د.عبدالله باحجاج يكتب: الفكر الاستراتيجي الجديد بين مسقط والرياض .. رهانات دائمة أم مؤقتة ؟

أثير- د.عبدالله باحجاج

نتابع باهتمام ” كمراقب ” الفكر الاستراتيجي الجديد الذي أصبح يؤطر مستقبل العلاقات العمانية السعودية من منظورين ” ثنائي وإقليمي ” متجاوزا – أي الفكر – كل مفاهيم ومحاذير الفكر الاستراتيجي القديم الذي تأسست عليه العلاقات بين البلدين طوال العقود الماضية ، فالفارق بين الفكرين كبير جدا ، ويشكلان تحولا في الشكل الجوهر إذا ما تبلور الفكر الجديد في شكله النهائي من خلال مشاريع اقتصادية يتم تسريبها من العاصمة السعودية .

ومن أهم ما يميز هذا الفكر الجديد ، إقامة العلاقات الاقتصادية الجديدة بين البلدين على أساس  مبدأ ربط العلاقات الثنائية بمجموعة مصالح اقتصادية متبادلة وعميقة على خلفية تفاهمات أمنية جديدة ، تعتمد على بعضها البعض ، بحث إذا تأثرت مصالح أحدهما تتأثر بالتبعية مصالح الأخرى ، وهذا ما يسمى دوليا بقاعدة الاعتماد المتبادل .

وهي قاعدة يراهن عليها كثيرا في تحييد وتهميش السياسية وتأثيراتها على المصالح الاقتصادية ، وتجعل الدول تحسب كل الحسابات قبل أن تسمح للسياسة بتعطيل مصالح الدول الأخرى ، وهذا جوهر النقلة النوعية في ماهية العلاقات المستقبلية العمانية السعودية ، بعدما كان التوجس السياسي والأمني والمذهبي هو الطاغي عليها ،  ومعرقلها طوال العقود الماضية رغم حاجة  اقتصاد البلدين لبعضهما البعض.

وقد أنضجت الظروف السياسية الداخلية للسعودية الان هذا البعد البرغماتي ، في المقابل ، ربما تكون مسقط الان على قناعة بمصداقية هذا النضوج ، لكن يظل الهاجس الكبير في الديمومة  ، فإلى أي  مدى يمكن الرهان على البرغماتية السعودية في ظل مجموعة تحديات سياسية كبرى تواجهها الدولة السعودية الجديدة ؟

• الأنبوب السعودي قاطرة العلاقات الثنائية الجديدة .

ظهرت منذ ستة أشهر الأخيرة فوق سطح العلاقات العمانية السعودية ، مفاوضات عميقة يغلب عليها الطابع الأمني الحدودي ، حتى تفاجأنا بخبر وارد من الرياض عن مد أنبوب للنفط السعودي عبر الأراضي العمانية ، يكون مصبه نحو بحر العرب ، وهذا الخبر في حد ذاته مؤشر على نجاح المفاوضات السياسية والأمنية بين البلدين العلنية والسرية ، وهذه خطوة تؤسس لمرحلة التحول الاستراتيجي في الفكر المؤطر للعلاقات بين البلدين، فكلنا نعلم حلم الرياض القديم والمتجدد في أن تنقل نفطها عبر أراضينا نحو بحر العرب الآمن ، لكنه – أي الحلم – كان يصطدم برفض عماني .
لماذا ؟ وذلك يرجع لعدم فصل الرياض السياسة عن الاقتصاد ، والزج بالبعد المذهبي في تعاون خارجي ، وتجربتنا معهم في أوائل السبعينيات نموذجا على ذلك ، ربما تكون الان هذه المرحلة قد ولت ، لكن ، هل هذا يعني أن السعودية قد صرفت النظر عن مد الانبوب من أراضي المهرة اليمينة ؟ فمن المعروف أن هذا الانبوب يواجه احتجاجات يمنية متصاعدة ، وتهديدا بالقوة اذا لم يوقف مد الانبوب ، وبالتالي فهل الخيار العماني هنا جاء بديلا أم اصيلا ؟

الأهم ، ان حلم مد الانبوب السعودي نحو بحر العرب عبر أراضينا العمانية ، يتقاطع كذلك مع اهتمامات الدول الخليجية الأخرى ، للموقع الجيواستراتيجي لبلادنا ، البعيد عن مناطق التوترات والحروب في الخليج ، وكذلك حالة الأمن والاستقرار للدولة العمانية ، وسلطاتها القوية  القادرة على حماية وضمانة الانبوب ، وهذه عوامل ترجح التحول نحو مسقط ، وتجعل من الرياض تراهن على مستقبل الانبوب وأمنه داخل الأراضي العمانية .

وهناك بعد دولي آخر ، يقف دافعا لهذا التوجه ، وهو الشرق الأوسط الجديد الذي تتوجه اليه كل دول العالم الان ، ويقصد به القرن الافريقي ، فلن تجد الدول التي تدور حول المحور الأمريكي من موقع جيواستراتيجي أفضل من موقع بلادنا لدعم توجهاتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية في القرن الافريقي أو حتى في قارة اسيا ، والمثالية العمانية تبررها كذلك معطيات تفاضلية كامنة في البينة السياسية والاجتماعية للدولة العمانية التي يمكن أن تصنع الاستقرار الدائم لمثل هذه الاستثمارات .

• الانبوب السعودي يعزز من بنية الاقتصاد العماني.

من المعروف أن الدول صاحبة الأنابيب ، تدفع للدول المستقبلة للأنابيب رسوما ، قد يصل عوائدها المالية الى ربع القيمة السوقية المصدرة عبر هذه الانابيب ، وبالتالي هنا مصدر دخل جديد معتد به ، فهل يقف وراء متغيرات الفكر الاستراتيجي العماني في علاقاته الجديدة مع الرياض أم هو نتيجة تلقائية للحتمية السياسية العالمية ؟ مهما يكن فإن الاقتصاد العماني يظل مستفيدا في كلتا الحالتين . وكذلك مستفيدا بصورة أكبر اذا كان الانبوب خليجيا للدول الخمس ، فالمصلحة الاقتصادية العمانية ستتعاظم في وقت تبحث فيه مسقط عن مصادر دخل جديدة ، وهذا دخل جديد ، ومضمون وفوري ، فهل تتم ادارة المفاوضات مع الأشقاء من هذا المنظور المالي كذلك ؟ ومن المؤكد أيضا أن ذلك سيؤسس مفاهيم جديدة للتعاون الاقتصادي الخليجي الخليجي ، قائمة على قاعدة الاعتماد الاقتصادي المصيري المتبادل للدول ، مما قد نشهد معه علاجا فعالا لجنون الاستفراد بالمصالح، ووضع حد نهائي لاختراق المشاريع من أجل تعطيلها .

• الثنائية العمانية السعودية قاطرة للتعاون الخليجي .

البواعث التي تقف وراء إحداث متغير جوهري في الفكر الاستراتيجي بين مسقط والرياض ، هي ذاتها تلح بنفس الانفراجات  على مستوى الدول الست ، وليس على المستوى الثنائي بين دولتين فقط ، رغم ايماننا بأن هذه الثنائية بين مسقط والرياض قد تقود الجماعة الى آفاقها المستقبلية بحكم مركزية الدولتين إقليميا ، لكننا نعظم من شأنها هنا ، وفي كلتا الحالتين فإن نتاج المتغير لا ينبغي أن يشمل حصريا أنبوب النفط الخليجي نحو بحر العرب من الأراضي العمانية  فقط .

بل ينبغي أن يحدث نقلة كمية في مجموعة تحولات استراتيجية ، كربط جميع موانئ الدول الست سواء كانت جوية أو بحرية أو برية .. أي إحياء المشروع المعطل ، فوقته الآن مؤاتيا ، ومشجعا أكثر من أي وقت مضى ، ويشجع طموح  الصين في ربطها (60) دولة في العالم ، أن ننطلق هذا الطموح الخليجي بين ست دول  تتناغم وتنسجم في كل بنياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية

ليس من خيار آخر امام الدول الست سوى هذا التكامل الاقتصادي في مقوماتها وبنياتها الأساسية لخدمة اقتصادياتها في عالم يتجه نحو القرن الافريقي ، وفي مرحلة أصبح قطاع النفط يبتعد كثيرا عن ثقة الاطمئنان في تمويله للتنمية في الخليج ، فهل هذا الطموح فوق الواقع الراهن ؟

إذا نظرنا للمعطيات السياسية لهذا الواقع ، فهو تبدو كذلك ، لكنها قابلة للتحرك نحو الإيجابية في أي وقت ، والتاريخ في الخليج يعزز رؤيتنا الإيجابية ، فكيف اذا كانت مسقط والرياض تمسكان الآن زمام المبادرة في إحداث المتغير الاستراتيجي الجديد في علاقاتهما الثنائية ؟ وذلك على اعتبار انهما أكبر دولتين داخل المنظومة الخليجية ، وكذلك كون الرياض أكبر اقتصاد عربي وليس خليجيا فقط ، ومسقط صاحبة الموقع الجيواستراتيجي الأول إقليميا ، وتزداد أهميته العالمية بسبعة موانئ جاهزة للانطلاقة ، ويمكن على شواطئها الكبيرة إقامة موانئ مماثلة على بحارها المفتوحة .

وقد تعزز هذا الأمل في مستقبل زاهر للعلاقات العمانية السعودية عقب نجاح زيارة وزير الداخلية العماني مؤخرا  للعاصمة الرياض ، واستقباله من قبل العاهل السعودي ، وما صدر عقبها من انباء عن قرب فتح منفذ مباشر بين البلدين في وادي شعيت ، يختصر مسافة ” 800 ” كم ، وكذلك التوجه نحو إقامة منطقة حرة بين البلدين واليمن في المثلث الحدودي بينهم ، والكشف عن تفاهمات أمنية مكتوبة بين مسقط والرياض حول محافظة المهرة ، كونها تشكل عمقا استراتيجيا لهما .. وكونها قد أصبحت مصدر ازعاج للبلدين وسوء تفاهم منذ الحرب الداخلية ، وتقاطع ابعاد إقليمية وعالمية في شؤونها .

وتلكم كلها عوامل تفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة ومعها اليمن الشقيق ، ويبدو انها تستبق نهاية أحداث جسام تشعل علاقات دول الجوار ، لكننا نريدها قريبا لوقف الحرب على اليمن ، ففيها اليمني يموت يوميا إما بآليات العسكر أو بالأوبئة المنتشرة في كل محافظاته ، نريدها عودة  فورية للعلاقات الخليجية الخليجية حتى نضع حدا لأجندة تمزيق روابطه واستعداء مكوناته ، نريد الاستعجال بالتصالح الداخلي الداخلي ، لوضع حد ما يحدث داخل بعض عواصم خليجية من محاربة الرأي الآخر ، والزج بأصحابه  داخل السجون أو مطاردتهم في كل عواصم العالم ، فهذه كلها بيئات لا تصنع السيكولوجية الآمنة للتكامل الخليجي الخليجي مهما كان التحول في الفكر الاستراتيجي الثنائي أو الجماعي .

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. كلام عميق وتحليل سياسي اقتصادي رائع جدا ومثري للقاريء
    استفدت من المقالة كثيرا
    شكرا للدكتور عبدالله شكرا جزيلا
    نتمنى مقالات شبيهة دائما
    اتمنى ان ينطلق هذا المشروع في اقرب فرصة ممكنة..الحفاظ على العلاقات الاقتصادية السياسية تلقوية بين البلدين سيكون مطلبا فوق كل المطالب

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock