خاص - أثير
في ظل المواجهة العسكرية المحتدمة حاليًا بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما تبعها من إغلاق مفاجئ لمضيق هرمز الذي يعبر من خلاله نحو 20% من تجارة النفط العالمية، تسعى “أثير” في هذا المقال لعمل دراسة تحليلية مقارنة تهدف إلى فهم العلاقة الجدلية بين اندلاع النزاعات العسكرية وتقلبات أسواق الطاقة. حيث كشفت التجارب التاريخية أن أسواق النفط كانت دائمًا في قلب العواصف الجيوسياسية، وتوضح هذه الدراسة أن أي مواجهة عسكرية في مناطق الإنتاج أو الممرات الحيوية تتحول إلى صدمة سعرية عالمية خلال ساعات قليلة، مما يؤدي لإعادة رسم خريطة الأسعار ودفع الاقتصاد العالمي نحو موجات تضخم واضطراب حادة
سلاح النفط العربي 1973 والصدمة الأولى
تبدأ هذه السلسلة التاريخية من عام 1973، حيث كانت الأسعار قبل ذلك العام مستقرة عند قرابة 3.6 دولار للبرميل في ظل محاولات الشركات “الأخوات السبع” لتحديد سعر الوقود الأحفوري عبر التنسيق الجماعي لكمية العرض. إلا أن حرب أكتوبر غيرت هذه المعادلة تمامًا عندما استخدم العرب سلاح النفط بنجاح، مما أدى إلى صدمة نفطية رفعت سعر الخام من 3.6 دولار إلى نحو 12 دولارًا في عام 1974، وهي زيادة تجاوزت ثلاثة أضعاف السعر الأصلي، وتضمنت إجراءات جزائية بمقاطعة الصادرات إلى الولايات المتحدة وهولندا احتجاجًا على الدعم غير المشروط لإسرائيل.
الثورة الإيرانية 1979 بين انهيار الإنتاج وهلع الأسواق
مع نهاية السبعينات، واجهت الأسواق العالمية صدمة كبرى تمثلت في الثورة الإيرانية عام 1979، والتي تسببت في انخفاض إنتاج النفط الإيراني بمقدار 4.8 مليون برميل يوميًا، ما يعادل 7% من الإنتاج العالمي في ذلك الوقت. ومن المثير للانتباه في هذه الأزمة أن النقص الفعلي في إجمالي إمدادات النفط العالمية كان صغيرًا نسبيًا، حيث بلغت نسبة العجز حوالي 4% فقط من استهلاك العالم الحر، وهي نسبة أقل بكثير من عجز عام 1973 الذي وصل إلى 9.5%. ومع ذلك، كانت القفزات السعرية في عام 1979 أعنف وأكبر بكثير من حيث القيمة والنسبة المئوية؛ والسبب يعود إلى أن الثورة تسببت في فقدان الشركات السبع الكبرى لنحو 3.3 مليون برميل يوميًا من حصتها في إيران، مما أدى لانهيار “نظام التوزيع” المستقر الذي كانت تديره تلك الشركات.
هذا الانهيار النظامي خلق حالة من الذعر العالمي وتراجعًا في القوة الاحتكارية للشركات الكبرى، مما دفع الدول المستهلكة للدخول في سباق محموم لتأمين احتياجاتها بأي ثمن، وهو ما يُعرف بـ “المزايدة التنافسية”. ونتيجة لهذا الهلع، قفزت الأسعار من 14 دولارًا في عام 1978 إلى 29 دولارًا في عام 1979. ومع استمرار غياب الاستقرار والقانون في إيران، فقدت الأسواق مليوني برميل يوميًا بشكل دائم، مما دفع الأسعار لمواصلة صعودها لتسجل مستويات قياسية لم يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث وصلت إلى 25 دولارًا كقيمة اسمية ثابتة في ظل ظروف الإنتاج المتدهورة آنذاك.
حرب الخليج الأولى 1980، استنزاف المنشآت وحرب الناقلات
لم تكد الأسواق تستقر حتى اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980، مما تسبب في انخفاض حاد في صادرات البلدين؛ حيث تراجعت صادرات إيران بنحو مليون برميل وصادرات العراق بنحو 3 ملايين برميل يوميًا. وخلال فترة 1979-1980، تزايدت الأسعار بسرعة لتصل إلى ذروتها في أبريل 1980 متجاوزة 35 دولارًا للبرميل، ثم واصلت الارتفاع لتسجل ذروة جديدة لخام برنت عند 37-39 دولارًا بنهاية عام 1981. وكان أثر هذه الحرب أقل حدة من صدمة الثورة لأن التغيير الهيكلي في السوق كان قد حدث بالفعل، مع وجود مخزونات إستراتيجية قياسية وتباطؤ في النشاط الاقتصادي العالمي الذي قلل الطلب
غزو الكويت 1990، القفزة القياسية وعلاوة المخاطر
في عام 1990، شكل غزو العراق للكويت صدمة سعرية قياسية، حيث استجابت الأسواق بسرعة برفع الأسعار بنحو 130% خلال ثلاثة أشهر فقط. وقفز سعر خام برنت من 15 دولارًا في نهاية يوليو 1990 إلى 41.45 دولارًا في أكتوبر، نتيجة التوقف الكامل لإنتاج البلدين الذي قدر بنحو 5 ملايين برميل يوميًا. دفعت المخاوف من تهديد الممرات النفطية الإستراتيجية المتعاملين إلى تسعير “علاوة مخاطر” مرتفعة، إلا أن هذا الارتفاع انهار سريعًا فور بدء الهجوم الجوي للتحالف، حيث انخفض السعر بنسبة 33% في يوم واحد، ليعود لمستويات ما قبل الغزو.
غزو العراق 2003 وإعادة تشكيل هيكلية سوق الطاقة
أما الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، فقد كان نقطة تحول جيوسياسية واقتصادية عميقة. ففي بداية عام 2003، كان سعر خام برنت يحوم حول 23 دولارًا للبرميل، ومع اندلاع الحرب التي استمرت من 20 مارس إلى 18 ديسمبر 2003، سجلت الأسعار في مارس حوالي 30.61 دولارًا للبرميل. ورغم انتهاء العمليات العسكرية الرسمية، إلا أن التبعات ظلت متواصلة، وبدأت الأسعار تسجل وتيرة صاعدة نتيجة التخوفات من نقص الإمدادات العالمية، لترتفع اعتبارًا من عام 2004 إلى متوسط 35 دولارًا للبرميل. وواصلت الأسعار قفزاتها طيلة عام 2004 وحتى النصف الأول من عام 2006 لتصل إلى متوسط سعر 70 دولارًا للبرميل. ساهمت هذه الظروف في وصول الأسعار لمستويات قياسية في 2008، مما جعل الاستثمار في النفط الصخري مجديًا وحول الولايات المتحدة لأكبر منتج عالمي، كما أدى لتغيير هيكلي في قطاع النفط العراقي الذي أصبح مخصخصًا وتسيطر عليه شركات أجنبية مثل إكسون موبيل وشل.
المواجهة الكبرى 2026 وإغلاق مضيق هرمز
وصولًا إلى الواقع الراهن في عام 2026، نجد أنفسنا أمام مواجهة عسكرية إسرائيلية أمريكية ضد إيران، تسببت في إغلاق مفاجئ لمضيق هرمز الذي يعبر منه نحو 20% من تجارة النفط العالمية بما يقارب 20 مليون برميل يوميًا. هذا الإغلاق أدى لإعادة تقييم شاملة لاحتمالات التضخم واستقرار الإمدادات، مما دفع خام برنت لتجاوز حاجز 80 دولارًا للبرميل بقفزات قاربت 10% في جلسة واحدة. واليوم، استقر سعر خام برنت عند 81 دولارًا للبرميل، وسط تحذيرات من أن استمرار العمليات العسكرية قد يدفع الأسعار لزيادة إضافية تتراوح بين 7 إلى 10 دولارات، حيث يوقف مجرد التهديد الأمني تدفق الشحنات، مما يضع الاقتصاد العالمي في حالة تأهب قصوى أمام هذه الحرب الجديدة.
المصادر:





