فضاءات

من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف

أثير – مكتب أثير في تونس
إعداد: محمد الهادي الجزيري


وهو يقرأ ويهز القاعة من شمالها إلى يسارها، في الدورة 35 للمربد الشعري بالبصرة الجميلة في كنف العراق مستهزئا بالأشكال المختلفة للشعر، العمودي والتفعيلي والنثري.. مستمعا لقلبه ونفسه، ضاحكا تارة وحزينا أطوارا أخرى، وهو يحبّ ذاته المهيمنة على الركح ينفخ من روحه في جسد ضئيل اسمه وهاب شريف، وأنا مبهور به، كنتُ أحدث نفسي، ليس الشعر ما يعرفه وقنّنه الناس، الشعر ببساطة هذا الصدق الهادر من حنجرة هذا الشاعر الساخر من كل شيء، بدءا من جسمه الخفيف من ريشة كما صرّح بذلك في قصيدته، ومرورا بأساتذته المتعاقبين على ضربه وصفعه وتوبيخه، وصولا إلى الخلفاء الذين تداولوا على خنق الإنساني فيه.

من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف
من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف

حقيقة طرح عليّ سؤالا مهمّا وهو يتلو قصيدته “الشاعر مضروبا في نفسه”، لقد جابهت كلّ هذه الحيل الخبيثة بالصدق طوال حياتك ولكنّك لم تخلص أبدا له، نعم لكلّ منّا زلاته وهفواته ومحظوظ من ظلّ مخلصا للصدق في كلّ شيء وخاصة في علاقته بربّه وبالناس عموما، والأهمّ أنّ الشاعر بقدر ما أضحكني وأحزنني بقدر ما نقلني من قاعة الأمسية إلى أسئلة تحلّق عاليا وبعيدا، هل أنا مخلص للعقيدة التي أؤمن بها؟ هل أنا مخلص لاختياراتي من عملي إلى أمّ أطفالي إلى حلفائي وأعدائي؟ هل أنا وفيّ حقّا لما أسمّيه تاريخي النضالي؟ هل ندمت يوما ما على ما كتبته، فمثلا كم كتبت عن العراق وسوريا وليبيا وكلّ جراحاتنا العربية، وما زلت تكتب عن فضيحتنا الأفدح: غزة؟ هل غيرت شيئا؟ لا، اكتب إذن كهذا الضئيل مثل الريشة بكلّ سخرية ممكنة.

هذا ما يتوجّب عليّ وعلى كلّ من استمع إلى تلك القصيدة، الإجابة عنه والتصالح معه وتفادي خسارة الوقت إذ يجب إصلاح ما يمكن إصلاحه قبل حلول ذاك الكريه ذاك الحقّ الذي لا بدّ منه، ويوم تلاقي نفسك في مواجهة الموت ومساءلة ذاتك: ماذا فعلت وماذا جنت وماذا قطفت؟

على كلّ هذه المصافحة الأولى من مهرجان المربد بالبصرة، وإن كان بي تعب جسيم إثر السفر مدّة طويلة نسبيا، فقد ظللنا ننتظر الطائرة المتجهة إلى البصرة قرابة سبع ساعات، ولكنّي سعيد بوصولي ورؤية أصفياء لي مثل الشاعر عبد الله العريمي والشاعر حسن المطروشي والشاعرين الأردنيين راشد عيسى وصلاح أبولاوي، والكثير الكثير من أصدقائي العراقيين على رأسهم الدكتور عارف الساعدي ومن قلب العراق أذكر الشاعر دريد شاروط الذي أكرمني بخدمة (عجوز مثلي يتعافى) ودون أن أسهو عن ذكر العراقي ابن تكريت الذي أهداني مجاميعه وقضّى معي صبيحة اليوم، الشاعر طلال الغوار، ولا أنسى صديق حياتي التونسي الذي كابد السفر معي جوهر أولاد حمودة، وفي خاتمة هذه اللمحة المستوحاة من قصيدة “الشاعر مضروبا في نفسه” للشاعر الحادّ كالسكين والخفيف على النفس مثل ريشة وهاب شريف ابن النجف وسأعود إليه وإلى آخرين أهدوني مجاميعهم، أترككم مع بعض المقاطع من هذه القصيدة التي قد أسميها  الحقيقة:

“أنا وهاب
كانَ معلمُ القراءةِ يُسمّيني “قُوزي” 
وتُسمّيني أمّي “ريشة”
وتحبسُني في الغرفة أثناء هبوب العاصفة 
كي لا أطير كما في المرّة السابقة
عند عودتي من المدرسة
يناديني  أصدقائي “صاروخ”
أبتلعُ الشوارعَ مثل حَبّة الأسبرين
لا أترك ُ أحداً أمامي
أنا الآن وهاب أيضاً
أرى إسطوانةً 
تتدحرجُ على أرض وعرة
إلى جوار حائط آيلٍ للسقوط”


من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف
من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف من الدورة 35 للمربد الشعري: الصدق في الحياة مع الشاعر وهاب شريف

ومقطع أخير نختم به:
“هكذا حافظ شاعر على أطرافه في الحروب
هكذا حافظ شاعرٌ على حياته من الطغاة
هكذا حافظ شاعر على رجولته في العراق
أنا الآن وهاب أيضاً
أعيش بعينين مغمضتين وفم مبتسم
أعيشُ بقلبٍ ممتليءٍ بالخسارات وبالمقابر.
الإرادةُ الإلهية ُ تعرفني
وتعرف أهميَّةَ وجودي
لقد متُّ عدة مرات في حياتي


Your Page Title