، في عودةٍ جميلة لطرق الأجداد في استخراج النكهات الطبيعية، عدا عن منتجات الألبان بفضل وجود مجموعة من قطيع الماشية والأبقار.

اهتمام شخصي وحضور دائم رغم الانشغالات

رغم الالتزامات الحياتية، وبعد المسافة، وصعوبة المواصلات بين مدينة صور وقرية حلم، يحرص ناصر بن سالم الصلتي على الإشراف المباشر واليومي على مزرعته، إيمانًا منه بأن الزراعة ليست مجرد عمل، بل علاقة وانتماء للأرض.

لا يعتمد الصلتي في أعماله الأساسية على العمالة الوافدة، بل يتولى بنفسه المهام الحيوية مثل الري اليدوي، والتسميد، ومتابعة نمو المزروعات، وقطف المحاصيل، وفي بعض الحالات المحدودة، قد يستعين ببعض العمال لأداء مهام لوجستية أو ثانوية مساندة، مثل نقل المعدات أو تهيئة التربة، لكنه يحرص على أن تبقى جوهر العمليات الزراعية تحت إشرافه المباشر.

هذه العلاقة الوثيقة بين صاحب المزرعة والأرض تشكل أحد أسرار النجاح والاستمرارية، وتعكس روح الزراعة العُمانية الأصيلة التي تقوم على العمل الشخصي والارتباط العاطفي بالمكان.

تحديات مستمرة رغم النجاح

رغم ما تحقق من إنجازات ملموسة في مشروعه الزراعي، ما يزال ناصر بن سالم الصلتي يواجه مجموعة من التحديات التي تهدد استمرارية المزرعة وتُعيق تطورها، وفي مقدمتها:

ارتفاع تكلفة الإنشاء والتطوير نتيجة وعورة الموقع وصعوبة نقل المعدات والمواد الأساسية، وغياب الدعم المباشر للمزارعين، سواء من خلال شراء المنتجات الزراعية أو حمايتها من تقلبات السوق، وتحديات تجديد مأذونيات العمّال، وهو ما يعيق بعض العمليات التي تتطلب مساعدة خارجية محدودة، واستمرار تحديات توفير المياه، خصوصًا في المواسم الجافة، وهو ما يتطلب حلولًا أكثر استدامة، والحاجة إلى خبرات فنية وإرشادية لتحسين ممارسات الري والتربة.

كما يعاني نقصًا في المعدات والأدوات الزراعية المتخصصة، ومن بينها: مكائن فرز وتنقية التمور، ومكائن طحن الأعلاف ودرس القمح، والحرّاثات الزراعية، وأنظمة الري الحديثة (كالري بالتنقيط والرش الموفر للمياه).

ويؤكد الصلتي أن هذه المعدات ليست من باب الرفاهية، بل هي ضرورات أساسية لرفع جودة الإنتاج وتقليل الجهد اليدوي، وبالتالي زيادة الجدوى الاقتصادية للمزرعة، وتشجيع الشباب العماني على خوض تجارب مشابهة.

يقول الصلتي: ”لا تنتظر الأرض المثالية لتبدأ.. ازرع حيث أنت“. وأدعو الجهات المختصة للنظر في معاناة المزارعين في الأماكن البعيدة، فالدعم الصغير يصنع أثرًا كبيرًا، وأشجع الشباب أن يعودوا للأرض، فـمن يزرع اليوم، يحصد غدًا.

ختامًا، تُعد مزرعة ناصر بن سالم الصلتي في العوينة قريبًا من قرية حلم، مثالًا واقعيًا لما يمكن أن ينجزه الفرد من جهد وعزيمة في وجه أصعب الظروف البيئية، وقد أصبحت رمزًا للعمل الزراعي في المناطق النائية، ومع الدعم المناسب- سواء من الجهات الحكومية أو المجتمع الأهلي- يمكن لهذه المزرعة أن تنمو وتصبح نموذجًا ناجحًا يحتذى به في تعزيز الإنتاج الزراعي المستدام.

معد التقرير يشرف على مدرجات المزرعة في الأسفل
Your Page Title