من وادي ميزاب إلى باب الظفور في المحشر النخلي

كتب الشيخ حمود بن سالم السيابي مقالا ينعي فيه الفقيد الشيخ العلامة سعيد بن خلف الخروصي الذي وافته المنية يوم الأحد الموافق ١ يناير ٢٠١٧م، واصفًا مشهد الجنازة التي امتلأت بالمشيعين من شتى بقاع الأرض مودعين أحد الأئمة الذي كرّس حياته ووقته للدين.

وإذ تنشر “أثير” مقال الشيخ حمود فإن أسرتها تتقدم بالتعزية لأسرة الشيخ الفقيد وتدعو الله بأن يغفر له ويلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

“من وادي ميزاب إلى باب الظفور في المحشر النخلي
———————-
بقلم : حمود بن سالم السيابي
———————
لم تكن شاذون وحدها في المقبرة ، كانت عمان كلها في زعفران المكان .

وكان وادي ميزاب في المحشر النخلي يسكب مياهه وعمائمه وأقلامه وكتبه ليرفد الثوارة وفلجي “كبه” و “الصاروج”
وكان جبل نفوسة المثقل بالجناوني والباروني ويحيى معمر يطأطئ لذرى جبل الشيبة بينما جزيرة جربة تسرج موجات بحرها لتسير إلى البقيع النخلي وعلى أكتافها النعش.

وكان الزمن الغائر في ألف وأربعمائة عام بخلفائه وأئمته وقادته العظام في ذلك المحشر المودع لناسك بني خروص وقنديل شاذون.

لقد بدا مشهد التوديع مهيبا لنعش يمخر عباب سماءين من نجوم وعمائم وهو في دربه إلى بقيع المكان ، فتهادى النعش بين سماء فوقه تشع بمعاريج من نور ، وسماء تحته تسطع بأهداب العمائم.

وبينما المحشر النخلي يوصد آخر فتحة في الضريح ويهيل آخر ضمة من زعفران الأرض كانت الجنة تنجَّد وتشعل سرجها وتتزين لهذا القادم بنور قرآني وعبق أحمدي ، من أرض لو أتاها من أتاها ما سبته ولا ضربته.

ورغم عظمة مشهد التوديع ، ورغم الحشد الهائل الذي حضر ببدنه أو احتشد بمشاعره أو تضرع بأدعيته أو اصطف ليؤدي صلاة الغائب من ميزاب إلى باب الظفور مرورا بتجمعات العمانيين من مقيمين وطلاب في كل مكان ، رغم كل ذلك فإنه لا يكاد يذكر أمام عظمة مشاهد الاحتفاء في الجنان بزائر استثنائي يسرع إليها بأعماله.

وما إن قفل المشيعون رجوعا من البقيع النخلي إلا وانفتحت في الأذهان سيرة سيدي الشيخ سعيد بن خلف الخروصي الذي سيقرع حلق باب الجنة بيد صافح بها الإمام الخليلي وكوكبة من الصلحاء عبر تسعين عاما.

وقفزت إلى الوجدان بشارات رجل أنزلوه قبل قليل إلى قنطرة الآخرة وعطر المصحف لا يزال في يمناه ، وشفاهه وهي تتلقى حَنُوط الموتى لا تزال رطبة بالتلاوة.

ويتبعثر المشيعون في زحام الحياة لتلتئم في القلوب شهادات أناس عاش فيهم وعاشوا فيه ، فاستشرفوا إطلالته إلى الريان وهو يمد بصره إلى بساتينه التي غرسها بالذكر ، وإلى قصوره التي شيدها بصدقاته الجارية ، وإلى الظلال التي ستدنو ، والقطوف التي ستذلل جزاء المصابيح التي أبقاها مضيئة في الدنيا ليهتدي بها الناس ليوم القيامة.

سيدي يا أبا محمد ماذا أقول والغربة حالت دون أن أتعطر بنظرة إليك قبل أن تنظر أنت إلى ما عين رأت.

وكيف أنعيك وقبل ساعات من إغماضة جفنيك جاء من يبشرك بشوق الرسول إليك.

وماذا أكتب عنك وإليك ورحيلك يزلزل الأبجدية.

لقد شكلت الثوارة وجبل الشيبة وحصن الصلت بن مالك ثلاثية شاذون عبر الزمان وتختزل اليوم في قبرك”.

————-
هامبورج في ٢ يناير ٢٠١٧ م .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock