د.رجب العويسي يكتب: إجازة الطلبة…هل هي فرصة لإعادة تكوينهم الذاتي؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

يقضي طلبة المدارس الحكومية وبعض المدارس الخاصة هذه الفترة إجازتهم الدراسية نصف السنوية بين فصلين دراسيين يحملان الكثير من الأمنيات المتجددة والأحلام الواسعة والطموحات لبلوغ الأهداف، وتتجه الأنظار لأن تكون هذه الاجازة فرصة لبناء ذات الطلبة نفسيا وفكريا وعاطفيا واجتماعيا وإعادة تكوينهم الذاتي، خاصة أنها تتميز بوجودها في أفضل فترات العام من حيث اعتدال الطقس والأجواء الربيعية الجميلة، بالإضافة إلى ما تتميز به من وجود العديد من المناشط والفعاليات السياحية والترفيهية والثقافية في العديد من المحافظات ومحافظة مسقط على وجه الخصوص ، وهي بذلك استراحة طالب مساندة ترفع من سقف دافع الذات الإيجابية لديه، وزيادة فرصة الترويح بعد جهد ونشاط في فصل دراسي استمر لخمسة أشهر تقريبا.

إن مساحات الترويح التي يعيشها الطلبة اليوم جزء من التعلم الذي يمنح المتعلم فرصة أكبر لمراجعة الذات وإعادة صياغة الممارسات، وخلق أجواء حميمية اجتماعية وعاطفية في أحضان الأسرة ، بعد فترة كان سعي الجميع فيها منصب نحو تعلم الطالب وأهمية أداء الواجبات المدرسية ، وما يصاحبها من ردات فعل ومنغصات وصراخ وشد وجذب وبعض الضجيج الطفولي من كثرة الحرص الأبوي والحاح المستمر على بقاء الطفل في البيت، على أنها في الوقت نفسه استراحة والدية للعيش في أجواء أخرى مع أبنائهم، تعلوها الضحكات والرحلات الداخلية الترفيهية والتجمعات العائلية وزيارة الأهل والأجداد في الولايات، خاصة مع ما يصاحبها من حرص بعض الآباء والأمهات الموظفين في الحصول على إجازة اعتيادية، فرصة لهم للجلوس مع الأبناء والتنزه معهم والتعرف على الأماكن السياحية وقضاء وقت جميل بصحة الأهل والاسرة والابناء.

على أن القيمة المضافة لأجازه الطلبة في هذه الفترة ترجع أيضا إلى أهميتها للوقوف على المنجز المتحقق من الطالب ومستوى أدائه في نتائج الفصل الدراسي الأول، ومدى تناسب حجم الجهد المبذول مع النتائج المتحققة منها على صعيد المستوى التحصيلي، وبالتالي ما تتطلبه من وضع اطار عمل وصيغة جديدة في طريقة التعامل مع الفصل الدراسي القادم، والأولويات التي ينبغي ان يتجه اليها تعلم الطالب ومكامن القوة واولويات الدعم التي يحتاجها، والاخفاقات وآلية التعامل معها، إنها فرصة لرسم سيناريوهات عمل جديدة يستدرك فيها الجميع مسؤولياته، ويقف عند طبيعة الدور المأمول منه، بحيث يعيد الطالب فيها آليات التعامل مع المناهج، وطريقة الاستذكار اليومي للدروس، وتبني طرائق للاستذكار الذاتي والتوجيه عن بعد، والتخلص من عقدة المدرس الخصوصي وغيرها، في أجواء يستشعر فيها الجميع قيمة العمل معا، وأهمية الاخذ بيد الأبناء لما فيه صلاحهم ومستقبلهم، ويستشعر الأبناء حجم المسؤولية التي يجب عليهم العمل عليها وتحمل تبعاتها في سبيل رد جميل الاهتمام الأبوي والحرص الأسري في حصوله على نتائج تحصيلية تُشعر الوالدين بالفخر وتُبقي في النفس ادامة السرور والفرح.

إن القناعة بأهمية هذه الإجازة كفسحة للطالب، لا يعني أن تخلو من كل مسارات التحصين للسلوك او التعديل للواقع او التغيير للممارسة، بل أن تشكل جوهر هذا العمل ومحطة لإعادة برمجة الذات مع المستقبل في أجواء أكثر لطفا واستيعابا وتقبلا وهدوءً من كلا الطرفين ( الأبناء والوالدين) وهو أمر لا يمكن أن يترك فيه أمر الاختيار لولي الأمر فقط، بل إن على المدارس وفي ظل المؤشرات التي تحملها عن تعلم الطالب وخصائصه الذهنية والفكرية والنفسية، والرصيد الذي تعرفه عن شخصيته من حيث استعداداته وقدراته واهتماماته وذكاءاته والأنشطة التي يتفوق فيها، والأخرى التي ما زال بحاجة الى رعاية فيها، أن تضع سيناريوهات عمل قادمة تصنعها مع الأسرة، ليستفيد الطالب من هذه الفترة في الحصول على جرعات تكوينية مناسبة ، تعزز لديه دافع الإنجاز وشغف الطموح، وحب التجديد وسرعة التواصل، وتؤسس فيه قيمة الحياة في ظلال العلم، وقيمة العلم والمعرفة الرصينة في صناعة الشخصية المنتجة القادرة على التعامل مع الواقع والتعايش مع متطلباته، وتمتلك إرادة المستقبل للوصول إلى أبعد الأهداف.

وعليه تؤسس هذه النظرة التفاؤلية لإجازة الطلبة لدور متجدد للمدرسة، بحيث تشارك الأسرة في توجيه مسارات العمل القادمة، بما يضمن توظيف الابعاد الترويحية في بناء تعلم نشط وإنتاج متعلم يمتلك خصائص التميز، فعملية الترويح والتجديد وحفز الطالب على تغيير الروتين وإعادة توجيه الممارسة، يمكن ان تصنعه المدرسة كما تصنعه الأسرة، لذلك كان حري بالمدارس أن تفكر خارج الصندوق، وتعمل على إيجاد بيئات ترويحية وفرص أكبر لاحتواء الطلبة، فالمدرسة ليس مكانا للكتاب والدرس والدفتر والتعليمات والنصائح فقط، بل هي مساحات للعيش الفاعل مع الحياة ومتطلباتها، إنها فسحة أمل تصنع في الفرد الكثير من التغيير، في ظل ما يمكن ان تستقطبه من أفكار، وتؤسسه من مسارات تساعد الطالب على كسر عادة الروتين وتغيير عقم الممارسة، وكان الطموح أن يكون للمدرسة أيضا حضورا مهما في هذه الفترة عبر ما يمكن أن تقدمه من مناشط وفعاليات وبرامج للابتكار والتطوير الذهني والتواصل العائلي وأسواق استهلاكية، وفرص لاطلاع الطالب على الكثير من المفردات التراثية والثقافية والشعبية والبيئية، فيتجاوب معها ويشعر بانتمائه لمجتمعه، ويستشعر قيمه هذه المفردات في حياته.

لذلك نعتقد بأن على المدرسة اليوم أن تمارس أدوارا ريادية في المجتمع، وأن تخرج من عزلتها التي وضعتها في ذيل القائمة من الاهتمام، وأن تخرج للمجتمع بثوب جديد ولبس متجدد، فإن ما تضمه هذه البيئات من فئات مختلفة الاعمار والاستعدادات والقدرات، لحري أن تنتج الكثير من الموجهات التي تفوق التوقعات، وكان لزاما على المدرسة اليوم أن تعمل في إطار فلسفة التأثير والاحتواء، على بناء مسارات تعلم قادرة على صناعة التجديد في السلوك التعليمي، ونقله من حيز الروتين الى افاق أوسع ومساحات تسع الجميع وتحتضن الكل، فإن عملية التكوين الذاتي للمتعلم ليست قالبا جامدا أو مساحة ضيقة من العمل، بل تعني فتح آفاق أوسع للطالب للعيش في عوالم متعددة، وبناء أنشطة متنوعة وترقية اكبر للفرص المتوفرة في عالمه، فيوظفها بطريقة تضمن لحياته التجديد، وتؤسس في نفسه شخصية جديدة وهو مقبل على الفصل الدراسي الثاني، فيحمل معه ذكريات هذه الاجازة وما فيها من لطائف، وما تحقق له فيها من فرص، لتضيف الى أرصدة نجاحاته الكثير من الأمنيات والأحلام التي يستنهضها في ذاته بالمزيد من الجد والعطاء.

 

*صورة المقال من الإنترنت

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock