قراءة لـ “أثير” في مجموعة “غارق يغنّي”

قراءة لـ “أثير” في مجموعة “غارق يغنّي”
قراءة لـ “أثير” في مجموعة “غارق يغنّي”

أثير- مكتب أثير في تونس

قراءة : محمد الهادي الجزيري

وأنا أتصفحُ كتب مهداة من سعيد الصقلاوي الذي توطّدت علاقتي به في تونس أثناء انعقاد مؤتمر الكتّاب التونسيين ، وإذ بي أتوقّف عند مطلع قصيدة ” أنا الأرض ” لما فيه دلالة على الوعي الحاد بحضوره الإنساني في العالم ، وهذا ما يحرّضني على مواصلة القراءة ، فمن لا يعترف بالشجن الكامن في النفس ..برغم إحساسه به ومعاناته له ..، هو الشاعر الذي أحبّ ..، يقول في مطلع القصيدة :

” همستُ للأرض
إنّي الحب والشغفُ
وإنّني لست بالأحزان أعترفُ ”
ثمّ يقول على لسان الأرض في مقطع آخر :
” قالت نسجّتك من روحي ومن بدني
فصرتَ
أنت أنا الإنسانُ والخزفُ ”
وهو لعمري مطمح كلّ كائن حيّ أن يتحوّل في نهاية الأمر إنسانا خزّافا كما كتب ذات مرة الكبير سعدي يوسف :
” سأكون خزّافا
فقال أبي: ستتركنا ، إذنْ
وأقول : كيف ؟
يقول : من يخلقْ من الصلصال أشكال الطيور يطرْ “







قراءة لـ “أثير” في مجموعة “غارق يغنّي”
قراءة لـ “أثير” في مجموعة “غارق يغنّي”

أنا انتقائي في اختياراتي الشعرية ، أنتقي القصائد القريبة منّي ككلّ قارئ وهذا ليس عيبا ، بل هو يقرّبني ويمنحني القدرة على التفاعل الجيّد ، وفي هذا الباب اخترت قصيدة ثانية في هذه الجولة الخاطفة ، وهي قصيدة بعنوان ” أنا والليالي ” ..يقول سعيد الصقلاوي في بدايتها :
” أَعِيشُ مَعَ اللَّيالِي دُونَ قَلْبٍ
أُنادِيهِ وأَصْرُخُ… لا يُلَبِّي
وأَسْأَلُ عَنْهُ مِصْباحِي ودَمْعِي
وأَبْحَثُ عَنْهُ في شِعْري وكُتْبي
أُفَتِّشُ ضَوْءَ مِرآةٍ وظِلاً
لَعَلَّ مَلامِحاً مِنْهُ بِقُرْبي
تُراوِدُني طُيُوفٌ لا هَواها
هَوايَ ولا بِها ما عَنْهُ يُنْبي
وأَمْشِي سَائِلاً في كُلِّ دَرْبِ
ويَبْقَى اللَّيلُ مُعْتَكِفاً بِهُدْبي
يُمَنِّيني بِحلمٍ ليسَ فيهِ
فأُبْدِعُهُ وأَشْرَبُ فِيهِ نَخْبي
على أَمَلِ اللِّقاءِ أُضيءُ نَجْماً
لِيُزْهِرَ في الحَدائقِ بَعْضُ قَلْبي ”
أين ضاع قلب الشاعر ..، يكلّمه ويرسل إليه النداء تلو الداء ، ولا يردّ الجواب ، بل يسأل عنه مصباحه ودمعه ولا من مجيب ، فيبحث عنه في أشعاره وكتبه ..وكأنّه لا يريد المشاركة في سهر الليالي وأرقها ..، إذا قرأتم المقطع كاملا تجدونا الجواب ، لقد ملّ قلبه من الأمنيات التي يمنّيها له الليل ..ويبقى متشبثا بلقاء حميمي ..، لذلك يقول الشاعر با يعترف إنّ قلبه يزهر أو بعضه من بصيص الأمل ..أمل اللقاء والوصل بالمحبوب ..









أختتم نزهتي في بستان الشعر المعنون ب ” غارق يغنّي ” ، أختتمها بتسبيحي للحرية وترديدي مع سعيد الصقلاوي كلّ سطر شعريّ من هذه القصيدة الجميلة المتغناة بأجمل المنح التي وهبها لنا الله ..ألا هي الحرية ..المدروسة المحبّذة للجميع وليست الحرية المتهوّرة التي لا تحترم شيئا ، لنا أمثلة في ” حريات ” لا حدود لها ، لا وطن يسلم منها ولا كائنات إنسانية .. ولا عقل يكبحها ، مطلقة دون بوصلة ..، دعنا من ” حرية مسمومة خربت أوطانا ” ونعود إلى حرية مسؤولة تنشد الخير للإنسان والوطن ، وتعمل على تأسيس الجمال والعدل والإحسان ..، هذا ما يريد الشاعر المسؤول عن وطن وأمّة وعالم ، هذا ما نطمح إليه جميعا ..، وقبل أن أترككم مع المتن الشعري ، أحيّي سعيد الصقلاوي وأرجو أن أكون قد وفّقت في مقاربتي لمجموعته الشعرية ” غارق يغنّي ” …

حُرَّية
أوَ يَبْقى فينا الخَوْفُ وقدْ
سَكَنَ الحَقُّ قُلوبا
فاجْعَلْ مِنْ ذاتِكَ حَقّاً
يَتَحَدَّى الخَوْفَ
ولا يَبْقى مَصْلوبا
واجْعَلْ مِنْ روحِكَ شَكَّاً
فوْقَ الشَّكِّ دَواءً وطَبِيبا
لا مَعْنى أَنْ
تَبْقى مُرْتاباً
مَقْمُوعاً
مَسْلُوباً
مَغْلُوبا







ما الحُرِّيّةُ
إلا مَعْناكَ المُمْكن مُنْبَعِثاً
أضْواءً
ووَجِيبا



شارك هذا الخبر