صرخة عند فلج الغنتق تُسقط ملكاً

أثير – تاريخ عمان

 

لا شك أن تاريخ عمان المجيد الضارب منذ القدم لم يكن مثاليّا للغاية في كلّ أحواله ، بل نحن لسنا في الدولة الفاضلة ، ولنا من العبر، والقصص، والأحداث ما يدلّ على ذلك ، فكما أن للتاريخ صفحات ناصعة كذلك توجد بعض الصفحات المؤلمة .

لقد دخلت عمان في صراع سياسي خطير نتيجة عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، ومبايعة راشد بن النظر الذي باركه الشيخ موسى بن موسى، وانقسام العمانيين بين مؤيد، ومعارض لذلك، والذي في النهاية نتجت عنه حروب أهلية عنيفة، وفتنة عظيمة، وبالأخص بعدما ارتكب راشد بن النظر تلك الجريمة بحق عدد كبير من معارضيه ،على حين غرة، في معركة الروضة ليلا بالقرب من تنوف، ليزداد الوضع سوءا حتى العلماء انفسهم انقسموا الى مدرستين فقهيتين رستاقية رافضة عزل الامام الصلت ، ونزوانية تدعو لنسيان الماضي .

من هنا ،وبهذا الشتات، وتلك الحروب الأهلية استأثر ملوك النباهنة بحكم عمان في ظل ضعف الإمامة ،وتشتت العلماء، وانقسامهم.

يتنمي النباهنة إلى العتيك بن الأسد بن عمران ، ويصل نسبهم إلى حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وعرفوا بالنباهنة نسبة إلى نبهان بن عثمان بن أحمد بن زياد بن خالد بن طالب، وأول ظهور لهم تقريبا ، مثلما أشارت بعض المصادر التاريخية رغم اختلافها ، كان في القرن الخامس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وعرف عن ملوك النباهنة ميلهم إلى الترف، والفن فاهتموا كثيرا بالعمارة، وبمظاهر الأبهة التي تلازم الملوك ، وبرز الشعر في عصرهم كثيرا بل كان بعض ملوكهم شعراء لهم دواوين متداولة حفظتها المخطوطات العمانية حتى يومنا هذا .

ولكن وهو حال كلّ البشرية، كان لبعض ملوك النباهنة سيرة غير حسنة بين أهل عمان، وهي مؤرخة طبعا في أغلب المصادر العمانية التاريخية المتداولة كالذي أرخه أبن رزيق، والشيخ نور الدين السالمي، ومن بعده السيابي، ومن هؤلاء الملوك الذي نشير لهم الملك الشاعر سليمان بن سليمان بن مظفر الذي تقلد الحكم بعد صراع مع الإمامة في نزوى عام 1490م .

 

ورغم اختلاف بعض قراء التاريخ لحادثة فلج الغنتق التي أطاحت بالملك سليمان ، سنوردها هنا لأنها الأكثر تداولا وتوثيقا من قبل مؤرخي عمان على مر التاريخ .

 

حادثة الغنتق:

 

تذكر بعض المصادر التاريخية بأن الملك سليمان بن سليمان حاول التحرش بإمرأة كانت تغتسل في فلج الغنتق بنزوى ، فخرجت المرأة من ساقية الفلج هاربة تصرخ ،وتستنجد طالبة العون، والمساعدة ضد الملك ، وكان ذلك الرجل الفاضل الذي يدعى محمد بن اسماعيل الإسماعيلي من أهل نزوى قريبا من الفلج، فسمع صراخ المرأة ، فهبّ لنجدتها ليجد أمامه الملك سليمان ، فاستل سيفه ليبارزه فهزمه شرّ هزيمة، ويقال بأنه تركه جريحا ، ينزف حتى مات بعد عدة أيام، وبعضهم قال بأنه قد صرعه لحظتها ، وبكل الأحوال فإن شجاعة ونخوة محمد بن إسماعيل قد أسقطت الملك، وأنهت حكمه في حادثة الغنتق وأثارت الناس على الوحدة بعد شتات الإمامة، وتفرق العلماء الذين اجتمعوا بعد هذه الحادثة بنزوى على أن ينصبوا محمد بن إسماعيل إماما على عمان بعد زمن وصفه البعض بزمن الخيبة، والفتنة، فقام هذا الإمام بعمان قيام الأئمة الكرام واستراحت الرعية طيلة أعوامه ، وما لبثت عمان بعهد الإمام محمد بن اسماعيل أن تثبت على قدميها حتى غزاها بعهده البرتغاليون بحملة شرسة مقززة مجرمة ارتكبوا من خلالها المجازر بأهل عمان نتيجة تلك المقاومة الباسلة التي أبداها أهلنا في قلهات، وصور، ومسقط ،وصحار، وفي هذه الأثناء وافى الأجل المحتوم الإمام محمد بن إسماعيل سنة 1535م بعد 36 عاما من حكمه، لتدخل عمان في مرحلة ضعف ، وصراع نتج عنه انقسام العلماء، وأهل الحل، والعقد الذين اختلفوا، وبايعوا ثلاثة أئمة بنفس الوقت في نزوى، ومنح ، وبهلاء ، فتصل عمان إلى أسوأ مراحل الفتنة، وتعود على أثرها دولة النباهنة سنة 1556م التي أحيت حكمها في نزوى بيد الملك سلطان بن محسن بن سليمان، فيدبّ الضعف بأركان عمان قاطبة حتى بزغ نور دولة اليعاربة بقيادة الإمام ناصر بن مرشد ليبدأ عصر جديد من عصور الوحدة، والمقاومة، والمجد التليد .

 

 

المراجع :

– صناع التاريخ العماني ، حكايات الفرسان الرهبان في صناعة تاريخ أهل عمان ، سالم البوسعيدي، الطبعة الأولى 2013م ، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع ، سلطنة عمان

– عمان عبر التاريخ الجزء 3-4 ، سالم بن حمود السيابي ، الطبعة الخامسة 2014م ،وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان

 

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. مع الاسف ان معظم المراجع والعلماء وصلوا عهد دولة النباهنه بالضعف والترف والمجون ، بينما كان عهد النباهنه احد اهم عصور ازدهار الثقافه والعلماء والعلم والعمارة والعدل ، مع الاسف تم قمع السرد التاريخي الحقيقي لدولة حكمت عمان 6 قرون ، وعسى ان يخرج من لدن عمان باحثين منصفين ينصفون عهد النباهنه .

  2. نعم اتفق مع عزيزة راشد فيما اشارت اليه فكيف يشهد ابن بطوطه بتواضع الحاكم وكرمه ويصف عمان واهلها بالخير وكل ذلك تحت حكم النباهنة لكن طمس الحقيقة من المؤسسة الدينية كان متعمد لانهم في تنافس مستمر معهم لكن شهادة ابن بطوطه جاءت من الخارج فلم تستطع المؤسسة الدينية طمسها بل نراها تحاول تشويه تلك الشهادة في مناسبات عده
    التاريخ يجب ان يكتب كما هو وليس تحويره لصالح فئه دون الاخرى

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock