تاريخ عمان

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

في 26 ديسمبر 1929م كان أهالي مدينتي مسقط ومطرح على موعدٍ مع حدثٍ مفصلي تمثّل في افتتاح أول طريق برّي يربط بين المدينتين، بعد أن ظلّ التواصل بينهما يتمّ لسنوات طويلة إمّا بحرًا عبر القوارب الصغيرة (العَبْرة)، أو برًّا عبر مسارات جبلية وعرة بمحاذاة الساحل.

ويُعدّ افتتاح طريق مسقط– مطرح محطةً بارزة في تاريخ البنية الأساسية الحديثة في سلطنة عُمان، إذ مثّل أول ربطٍ بريٍّ منظّم بين أهم مدينتين على الساحل الشمالي آنذاك: مسقط مركز الحكم، ومطرح الميناء التجاري الحيوي، وقد جاء هذا المشروع في عهد السلطان تيمور بن فيصل، ضمن جهودٍ محدودة لكنها ذات دلالة لتحسين وسائل الاتصال والخدمات الأساسية، ومواكبة متطلبات الإدارة والتجارة في تلك المرحلة.

مسار الطريق

امتدّ طريق مسقط– مطرح بطولٍ لم يكن يتجاوز عشرة كيلومترات، مبتدئًا من مشارف مسقط، ثم صعودًا عبر عقبة ريام، قبل أن ينحدر باتجاه مطرح، ويتصل لاحقًا بمنطقة بيت الفلج.

وما تزال ملامح هذا المسار التاريخي قائمة حتى اليوم، ولا سيما في أعالي القمم الجبلية المقابلة لدوّار ريام على مشارف مطرح، حيث يمكن تتبّع أجزاء من الطريق القديم التي شكّلت آنذاك شريان الاتصال البري الوحيد بين المدينتين.

وقد صُمّم الطريق بمواصفات بسيطة قياسًا بمعايير الطرق الحديثة؛ إذ كان يتكوّن من مسارين متعاكسين دون وجود إشارات مرورية أو إنارة، وكان مرصوفًا بـ الإسمنت العادي، بما يعكس طبيعة الإمكانات الفنية المتاحة في أواخر عشرينيات القرن العشرين، وفي الوقت نفسه يبرز حجم التحدّي الهندسي الذي واجهه القائمون على شقّه في تضاريس جبلية وعرة.

من ”قيد الإنشاء“ إلى الافتتاح الرسمي: التسلسل الزمني لطريق مسقط–مطرح مرّ إنشاء طريق مسقط- مطرح عبر عقبة ريام بعددٍ من المراحل حتى افتتاحه وبدء استخدامه، ففي الملف ٩١٢/١٩٢٦ ”ملخص أخبار الخليج الفارسي ١٩٢٦-١٩٣٠“، المنشور ضمن إرشيف مكتبة قطر الرقمية وضمن تقرير نوفمبر 1927، هناك إشارة إلى أنه ;يجري العمل على إنشاء طريق من مسقط إلى مطرح، وتكشف الإشارة السابقة إلى أن الطريق كان في مرحلة التخطيط والتنفيذ الأولي قبل اكتماله بسنوات قليلة، بما يؤكد إدراجه رسميًا كبنية أساسية ذات أولوية.

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

وتعزّز الوثائق البريطانية هذا التسلسل الزمني؛ إذ يرد خطاب من G. P. Murphy (الميجر ميرفي، القنصل/الوكيل السياسي البريطاني في مسقط) موجَّه إلى السلطان تيمور بن فيصل بتاريخ 25 ربيع الثاني 1346هـ الموافق 22 أكتوبر 1927م، يشير فيه صراحةً إلى أن ”الطريق ما بين مسقط ومطرح هو قريب الاختتام“، وهو ما يدل على أن أعمال شق الطريق كانت قد بلغت مراحلها النهائية قبل الافتتاح الرسمي بنحو عامين.

كما يكشف الخطاب عن رؤية مستقبلية مبكرة لتوسيع شبكة الطرق، من خلال الإشارة إلى مشروع لاحق لمدّ الطريق من مطرح إلى السيب، ومنها إلى بنادر ساحل الباطنة، بما يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الربط البري الطولي على امتداد الساحل العُماني، وربط الموانئ والتجمعات السكانية بمركز الحكم والتجارة.

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

وفي الملف ”مسقط: اتصالات حول إنشاء الطرق“ المنشور ضمن ملفات مكتبة قطر الرقمية هناك فقرة تشير إلى أنه ومع تقدّم الأعمال، بلغ الطريق مرحلة تشغيلية بحلول 12 ديسمبر 1929م، حيث أصبح بالإمكان لأول مرة إدخال سيارة آلية مباشرة إلى مسقط، وسُجّل دخول أول مركبة كاختبار عملي لجهوزية الطريق قبل افتتاحه الرسمي، وقد حازت شاحنة تجارية من نوع موريس على شرف كونها أول مركبة آلية تدخل مسقط.

وكان من المقرر إعلان الافتتاح في 18 ديسمبر 1929م، إلا أن عاصفة شمالية (شِمال) عنيفة في اليوم السابق (17 ديسمبر) أدّت إلى تأجيله، مع إثبات صمود الطريق أمام الظروف الطبيعية القاسية، إذ كان من المقرر أن يصل صاحب السمو السلطان بحرًا إلى مطرح، ثم يقود سيارته عبر الطريق، ويلقي خطابًا أمام القوات المصطفّة على جانبي الطريق عند قمة تلة مسقط، ويعلن افتتاح الطريق رسميًا، غير أن العاصفة جعلت الرحلة البحرية مستحيلة.

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

افتتاح الطريق

في 26 ديسمبر 1929م جرى الافتتاح الرسمي للطريق أمام حركة السيارات، بحضور السلطان تيمور بن فيصل والوكيل السياسي البريطاني، حيث تم الانتقال بالسيارات من مطرح إلى مسقط، وألقي خطاب الشكر عند ممر ريام تقديرًا للجهود العسكرية والتنفيذية.

وقد أعلن السلطان تيمور فتح هذا الطريق أمام حركة السيارات في 26 ديسمبر، وقد انتقلت سيارات صاحب السمو والوكيل السياسي – الميجر ج. ب. مورفي – ومعهما شخصان آخران من مطرح إلى مسقط.

وفي أثناء الطريق، وعلى قمة ممر ريام، ألقى صاحب السمو خطابًا شكر فيه الكابتن ووكر، القائد العام، والضباط، وجنود مشاة مسقط، على ما بذلوه من مهارة وجهد وطاقة أسهمت في إنجاز الطريق الجديد وإتمامه بنجاح.

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة
جانب من افتتاح السلطان تيمور بن فيصل لطريق مسقط – مطرح عام 1929
السلطان تيمور وابنه السيد سعيد بن تيمور والوكيل البريطاني وعدد من الحضور أثناء افتتاح الطريق

وبعد افتتاح الطريق، بدأت الآثار العملية بالظهور سريعًا: تزايد عدد السيارات في البلاد إلى نحو 23–25 سيارة خلال فترة وجيزة، وتشغيل سيارات أجرة منتظمة بين المدينتين، وازدحام الطريق موسميًا بالعاملات المتنقلات إلى مخازن تعبئة التمور في مطرح، مقابل تراجع نشاط النقل البحري التقليدي (العَبْرة) الذي كان قائمًا قبل شق الطريق.

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

توثيق

يُعدّ ما أورده الوالي إسماعيل بن خليل الرصاصي في مذكّراته توثيقًا محليًا بالغ الأهمية لتاريخ افتتاح طريق مسقط–مطرح عبر عقبة ريام؛ إذ سجّل صراحةً حدث الافتتاح وحدّد الجهة المنفّذة للمشروع، وهي فيلق مشاة مسقط بقيادة الكابتن وولكر Captain Walker.

وتكتسب هذه الإشارة قيمتها من كونها صادرة عن شاهد إداري محلي معاصر للحدث؛ ما يمنحها مصداقية عالية، ويُكمل الروايات الواردة في التقارير البريطانية الرسمية.

كما تؤكد المذكرة الدور العسكري النظامي في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية في تلك المرحلة، وتبرز أن شق الطريق لم يكن جهدًا مدنيًا بحتًا، بل مشروعًا ذا أبعاد إدارية وأمنية ارتبط مباشرة بمؤسسات الدولة القائمة آنذاك.

جانب من حضور حفل الافتتاح

أهمية الطريق

أسهم الطريق بعد افتتاحه في تيسير الحركة اليومية للسكان والتجّار بين مركز الحكم (مسقط) والميناء التجاري (مطرح)، كما أسهم في تنشيط التجارة وتدفّق السلع، وتقليل زمن وكلفة النقل، وكان له تأثير مباشر في تعزيز الإدارة والأمن عبر سرعة الوصول بين المدينتين.

ويمكن القول إن افتتاح طريق مسقط–مطرح عام 1929م لم يكن حدثًا إنشائيًا معزولًا، بل خطوة مفصلية جمعت بين التحديث، والسيادة، والأمن، والاقتصاد، والعمران، وأسست لمرحلة جديدة في تاريخ الاتصال البري والبنية الأساسية في سلطنة عُمان.

افتتاح الطريق في الأدب الشعبي

جرى العُرف لدى الشعراء والأدباء على توثيق الفعاليات والمشروعات الكبرى التي يعاصرونها، بوصف الشعر وسيلةً لحفظ الذاكرة الجمعية ونقل الحدث إلى الأجيال اللاحقة، وفي هذا السياق، حفظ لنا أرشيف الشعر الشعبي العُماني قصيدةً توثيقية تناولت افتتاح طريق مسقط–مطرح، نظمها الشاعر الشعبي المعروف راشد بن سلّوم المصلحي (سويري)، أحد أبرز شعراء النصف الأول من القرن العشرين، وهو من وادي بني خالد.

وقد وصف الشاعر في قصيدته—وهي قصيدة طويلة—مسار الطريق، وأعمال إنشائه، وما صاحَب ذلك من جهدٍ ومشقّة في شقّ الجبال وتهيئة المسارات، مقدّمًا بذلك شهادة أدبية شعبية تُكمل التوثيق الرسمي والإداري للحدث، وتبرز أهمية هذه القصيدة في كونها تنقل الانطباع الشعبي المعاصر للافتتاح، وتكشف عن كيفية تلقّي المجتمع المحلي لمشروعٍ غيّر أنماط التنقّل والحياة اليومية بين المدينتين.

تفاصيل الحدث المفصلي الذي جعل مسقط ومطرح تلتقيان برًا لأول مرة

المراجع

- الخصيبي، مرشد بن محمد. عمان أيام زمان، ط1، مسقط، 1994.

- العريمي، محمد بن حمد. الوالي إسماعيل، دار باز، مسقط، 2022.

- المسروري، محمد بن حمد. حداء الساري، المطابع العالمية، روي، 1988.

- مكتبة قطر الرقمية. ملف بعنوان ”مسقط: اتصالات حول إنشاء الطرق“.

- مكتبة قطر الرقمية. ملف بعنوان ”ملخص أخبار الخليج الفارسي ١٩٢٦-١٩٣٠“

Your Page Title