أثير- د. محمد بن حمد العريمي
شهد منبر جامع القلعة في مدينة نزوى التاريخية خطبتين يفصل بينهما نحو تسع سنوات، ألقاهما السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- في مناسبتين مختلفتين؛ ارتبطت الأولى بافتتاح الجامع بعد ترميمه في 15 ديسمبر 1980م، حيث حملت أبعادًا دينية وفكرية وسياسية تعكس رؤية الدولة في مرحلة إقليمية ودولية دقيقة، فيما جاءت الثانية في 17 فبراير 1989م بمناسبة أداء جلالته صلاة الجمعة، مؤكِّدة قيم الاستخلاف الإنساني، وتعظيم العمل، والتوازن بين العبادة والسعي في عمارة الأرض، ليغدو منبر نزوى شاهدًا على تطور الخطاب الديني الوطني واتساقه مع مشروع النهضة العُمانية عبر الزمن.
“أثير” تقترب في هذا التقرير من فحوى الخطبتين، وتبرز أهم مضامينها والسياق العام الذي ألقيتا فيه.
الخطبة الأولى: 15 ديسمبر 1980م:
ألقى السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- خطبة تاريخية بمناسبة افتتاح جامع السلطان قابوس بولاية نزوى (الذي عُرف أيضًا بجامع القلعة) في 15 ديسمبر 1980م ركزت على دور المسجد في بناء المجتمع العماني، ومن أبرز ما جاء فيها: بناء المساجد كمنارات، حيث أكد أن تشجيع بناء المساجد يأتي لتكون “مناراً لشبابنا من الناشئين وهداية للمتعلمين”.

كما أكّد دور المسجد التعليمي والاجتماعي، حيث وصف المساجد بأنها المنابر التي يعلو منها “صوت الإرشاد”، والساحات التي يجتمع فيها المسلمون “ليعلِموا ويتعلموا ويؤدوا الفرائض لله ويحمدونه”. وأشار إلى أن بناء هذه الجوامع يأتي من منطلق الحرص على “نمو الدين وتنمية كلمة الموحدين”.
وتمثّل خطبة السلطان قابوس بن سعيد بمناسبة افتتاح جامع السلطان قابوس بنزوى (15 ديسمبر 1980م) وثيقة فكرية-سياسية-دينية تعبّر عن رؤية الدولة العُمانية في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وتجمع بين البعد العقدي، والدور الحضاري للمسجد، وقراءة الواقع الدولي آنذاك.

كما تُلخّص الخطبة رؤيةً شاملة تربط بين التوحيد ودور المسجد في بناء الإنسان والمجتمع، وتؤكد رمزية نزوى كمدينة للعلم والجذور الحضارية، مع قراءة واعية لواقع العالم الإسلامي في مطلع القرن الخامس عشر الهجري وما يواجهه من تحديات فكرية وسياسية آنذاك؛ إذ شددت الخطبة على أن الإسلام دين قوة ووحدة لا استسلام، وأن مواجهة الأخطار تتطلب تماسك الصف وتسخير الطاقات علميًا وعمليًا، مع ترسيخ قيم العدل والإحسان والدعاء بالسلام لعُمان وسائر شعوب العالم، بما يعكس توازنًا بين الصرامة العقدية والانفتاح الإنساني.



الخطبة الثانية: 17 فبراير 1989م
في السابع عشر من فبراير من عام 1989 أدى السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- صلاة الجمعة في جامع السلطان قابوس بنزوى وألقى خطبة صلاة الجمعة وسط حضورٍ رسمي وشعبي كبيرين.
تناولت خطبة الجمعة التي ألقاها السلطان قابوس بن سعيد مفهوم الاستخلاف الإنساني بوصفه تكريمًا مقرونًا بالمسؤولية، مؤكدًا أن الله سخّر للإنسان الكون ومقدراته ليعمر الأرض بالعمل الصالح والكسب الشريف، وتربط الخطبة بين الإيمان والعمل، فتدعو إلى استثمار نعم الله شكرًا له، ونبذ الكسل والاتكالية، والاقتداء بالسيرة النبوية في تعظيم قيمة العمل، مع الحفاظ على التوازن بين العبادة والسعي في الأرض، بما يحقق حياةً طيبةً للفرد والمجتمع.
وعكست الخطبة رؤيةً حضاريةً للدين بوصفه دافعًا للإنتاج والتنمية لا عائقًا عنها، وتؤسس لثقافة اجتماعية تجعل العمل عبادة، وتوازن بين متطلبات الروح والجسد. كما أبرزت الخطبة أن قيام الحضارات واستقرار المجتمعات مرهونان بحب العمل، والاعتماد على النفس، وحسن استثمار الموارد، في إطارٍ أخلاقيٍّ قيميٍّ قوامه العدل والإحسان، وهو ما ينسجم مع مشروع الدولة العُمانية في بناء الإنسان المنتج المتدين الواعي.


جامع القلعة
يقع جامع نزوى المعروف تاريخيًا بـجامع القلعة إلى جوار قلعة نزوى في قلب مدينة نزوى، إحدى أعرق حواضر سلطنة عمان، وقد عُرف المسجد منذ تأسيسه باسم جامع العقر ثم جامع نزوى حتى عام 1980م، قبل أن يُطلق عليه اسم جامع السلطان قابوس بنزوى عقب ترميمه وافتتاحه في ذلك العام، وظل يحمل هذا الاسم حتى عام 2015م، حين تغيّر إلى مسجد القلعة بعد افتتاح جامع أكبر في المدينة يحمل اسم السلطان قابوس بن سعيد.
ويُعد المسجد واحدًا من أكثر من 600 مسجد تزدان بها ولاية نزوى، وهو من أعرقها تاريخًا، وثانيها من حيث الحجم والسعة بعد جامع السلطان قابوس بن سعيد بنزوى، وقد شُيِّد المسجد لأول مرة سنة 192هـ الموافق 811م على يد الشيخ عبدالله بن محمد العبادي من أهالي قرية سعال، فيما كان الإمام غسان بن عبدالله اليحمدي أول من أقام فيه صلاة الجمعة، ما يؤكد مكانته المبكرة كمركز ديني جامع في المدينة.
ومن الناحية المعمارية، أُقيم المسجد على مساحة أرض تبلغ نحو 6410 م²، ويتكون من طابقين فسيحين، ويضم مصليين منفصلين للرجال والنساء تتسع طاقتهما لأكثر من 5000 مصلٍ. كما يحتوي على مكتبة إسلامية بمساحة 250 م²، ومدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بالمساحة نفسها تضم ثلاثة فصول دراسية، إضافة إلى بنية أساسية متكاملة وثلاث بوابات رئيسة واسعة من الجهة الشمالية تسهم في تنظيم حركة الدخول والخروج، ويجسّد جامع القلعة بذلك نموذجًا حيًا لاستمرارية الدور الديني والعلمي للمسجد في نزوى عبر أكثر من اثني عشر قرنًا.
وقد أدّى دورا علميا في عهود مختلفة من التأريخ العماني، وما يزال يمارس دوره التعليمي من خلال الدروس والندوات والمحاضرات الدينية والعلمية والثقافية التي تعقد في رحابه.

المراجع
- البنا، فؤاد. مسجد (القلعة) في مدينة نزوى بسلطنة عمان. صفحة الباحث في الفيسبوك، 11 يوليو 2025م.
- “جامع القلعة بولاية نـزوى صرح ديني وعلمي وثقافي”. تقرير منشور في موقع جريدة الوطن الإلكتروني، الثلاثاء 28 يناير 2020، https://alwatan.om/details/370604
- جريدة عمان. عدد (2833)، السبت 18 فبراير 1989.





