أثير- د. محمد بن حمد العريمي
مع بدايات النهضة العُمانية الحديثة، لم تكن مشروعات التنمية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأولى مقتصرة على الجهود الحكومية فحسب، بل رافقها حراكٌ مجتمعي وشبابي أسهم في ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والتطوعي، وتعزيز قيم المشاركة الوطنية في بناء الوطن.
وفي الأول من يونيو عام 1973م، شهدت ولاية إزكي واحدة من أبرز المحطات المبكرة في تاريخ العمل التطوعي العُماني، وذلك من خلال انطلاق مخيم العمل التطوعي الأول الذي عُدّ أول تجربة منظمة للعمل الجماعي التطوعي في البلاد، بمشاركة نحو (80) شابًا عمانيًا من أعضاء الأندية الرياضية والشبابية.
وبعد أكثر من نصف قرن على انطلاقه، تعود “أثير” لتقترب من كواليس هذا المخيم التطوعي الذي شهدته ولاية إزكي، ذلك الحدث الذي جمع عشرات الشباب العُمانيين حول هدفٍ واحد هو خدمة المجتمع والإسهام في مشروعات التنمية، ليقدّم نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة الجماعية حين تتلاقى مع طموحات الوطن.
ثمانون متطوعًا على طريق النهضة
في مشهدٍ يعكس روح الحماس التي رافقت سنوات النهضة الأولى، شهد يوم الجمعة الأول من يونيو 1973م انطلاق أول تجربة للعمل التطوعي المنظّم في عُمان الحديثة، عندما شدّ (80) شابًا عُمانيًا الرحال إلى ولاية إزكي للمشاركة في مخيم العمل التطوعي الأول، حاملين معهم إرادة البناء والإسهام في مسيرة التنمية الوطنية التي كانت تخطّ خطواتها الأولى نحو المستقبل.
شارك في المخيم شبابٌ مثّلوا عددًا من الأندية الرياضية والثقافية، من بينها أندية عُمان، والنهضة، والأهلي، والسيب، وسداب، وروي، وبركة الموز، ومطرح، حيث تولّوا تنفيذ مجموعة من الأعمال الميدانية، كان أبرزها شق طريق يربط ببلدة اليمن التابعة لولاية إزكي، وجسّد المشروع نموذجًا مبكرًا للتعاون المجتمعي، إذ تضافرت فيه جهود أهالي البلدة مع الجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة وشباب الأندية المشاركة، في صورةٍ عكست روح التكافل والعمل المشترك التي ميّزت سنوات النهضة الأولى لتقدّم نموذجًا مبكرًا للشراكة المجتمعية في بناء عُمان الحديثة.

شراكة مجتمعية لإنجاح المشروع
لم تأتِ فكرة إقامة المخيم من فراغ، بل بدأت عندما تقدّم أهالي بلدة اليمن التابعة لولاية إزكي بطلب إلى دائرة الشؤون الاجتماعية للمساعدة في تنفيذ مشروع شق الطريق الداخلي للبلدة، مؤكدين استعدادهم للإسهام في المشروع ماديًا، إلى جانب المشاركة بالأيدي العاملة والخبرات الفنية المتاحة لديهم، وقد عكس هذا الطلب مستوى الوعي المجتمعي بأهمية التنمية المحلية، والرغبة الصادقة في المشاركة بتحقيقها.
وعلى إثر ذلك، أوفدت دائرة الشؤون الاجتماعية أحد موظفيها المختصين لإجراء دراسة أولية للمشروع، وجاءت نتائجها مشجعة، الأمر الذي دفع عددًا من مسؤولي الدائرة إلى زيارة البلدة والاطلاع على احتياجاتها عن قرب، وأسفرت تلك الجهود عن الاتفاق على تشكيل لجنة محلية للإشراف على المشروع برئاسة والي إزكي آنذاك الشيخ محمد بن خليفة الحارثي، وعضوية عدد من أعيان البلدة، حيث تولّت اللجنة جمع التبرعات واستكمال الترتيبات اللازمة لإنجاح المشروع.
وشهدت المبادرة تعاونًا واسعًا بين مختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، في صورةٍ عكست روح التكافل الوطني التي سادت السنوات الأولى للنهضة، فقد أسهمت قوات السلطان المسلحة بتوفير وسائل نقل الإسمنت، بينما قدّمت دائرة الطرق الإشراف الفني وبعض المعدات وسيارة للنقل. كما دعمت شركة تنمية نفط عُمان المشروع بتوفير جرافتين (جريدر) للمساعدة في أعمال شق الطريق، في حين بادرت الشركة العامة للتجارة إلى بيع الإسمنت اللازم للمشروع بسعر التكلفة بعد تخفيض قيمته.

وامتدت دائرة الدعم لتشمل مؤسسات القطاع الخاص، حيث تبرعت شركة “هوكتيف سكس كونستركت” بمبلغ مائة ريال عُماني للمشروع، بينما حرصت المديرية العامة للإعلام والسياحة على مواكبة الحدث إعلاميًا، فأوفدت فريقًا لتغطية أعمال المخيم. كما أرسلت سيارة سينمائية إلى موقعه لعرض مجموعة من الأفلام الاجتماعية والترفيهية للمشاركين والأهالي، في خطوة جسّدت الاهتمام بالجوانب الثقافية والتوعوية إلى جانب الجوانب التنموية للمشروع.
وقد شكّل هذا التكاتف بين الأهالي والجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص نموذجًا مبكرًا للشراكة المجتمعية في عُمان الحديثة، وأحد أبرز أسرار نجاح أول تجربة للعمل التطوعي المنظّم في البلاد.


لم يكن مخيم العمل التطوعي الأول بإزكي مجرد مشروع لشق طريق أو تنفيذ عملٍ خدمي محدود، بل كان تجربة وطنية رائدة حملت في طياتها معاني أعمق تتعلق بقيمة المشاركة المجتمعية وروح المبادرة والعمل الجماعي، فقد اجتمعت فيه إرادة الشباب مع تطلعات الأهالي ودعم المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، ليقدّم نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تحققه الشراكة بين مختلف مكونات المجتمع في خدمة التنمية.
وبعد أكثر من خمسة عقود على ذلك الحدث، ما يزال مخيم إزكي يمثل صفحةً مشرقة في تاريخ العمل التطوعي العُماني، وشاهدًا على مرحلةٍ آمن فيها أبناء الوطن بأن النهضة ليست مسؤولية جهةٍ بعينها، بل مشروعٌ وطني يشارك في بنائه الجميع. ومن بين معاول المتطوعين وسواعدهم التي امتدت لشق الطريق إلى بلدة اليمن، انطلقت رسالةٌ أوسع مفادها أن بناء الأوطان يبدأ من الإيمان بالعمل، وأن العطاء الصادق قادرٌ على أن يترك أثرًا يبقى في ذاكرة المكان والتاريخ معًا.
المراجع
- جريدة عمان. عدد السبت 9 يونيو 1973





