خالد المصري يكتب: ملحمة الحب والموت.. “الغبش” تتمّم ثلاثية “حمرة الغياب”

خالد المصري يكتب: ملحمة الحب والموت.. “الغبش” تتمّم ثلاثية “حمرة الغياب”
خالد المصري يكتب: ملحمة الحب والموت.. “الغبش” تتمّم ثلاثية “حمرة الغياب”

 

 

خالد المصري

لكي تعرف مجتمعا ما يمكنك أن تقرأ رواية. ولكي تتعرف على مدينة صور، يمكنك أن تقرأ ثلاثية “حمرة الغياب”. هذا ما تمنحك إياه هذه الرواية التي تمثل ملحمة لـ”الحب والموت” بأجزائها الثلاثة، بعد أن صدر للروائي سالم بن ربيّع الغيلاني، الجزء الثالث المعنون بـ “الغبش” وهو المتمم لثلاثيته “حمرة الغياب” والذي يدشنه في معرض الكتاب الدولي بمسقط في دورته الحالية. هذه الثلاثية بما تحمله من أحداث اجتماعيّة وإنسانية، جسّدها الكاتب من خلال أسرة “الغالي” التي عاشت في مدينة صور في أربعينات القرن الماضي حتى بداية السبيعينات منه، والتي جاءت قصة بنائها أسطورية خيالية، اشترك فيها الجن مع الإنس “بعد أن زار الغالي الكبير بلادا، واكتشف جزرا، وتعرف على حضارات، وفي طريقه من العراق إلى الهند، فاجأته الأقدار بريح حطمت مركبه، وشتّت بحارته، ورمت به في تلك البقعة التي جعل منها موطنه، وفيها بنى منزله الكبير الذي ساعده أصهاره من الجن على بنائه، ثم أمدوه بالذهب الوفير الذي مكنه من شراء كل شيء حتى البشر، فبدأت أسطورة صور المدينة.”

 

من الخيال إلى العوالم الممكنة والعكس، ينتقل بنا الغيلاني في ثلاثيته “حمرة الغياب” ويجد القارئ للعمل الروائي بأجزائه الثلاثة تقبلا لهذا المزج حتى لا يكاد يفصل بينهما فيما يجده من أحداث، وتواتر الصراعات، وتشابك العلاقات بين شخصيات الرواية. واعتمد الراوي “تقنية الوصف مركزا على ما يمكن تسميته “المكان الإنساني”، فالمكان عنصر دال على الإنسان عبر موقعه، وشكله ومكوناته. كما أن للأشياء طاقة ترميزية إيحائية تحيلنا على البيئة الاجتماعية، ومستوى المعيشة، ونمط الحياة وأسلوبه.

 

منذ السطور الأولى في الرواية يجد القارئ نفسه في أزقّة مدينة صور وحواريها، وشواطئها، معايشا حال أهلها عند بزوغ الفجر في صباحات الشتاء، “فأهل المدينة يؤمنون بالمثل القائل: كل علة وأبوها البرد، وعجائز المدينة يحذرون من لسعاته لأنها – حسب ما يعتقدون – سياط الجن والشياطين.” ويرسم صورة تضجّ بالحياة عندما تبدأ خيوط الشمس في نشر دفئها في أوصال المدينة، وأجساد أهلها مصورا حركة السفن والسنابيق، ولعب الأطفال على الشاطئ، وسعي الناس لشؤون حياتهم ومعاشهم.

 

تكتمل الصور والمشاهد  من خلال القرائن التي بثها الروائي في نصّه، فالرائحة حاضرة بقوة في “روائح اللبان التي تضوع في كل مكان، مختلطة مع الروائح الزكية التي تنبعث من المطابخ الصورية” تماما مثلما تكون الرائحة جزءا من المشهد “عندما  يتسلل وقت الضحى، فاسحا المجال للظهيرة، فتنبعث من البيوت رائحة السمك المقلي، حاملة معها نداء خفيّا للأزواج، والأبناء، والأخوة، وعندما تعده نساء صور، يضعن فيه جزءا من أرواحهن، ويختزلن في داخله كل مشاعرهن الدافئة.” “فالرائحة طريّة، فاتنة، تسكر بها عندما تتخللك، وتجعل للتجوال في حواري المدينة وأزقتها في نهارات الشتاء وقعا ساحرا، فتشتم رائحة الطين المختلطة باللبان والعطور المجلوبة من الهند والعراق، التي تعبق بها نساء صوء غرف المنازل للأزواج والأبناء والأخوة؛ حتى يجدوا الراحة والسكينة بعد نهار شاق من العمل والكدح.” وتظل الرائحة جزءا من المشاهد في البيئات المختلفة بين آسيا وإفريقيا التي انتقلت لها شخصيات الرواية في حياتها، وسير أقدارها.

 

إن التفاصيل المرسومة بدقة في لوحة نصيّة بديعة تأخذك إلى المكان حيث تعيش هذه الأسرة أحداث حياتها جيلا بعد جيل. هندسة المكان، وأشكال البيوت وألوانها، ومنزلة أهلها الاجتماعية، وشخوص ساكنيها وسماتهم جميعها تغدو جزءا منك، أو تصبح أنت جزءا منها حين تستغرقك القراءة في سطور الرواية وتفاصيلها. ويمكنك أن تسمع الأغاني الشعبية التي ترددها النساء في هذه المنازل، وتعيش مع الفنون والأهازيج الشعبية التي يرددونها في مناسباتهم السعيدة، واحتفالاتهم.

 

إنّ واحدة من أبرز الجوانب الفنيّة في هذه الثلاثيّة هي شخصياتها الروائية الرئيسية والثانوية، والثابتة والمتغيرة التي تعد مفتاح العمل الروائي، وقد طرح الغيلاني في مواضع متفرقة تفاصيل جسمانية ترسم الانطباع العام حول شخصيات الرواية، وقام بتصدير كمٍ منطقي من المعلومات التي تلمّح إلى سماتها وهواجسها وخلفيتها المعرفية والوجدانية والتاريخية والثقافية والعرقية، مع رسم صورة مظهرية تشي بسياقها الاجتماعي، فأعطت دقة الوصف صورة بصرية تجسيمية قوية ومؤثرة، وفي هذا كله لم يكن البطل الأوحد هو محور الأحداث، ومحركه، وإنّما كانت هذه الشخصيات تظهر وتختفي، وتبرز وتضمر في ظهور سينمائي أو مسرحي يجعل القارئ متفاعلا مع كل ظهور لأي شخصية ولو كانت ساكنة، ومنتظرا بشغف لها لأنّها على درجة من الارتباط حد الالتصاق بالحدث،  فهي ستظهر بدور مباشر أو غير مباشر في الأحداث التي تتوالى وتتصاعد وتيرتها دون توقف، وهو ما أجاده الروائي في أجزائه الثلاثة.

 

لقد تنوعت أشكال اللغة التي استخدمها الكاتب، فنجد اللغة الأدبية إلى جانب اللهجة العامية التي رافقت المواقف الانفعالية لبعض شخصيات الرواية، فاعتمد على اللهجة الصورية في عمان، ولهجة أهل عدن في اليمن، ولهجة أهل الرقّة في سوريا كلما حمله النصّ على هذا، مازجا بينهما مزجا أعان على جعلها رموزا لما يجري في عالم الواقع، تلتحم معا لتكوّن مناظر وحركات وشخوصا وتجارب. وقد تناوب في الرواية بأجزائها الثلاثة السرد والعرض؛ فحينا ينقل لنا الأحداث ويخبر عنها؛ وأحيانا أخرى تكون الأحداث ممسرحة ومعروضة أمام المتلقي وكأننا أمام مسلسل درامي، أو فيلم سينمائي.

 

ويعد تنوع أسلوب الكاتب في أجزاء العمل الثلاثة، من الأمور اللافتة؛ فحينا تجد صوته ظاهرا، فيما اختفى في أحايين اخرى تاركا المجال لحركة الاشخاص في علاقاتهم المتداخلة والمتشابكة في حركة زمنية حرّة تنتقل من الحاضر إلى الماضي، أو العكس مبرزا من خلالها قضايا اجتماعية مختلفة كالطبقية، وسيادة القبيلة، ووواقع المرأة ابنة وزوجة وأختا، والظلم الاجتماعي وغيرها مما يمكن للقارئ أن يستنطقه من وراء الكلمات ومتابعة سير الأحداث.

 

لقد تنقّل الكاتب في روايته بين أماكن عديدة شملت صور والمصنعة وعدن وزنجبار وانجلترا ومسقط، خلال مدد زمنية متفرقة، فشكّل المكان بتفاصيله المختلفة دلالة تاريخية لحركة الإنسان العماني في رحلاته، وتنقلاته سعيا للعيش، وتواصله مع العالم الخارجي. كما شكّل دلالة نفسيّة لطبيعة هذا الإنسان الذي لا تمنعه حدود عن متابعة سعيه في حياة تسودها الكرامة والعيش الكريم.

 

وبالرغم من أنّ الرواية تبدأ في حيّز محليّ محدود، في مدينة صور، لكنّها تتسع لتكون حكاية الإنسان في كل زمان ومكان، وترجمة لأوجاع الذات الإنسانية مهما اختلفت ألوانها، وألسنتها، وأعراقها. فالإنسان هو الإنسان، يُسكن روحه الاحترام والحب، ويشتتها الغدر والظلم والنكران، وهو ما تقاسمت شخصيات هذه الرواية معاناته كل بحسب ظروفه وقدره.

 

ثلاثية حمرة الغياب تسحبك إلى عوالمها، وتطوف بك بين أزقة حواريها وزحمة مدنها، حيث يجول بصرك في صورها المرسومة نصيّا، والألون المبثوثة في مشاهدها، مرهفًا سمعك لأصواتها ومشاركًا في أغانيها. تشتم الروائح التي تضوع من بين سطورها، وتتجاوب عواطفك حبا أو كرها، تعاطفا او استنكارا مع شخصياتها. وعلاوة على الأفكار الكبرى التي تمكن هذا العمل بأجزائه الثلاثة من الإمساك بها، والصعود بالأحداث إلى تبيانها، وجلائها؛ فإنّ الأدوات الفنيّة وأساليب السرد المتنوعة، واللغة الأدبية المعبرة، التي نجح الغيلاني، في المحافظة على إيقاعها في الأجزاء الثلاثة، وتوظيفه الدقيق لها يعكس نضج التجربة الإبداعية للروائي، وجدّيتها.

 

إنّ ثلاثيّة “حمرة الغياب” عمل روائي يستحق النظر والتأمل، وأن يكون موضع دراسة متعمقة؛ لأنه يشكل تجربة إبداعية لافتة في السرد العماني، وتتابع أجزائه الثلاثة يفتح أفاقًا رحبة لدراسة الأدوات الفنية التي استخدمها الروائي للإمساك بالخط السردي المتنامي للأحداث، وسيرها المنطقي في الأجزاء الثلاثة، فالدراسة النقدية لمثل هذا الأعمال الأدبية هي السبيل إلى تأصيل الملكات الأدبية في أي مجتمع.

 

 

شارك هذا الخبر