رواية تميل للتجريب، وابتداع تقنيات، وتوصيفات غير مألوفة
الصديق حاج احمد : “مملكة الزيوان” رواية الفنتازيا والعجائبية
بيروت – سجا العبدلي
تنطلق هذه الرواية من الربع الخالي لتضاريس غرب صحراء الجزائر القارية، حيث ترقد مملكة الطين والزيوان، التي اختارها رجال الرمل و النخل من بربر زناتة مع من أتى بعدهم من عرب بني سليم و بني هلال، الذين جرفتهم حالة الاكتشاف و البحث عن المرعى بجانب واد الساورة و واد قير، مستقرا لإقامتهم، فبنوا القصبات الطينية، وحفروا الفقّارات في شكل آبار أعلى قصورهم، وجلبوا منها الماء بشكل هندسي فريد لواحاتهم النخيلية. هناك حيث يصمد الطين محتفظا بحمولة تاريخ الذين سكنوه عبر العصور، كاشفا للخالفين آثار السالفين في تضاريس تشققاته، حتى ليغدوا الدخّان الملتصق به، جراء الطهي و التدفئة عبر السنين، كسيمياء خرائط تلوّن ذاكرة حيطان القصبة و القصر الطيني بمملكة الزيوان، وهيبة عرق الرمل و صفرته، وخضرة الواحة و صمتها الرهيب، تخلق صوفية كينونية، قد لا نصادفها في فلل الرخام و منمنمات الزليج، و بهرجتها المصبوغة بصباغ الحضارة و التمدن. عن ” مملكة الزيوان ” العمل الروائي الذي صدر حديثاً عن دار فضاءات للنشر والتوزيع – الأردن. التقت ” أثير” بالروائي للجزائري الصديق حاج أحمد.
الدكتور الصديق حاج أحمد المشهور بالزيواني، من مواليد 19/12/1967 بزاوية الشيخ المغيلي من ولاية أدرار الصحراوية بالجزائر. حاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات من جامعة الجزائر المركزية. أستاذ لسانيات النص و فقه اللغة بجامعة أدرار. مهتم بالدراسات التاريخية الأنثربولوجية. صدر له : التاريخ الثقافي لإقليم توات ، الشيخ محمد بن بادي الكنتي حياته وآثاره
،الدرس اللغوي بتوات .
-
ظهرت الرواية في طبعتها الأولى المحلية بالجزائر عن طريق دار فيسيرا سنة 2013، لكنها ظلّت حبيسة القطر الجزائري، ولم يتمكن القارئ العربي من الاطلاع عليها لماذا ؟
ظهرت الرواية في طبعتها الأولى المحلية بالجزائر عن طريق دار فيسيرا سنة 2013، لكنها ظلّت حبيسة القطر الجزائري، ولم يتمكن القارئ العربي من الاطلاع عليها لماذا ؟
بالرغم من نجاح الرواية جزائريا، و نفادها من السوق بالمرّة، لكثرة الطلب عليها، نظرا للترحيب الإعلامي و التلقي النقدي بها جزائريا، غير أنه للأسف ظلّت الرواية حبيسة القطرية المحلية، مما لم يسمح للقارئ العربي بالاطلاع عليها، وهو الأمر الذي دفعنا لنشرها بدار فضاءات الأردنية، نظرا لما لمسناه في هذه الدار من احترافية غير مسبوقة، وتوزيع جغرافي، يضمن وصول النص للقارئ في الشرق الأوسط، والخليج العربي، والمغرب العربي.
-
العنوان كعتبة و كنص موازٍ كما يقول الناقد الفرنسي جيرار جينت، يبدو كبداية غريبة صادمة و استفزازية للقارئ، فما معنى الزيوان، وهل كان توظيف العنوان بقصدية؟
العنوان كعتبة و كنص موازٍ كما يقول الناقد الفرنسي جيرار جينت، يبدو كبداية غريبة صادمة و استفزازية للقارئ، فما معنى الزيوان، وهل كان توظيف العنوان بقصدية؟
لقد التفتتْ الدراسات النقدية الحداثية، لأهمية العتبات النصية، و أولتها اهتماما بالغا، بما في ذلك الغلاف، و الألوان، والصوّر، وكذا عتبات الإهداء، وكلمة الناشر، و غيرها مما يتشكل في هذا البناء، وانطلاقا من السؤال، حول معنى الزيوان، فالزيوان في اللّهجة التواتية، نعني به العرجون اليابس للنخلة، كدلالة رمزية للمنطقة، فضلا عن موسيقاه الإيقاعية، والتي تزيد تنغيمة موسيقية غير عادية للعنوان. وقد وظّفنا العنوان بدلالة الزيوان بقصدية مدروسة، الغرض منها، شدّ القارئ، و كسر أفق انتظاره، حتى يشكّل العنوان سلطة خفية عليه، تدفعه لمحاولة فك شيفرة العنوان، و طلاسمه الغامضة.
-
القارئ للرواية يكتشف منذ البداية مدى توظيف الفنتازيا و العجائبية، مما يوحي أن النص ينتزع نحو النزعة الواقعية السحرية، كتلك الذي أثّث بها غارسيا ماركيز رواياته من الذاكرة الشعبية لأمريكيا اللاتينية؟
القارئ للرواية يكتشف منذ البداية مدى توظيف الفنتازيا و العجائبية، مما يوحي أن النص ينتزع نحو النزعة الواقعية السحرية، كتلك الذي أثّث بها غارسيا ماركيز رواياته من الذاكرة الشعبية لأمريكيا اللاتينية؟
لعلّ الانطباع العام الذي يخرج به القارئ، من خلال قراءته للنص، أن الرواية تكتنز على قدر كبير من أسْطَرة المخيال الجمعي للذاكرة الجمعية للمجتمع التواتي، كالشعوذة والسحر، و الجن، و العفاريت، وغيرها من متضمنات العجائبية، و قد أتى النص مؤثثا بكثير من هذه التوظيفات السحرية، والتي تكشف مدى الخلفية السوسيوثقافية للإثنيات المكونة للمجتمع التواتي(بربري-عربي-إفريقي).
-
حاولت الرواية خلخلة طابو بعض المعتقدات الاجتماعية المقدّسة، كتحبيس الميراث على الذكور دون الإناث، مما يفهم من هذا أنك انتصرت للمرأة التواتية المظلومة و المقهورة؟
حاولت الرواية خلخلة طابو بعض المعتقدات الاجتماعية المقدّسة، كتحبيس الميراث على الذكور دون الإناث، مما يفهم من هذا أنك انتصرت للمرأة التواتية المظلومة و المقهورة؟
من الرهانات التي راهنت الرواية عليها، في خلخلة بعض الاعتقادات النمطية المقدّسة بالمجتمع التواتي، هو كسر طابو تحبيس الميراث على الذكور دون الإناث، مما يعني أن النّص انتصر للمرأة التواتية المظلومة و المقهورة، و قد جاء ذلك جليا في شخصية(مريمو) أخت البطل(لمرابط)، حيث و للأسف الشديد جوّز الفقهاء و سوّغوا تحبيس التركة على الذكور دون الإناث، بمبررات غير معقولة، ومخالفة للنص القرآني الصريح.
-
ترصد الرواية التحولات الاجتماعية التي مرّت بها منطقة توات، و كذا مسألة التعايش الإثني بين السيد المالك و العبد الخمّاس، هلا أوضحت ذلك
ترصد الرواية التحولات الاجتماعية التي مرّت بها منطقة توات، و كذا مسألة التعايش الإثني بين السيد المالك و العبد الخمّاس، هلا أوضحت ذلك
ترصد الرواية التحولات الاجتماعية التي مرّت بها منطقة توات خلال ثلاثين سنة، ويظهر ذلك جليا في البرنامج السردي الأول، بين شخصية البطل لمرابط ابن السيد، و الداعلي ابن الخمّاس، حيث تتوتر الأحداث و يتأجج الصراع، خلال إقرار قانون الثورة الزراعية، باقتطاع نسبة من أملاك الأسياد وإعطائها للخماسين، ليجد لمرابط ابن السيد نفسه في الجامعة، متبنيا للأفكار الاشتراكية النابذة للإقطاع، مما يجعله يعيش صراعا داخليا، لكنه في الأخير ينتصر لمبادئه، كما نجد بالمقابل الداعلي ابن الخمّاس ينتزع نحو التحرر من قبضة الأسياد بعد تعلمه بالجامعة.
-
فيمَ تتقاطع هذه الرواية وتختلف عن فضاءات الروائي إبراهيم الكوني كرائد لأدب الصحراء؟
فيمَ تتقاطع هذه الرواية وتختلف عن فضاءات الروائي إبراهيم الكوني كرائد لأدب الصحراء؟
فضاء الصحراء التواتية بمملكة الزيوان، يختلف اختلافا جزريا عن فضاءات إبراهيم الكوني، فبالنسبة لإبراهيم الكوني، تشتغل رواياته على فضاء الصحراء المرتبط بالخيمة والترحال وعالم الطوارق، و هو فضاء يختلف عن فضاء مملكة الزيوان، الذي تشتغل على القصور و القصبات الطينية، والواحات النخيلية، ومن هنا لا يحصل الالتقاء إلا من جهة التسمية بالصحراء، أما ماعدا ذلك فالأمور تختلف اختلافا جذريا، من جهة المجتمع المترحل الباحث عن الرعي وهو مجتمع الكوني، و مجتمع الاستقرار و التثبيت بالقصبات والقصور الطينية مع الواحات النخيلية، وهو مجتمع مملكة الزيوان.
-
إذا ما وصفت هذه الرواية بأنها ذات طرح غير مألوف، هل توافق على هذا التوصيف ؟
إذا ما وصفت هذه الرواية بأنها ذات طرح غير مألوف، هل توافق على هذا التوصيف ؟
الرواية الحالية، تميل للتجريب، وابتداع تقنيات، و توصيفات غير مألوفة، فعلى مستوى الفضاء، كفضاء صحراوي طيني، تعتبر رواية متميزة غير مسبوقة، كما أن الوصف جاء فيها بتوصيف محلي من البيئة المحلية، وهو أمر جديد في الرواية العربية، كما أن تقنية وصف الجنين لساعة ولادته و أحوال المحيطين به ساعة الولادة، تعتبر كتقنية مدهشة، و قد أشاد العديد من النقاد الجزائريين بهذه التقنية غير المألوفة، كالدكتور حبيب مونسي.
-
يلاحظ القارئ للنص، و نظرا لطبيعة النص المحلية، وجود معجم لهجي دلالي، ألا ترى ذلك عائق أمام القارئ العربي خارج المحلية التواتية، بما في ذلك شمال الجزائر نفسها؟
يلاحظ القارئ للنص، و نظرا لطبيعة النص المحلية، وجود معجم لهجي دلالي، ألا ترى ذلك عائق أمام القارئ العربي خارج المحلية التواتية، بما في ذلك شمال الجزائر نفسها؟
منذ البداية كنا متفطنين لهذه المشكلة، فقد فكّرنا كثيرا في تقدير المشكلة، بين تفصيح تلك المفردات المحلية، أو تركها على محليتها، و قد انتصرنا أخيرا لتركها على محليتها، حتى لا تفقد سياقها اللهجي اللساني، مع وضع حواش في ذيل كل صفحة، تحتوي على مثل هذه المفردات.
-
هل يمكن القول أن ” مملكة الزيوان” جاءت لتؤرخ للزمان والمكان والإنسان في آن ؟
هل يمكن القول أن ” مملكة الزيوان” جاءت لتؤرخ للزمان والمكان والإنسان في آن ؟
مملكة الزيوان، رواية ترصد المكان، كفضاء للبيت الطيني، والقصبة، والقصر، و الواحة، كما تؤرخ لفترة ثلاثين سنة من تاريخ توات، من بداية الستينيات1961 حتى 1989، كما أنها تتمثّل الإنسان في ذاته و كينونته و صراعه، و مدى تفسيره للظواهر الكونية، عن طريق الأساطير التي تشكل المعتقد الشعبي للمخيال الشعبي للجماعة الطينية الواحاتية.
-
هل نجحت في التأريخ لتوات من خلال كتابك “التاريخ الثقافي لإقليم توات” ؟
هل نجحت في التأريخ لتوات من خلال كتابك “التاريخ الثقافي لإقليم توات” ؟
كتاب التاريخ الثقافي لإقليم توات، ككتاب تاريخي بامتياز، مجبور عليك بمسطرة المؤرخ و صرامته، لأن تلتزم بالوثيقة و المصدر كمرجع، بينما الرواية كمتخيّل متحرر، يمكن للروائي رصد عديد المعتقدات التي يقفز عليها المؤرخ، غير محتفل بها كالخرافات و الأساطير، لتأتي الرواية لتسد تلك الثغرات التي قد يتركها المؤرخ جراء صرامته، وعدم قوله إلا بالمصدر و المرجع.
أخيراً في أي خانة يمكن تصنيف هذا العمل برأيك؟
من حيث التجنيس، هي رواية، لكن يمكن زيادة ترابطيتها، لانخراطها في التاريخي و الأنثربولوجي، مما يجوّز لنا القول، أنها رواية تاريخية أنثربولوجية.