الفنّان الذي أوصى بدفنه في مسقط.. وكرّمه جلالة السلطان بوسام عُمان من الدرجة الثانية

 أثير – د.محمد بن حمد العريمي

كان للشاعر الشعبيّ الكبير المرحوم سعيد بن عبد الله ولد وزير لقاءٌ تلفزيونيٌ شهيرٌ (تم تداوله مؤخرًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي) في أحد البرامج المهتمة بالفن والموروث العماني على شاشة تلفزيون سلطنة عمان في ثمانينات القرن الماضي، وكان مقدّم البرنامج أحد المذيعين العرب من جمهورية مصر العربية.

ولأن شاعرنا كان يقدّم قصائده الشعبيّة في الرزحة والميدان وغيرها من فنون الشعر الشعبي بلهجته الصوريّة المحبّبة؛ فقد كان البعض في تعليقاتهم يتهكّم على مدى فهم مقدّم البرنامج للأبيات، وانتشرت هذه التعليقات على مواقع التواصل المختلفة، دون أن يدركوا أن من يعتقدون بعدم فهمه لما يقوله شاعرنا الشعبي الكبير قد غاص حتى القاع في بحر الفن العمانيّ الأصيل، وشرب حتى الثمالة من كأس فنونها المختلفة، بل وأصبح موسوعةً شاملة لكل ما يتعلق بمفردات هذا الفن وأشكاله ومعانيه المختلفة، وهو الذي قام بجمع شتاته ولملمة أجزائه المبعثرة هنا وهناك.

هو العالِم، والملحّن، والناقد، والمحلّل، والعازف، والمؤرخ الموسيقي، ومكتشف الأصوات، ووكيل وزارة الثقافة المصري الأسبق الذي ولد في الرابع من يونيو 1925 وعاش اثنين وستين عامًا كانت حافلة بالعطاء المتدفق في مختلف الأصعدة. إنه الدكتور يوسف شوقي مصطفى، الذي أردنا تسليط الضوء عليه عبر “أثير”.

إنجازات فنيّة عديدة

ليس غريبًا على الفتى الذي تقدم لمعهد الموسيقى كطالب فيتم اختياره كمدرس للعود، والذي قال الموسيقار الشهير محمد عبد الوهاب عنه: إنه أمهر عازف على العود، والذي أشاد به رياض السنباطي أحد سلاطين التلحين في القرن العشرين بأنه أمهر العازفين؛ أن يبدع وأن ينقش اسمه على خارطة الفن العربي. 

لقد حفر الدكتور يوسف شوقي اسمه بقوّة في ذاكرة الموسيقى العربية، حيث قدّم العديد من الإنجازات الفنيّة التي لا تزال خالدة في ذاكرة الفن العربي بأقسامه الموسيقيّة والسينمائية، من بينها وضع الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام منها:

(نفوس حائرة) و(عائلة زيزي) و(الجريمة الضاحكة)، و(حياة عازب)، و(بقايا عذراء)، كما تغنى بألحانه العديد من المطربين الكبار مثل عبد الحليم حافظ الذي قدّم له دويتو (البلبل والزهرة)، ودويتو (نداء إلى الله)، كما قدّم لحنين للمطرب بليغ حمدي في بداية الخمسينات عندما كان يمارس الطرب وقبل أن ينتقل إلى التلحين هما (يا فجر نورك)، (مظلوم يا طير)، و(في ظلال النخيل) لفايدة كامل، و(أشواق) لكارم محمود، وغنى له محرّم فؤاد اللحن الوطني (سقفه قويه)، و( تعيشى يا بلادنا) لنجاح سلام، كما غنّت له المطربة الكبيرة فايزة أحمد أغنية (عشر مرات)، وغيرهم العديد من المطربين، إضافة إلى تلحينه العشرات من الأوبريتات والبرامج الفنيّة المتنوّعة. 

اهتمامات متعددة

تنوعت مواهب الدكتور يوسف شوقي؛ فبالإضافة إلى كونه موسيقارًا معروفًا؛ فقد كان عالم جيولوجيا وحفريات، وله اكتشافات مهمة في هذا المجال، وكان أستاذًا بكلية العلوم، بالإضافة إلى كونه أكاديميا وباحثا في مجال الموسيقى العربية، وله العديد من المؤلفات في هذا المجال من بينها “رسالة الكندي في خبر صناعة التأليف”، “قياس السلم الموسيقي العربي”، “النظرية السلمية للموسيقى العربية”، كما قام بتحقيق كتاب “الموسيقى الكبير” للفارابي، وكان له برنامج إذاعي شهير في سبعينيات القرن الماضي في إذاعة صوت العرب بعنوان “مالا يطلبه المستمعون” كان ينتقي فيه النوادر من الأغاني ويتناولها بالتحليل.

الدكتور يوسف شوقي في عُمان

يُعدّ الدكتور مؤسس البحث الموسيقي العلمي في عُمان، وواضع أسس إنشاء مركز عمان للموسيقى التقليدية الذي تأسس عام 1984، وعند قدومه في عام 1983 قام بمشروع ميداني ضخم تضمن جمع وتوثيق كل ما يتعلق بالموسيقى العمانية التقليدية، من خلال زيارته لمحافظات وولايات السلطنة المختلفة، واطلاعه على نماذج من الفنون المختلفة، ولقائه بالعديد من المشتغلين فيها، وذلك خلال الفترة من 1983 إلى عام 1985.

وفي أغسطس من عام 1985 قدّم الدكتور يوسف شوقي تقريرًا إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم يتضمن نتائج المشروع، حصر فيه بجانب الأنماط الغنائية ومناسباتها، والآلات الموسيقية أكثر من ألف ممارس للموسيقى التقليدية كان من بينهم عدد من أعلامها، وبحسب الباحث مسلم الكثيري فقد كان هذا التقرير “أول وثيقة مكتوبة عن الموسيقى التقليدية العُمانية”.

وأسهم الدكتور شوقي في تنظيم الندوة الدولية لموسيقى عُمان التقليدية التي نظمها المركز عام 1985، وشارك فيها عدد من أبرز علماء الموسيقى من مختلف دول العالم، كما ترك قبل وفاته في عام 1987 مسودة كتاب “معجم موسيقى عُمان التقليدية”، الذي قام مركز عُمان للموسيقى التقليدية بطباعته عام 1989، ولا يزال هذا الكتاب يمثل حتى اليوم المرجع والمصدر الأساسي للمصطلحات المستعملة في الموسيقى التقليدية العُمانية، كما قدّمت الأوبرا السلطانية العمانية في نوفمبر 2015 المتتالية السيمفونية “عُمانية” التي كان الدكتور يوسف شوقي قد ألّفها.

وكان الدكتور – بحسب رواية أحد مرافقيه في ذلك الوقت – يبدي حماسا كبيرا في مشروعه التوثيقي، وكان حريصا على الاطلاع على كافة أنواع الفنون المغنّاة، والالتقاء بأصحابها، بل ومشاركتهم في أداء بعضها، برغم أن الكلمات والحركات المستخدمة في أداء بعض هذه الفنون كانت من الصعوبة بمكان معرفتها أو التمكن من أدائها بحكم أصولها ومنشأها غير العربي!

تكريم مستحق

نظرًا للخدمات الجليلة التي قدّمها الدكتور يوسف شوقي للموسيقى العمانية، وللجهود الكبيرة التي بذلها في مجال جمع وتوثيق هذه الموسيقى؛ فقد تفضل صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد وأمر بمنحه وسام عمان من الدرجة الثانية وذلك في عام 1985.

وفاته

توفي الدكتور يوسف شوقي في العشرين من نوفمبر من عام 1987، وبحسب رواية مرافقه صالح بن ثويني العلوي الذي كان يعمل ضمن فريقه البحثي وقتها، فقد توفي الدكتور في فندق الخليج ( كراون بلازا) مسقط، وكان يستعد للذهاب إلى نزوى في مهمة عمل ميدانية، وكان الدكتور قد أوصى بدفنه في مسقط حبا وتقديرا للبلد التي أحبته وقدّرته، وقد تم دفنه في مقبرة العامرات التابعة لمحافظة مسقط.

******************************

المراجع:

1- الكثيري، مسلم بن أحمد. مدخل إلى التأريخ للموسيقى العُمانية، جريدة الوطن 11/1/2015

2- الكثيري، مسلم بن أحمد. مركز عمان للموسيقى التقليدية، مجلة نزوى، مارس 2015  

3- ندى، وجيه. يوسف شوقي والبراعة الموسيقية، موقع شباب مصر، 24/11/2014

4- محادثة هاتفية مع الفنان الشعبي والمهتم بالموروث العُماني صالح بن ثويني العلوي.

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. اتذكر زبارته لولاية صور أثناء جمعه للفن الشعبي العماني وجولاته برفقة فريق من التلفزيون كان موسوعه فنية محلل وموثقا للفن العماني في جميع مدن السلطنة.

  2. هذا الرجل رحمه الله استطاع ان يفعل المستحيل في زمن قياسي . جمع اغلب انواع الفنون التقليدية العمانية والموسيقى في جميع ارجاء عمان . رحمه الله وجزاه الله خير الجزاء

  3. أولا تحياتي لك على مقالك الجميل الماتع، ورحم الله الدكتور يوسف شوقي، وبالنسبة لحديثك عن فهم الرجل للكنة العمانية الصورية، فهذا أمر ليس غريب، مصر دولة تتعد فيها اللكنات القريبة من لسان أهل الجزيرة العربية من شمالها حتى جنوبها، وتنتشر في الصعيد المصري لكنات تتشابه حد التطابق مع لكنات خليجية متنوعة، وأكثرهما قربا اللكنتين العمانية على تنوعها والكويتية، وبالطبع اللكنات اليمنية حاضرة باعتبارها أم العربية ولكناتها على اختلافها، كما ينتشر في الصعيد قبائل شبه الجزيرة بأكملها، ما من قبيلة عمانية الا وكان لها تواجد في صعيد مصر، لاسباب عديدة، وهناك أماكن تنسب الى فبائل منتشرة من السلطنة وحتى اليمن نهاية بدولة الإمارات، مثل المطاعني والرحبي والرزاحي والسالمي والغابشي حتى البلوشي والمطيري …إلخ، فمعرفة بعض أهل مصر بفنون ولكنات العرب وأهل عمان ليس بغريب، يندهش منه البعض ومنهم مصريون ولكنه موجود وحاضر…

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock