ندوة تضع بصمات على 3 شخصيات عُمانية متنوعة الاهتمامات

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

عُقدت بقاعة الفراهيدي التابعة لمركز عمان للمؤتمرات والمعارض ندوة “بصمات خالدة من الإرث العُماني” وذلك ضمن الفعاليات الثقافية المقامة على هامش معرض مسقط الدولي للكتاب 2019م، رعاها سعادة الشيخ حمد بن هلال المعمري وكيل وزارة التراث والثقافة للشؤون الثقافية نائب رئيس اللجنة الرئيسية للمعرض، وأدارتها الدكتورة بدرية بنت محمد النبهانية الباحثة المهتمة بقضايا التاريخ العماني.

وتم من خلال الندوة استعراض ثلاث أوراق علمية تناولت ثلاث شخصيات عمانية متنوعة الاهتمامات كان لها أثر كبير في الثقافة العمانية والعربية والإسلامية في مجالات الأدب والتاريخ والملاحة والفلك. “أثير” اقتربت من أوراق العمل فكانت هذه التغطية.

الخروصي الستالي بين الشاعرية والنشأة

 

تناولت الورقة الأولى التي قدمتها الدكتورة فاطمة بنت راشد العليانية صاحبة صالون فاطمة العلياني الأدبي، شخصيةً عمانيةً أدبيةً مهمة، بل يمكن اعتبارها شاهدًا على عصرٍ مهم من عصور التاريخ العماني ألا وهي فترة حكم أسرة النباهنة وما صاحب تلك الفترة من شح في المعلومات التاريخية المدونة المتعلقة بأوضاع وإنجازات تلك الدولة، ويعد شعر هذه الشخصية من بين مصادر المعلومات المهمة التي تناولت ذلك العصر كونه كان قريبا منهم، شاهدا على آثارهم.

ناقشت الورقة الجوانب الشعرية في شعر أحمد بن سعيد الخروصي الستالي من خلال التركيز على ديوانه المطبوع وأهميته باعتباره وثيقة سياسية واجتماعية وسجلا لتلك الحقبة التي عاشها النباهنة مع الرجوع الى الطبعات المتوفرة لديون السّتالي، كما ناقشت نماذج من شعر الستالي توضح قوة وجزالة مصطلحاته، وكذلك تكسبه من خلال هذا الشعر حيث عرف شعر الستالي بقوته، وهو أقرب للشعر للجاهلي، وهو يعد ظاهرة شعرية عمانية فريدة إذ استحدث مواضيع الخمريات في شعره، وتناولت كذلك الجانب الفني على مستوى التراكيب والصور الشعرية والموسيقى الداخلية والخارجية.

والستالي يعود نسبه إلى قبيلة بني خروص التي أنجبت الكثير من العلماء والشعراء والأئمة، ولد في قرية ستال من وادي بني خروص وإليها ينسب إذ يشتهر بالستالي، ومنهم من يرجعه إلى قرية ستال بالجبل الأخضر، وتشير أغلب المصادر التي كتبت عنه إلى أن تاريخ ولادته كان عام (584)هـ ووفاته عام (676)هـ، ويكتنف تاريخي الميلاد والوفاة هذين الكثير من التناقض والغموض، فالديوان المخطوط بوزارة التراث والثقافة يحوي بعض القصائد التي كتبت قبل التاريخ المحدد لولادته بأعوام كثيرة .

عاش الستالي في عهد النباهنة ويعرف بشاعرهم، وقد عاصر الملك أبو المعالي كهلان وأخاه عمر، وقد مدحهما الستالي ضمن من مدحهم من السلاطين، وتعلم الستالي في بلدته ثم تنقل في البلاد لطلب العلم، وقد برع في الشعر وأجاد حتى أصبح علمًا من أعلامه.

حظي المتبقي من شعر الستالي بطبعة مبكرة في المطبعة العمومية بدمشق عام (1964 م) بتحقيق عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي بدمشق، ثم أعادت وزارة التراث والثقافة طباعته عام (1983) والظاهر أنها نسخة مصورة من الطبعة الأولى مع إضافة مقدمة عن حياة الشاعر بقلم الشيخ سالم بن حمود السيابي،بعدها طبع عامي 1992، و2005.

والذي يحويه الديوان من قصائد أغلبها في مدح ملوك الأسرة النبهانية باستثناء عدد قليل من القصائد مدح فيها أشخاصًا غيرهم، أما أهم الأغراض التي تناولها الشاعر الستالي في شعره فهي المدح والغزل والحنين والرثاء، إلا أن المدح كان أغلب شعره، وكان الستالي شاعرا رقيق العاطفة، منتفض الأحاسيس، صادق اللهجة في شعره الغزلي الذي ربما كان صورة واقعية عن حياته اللاهية المترفة، وتوجد له عدد من القصائد قالها في الرثاء والتعزية، لكنها مرتبطة بالمدح.

العلامة سلمة بن مسلم العوتبي (كتاب الأنساب نموذجا)

تناولت هذه الورقة التي قدمها الدكتور بدر بن هلال العلوي رئيس قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس التعريف بالمؤرخ والنسابة والفقيه والمتحدث اللغوي أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي الصحاري الأزدي من حيث اسمه ونسبه، نشأته وتعليمه، شيوخه، تلاميذه، عصره، مؤلفاته، وفاته، كما ذكر مجموعة من مؤلفاته، وتناول كتاب الأنساب ببعض التفاصيل من حيث محتويات الكتاب ومنهجه في الكتابة ومصادره وقيمة الكتاب العلمي الذي يعد ثروة أدبية ولغوية على الرغم من كونه كتابًا في علم الأنساب وقبائل العرب إلا أنه يعد كتابا متخصصا في تاريخ اليمن وعرب الجنوب وتاريخ عُمان في عصر الجاهلية وفي العصور الإسلامية، ومصدرًا مهمًا لتاريخ عمان في الفترة الوسيطة في ظل قلة التدوين التاريخي عند العمانيين في هذه الفترة.

ونقلا عن دراسة الدكتور محمد بلاسي “العلامة العوتبي الصحاري وفصول من فقه اللغة”فالعلامة الفقيه اللغوي البارع النسّابة أبو المنذر سَلِمةُ بن مُسَلَّم بن إبراهيم الصحاري العوتبي؛ نسبة إلى عوتب بلد من أعمال (صحار) إلى جهة الشرق منها، من أشهر علماء زمانه في عمان ومن المؤلفين المجيدين المكثرين في التأليف، واختلفت الدراسات في تحديد عصره فمنهم من ينسبه إلى أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الهجري؛ اعتمادًا على الغاية التي حددها لنفسه في كتاب “الأنساب” من ذكر أسماء الملوك والخلفاء إلى سنة345هـ (ج1/ص114)، ومنهم من يجعله من أهل القرن الرابع وأوائل الخامس؛ استئناسًا برجوعه إلى مصادر تنتمي إلى تلك الفترة دون ما جاء بعدها، ومنهم من يعده من علماء القرن الخامس وأوائل السادس؛ لنقله عن ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) في كتاب «الأنساب» (ج2/ص234)، ونقله عن أبي حامد الغزالي (ت505 هـ) في موسوعته “الضياء” مع ما بينه وبينهم من البعد المكاني.

وتذكر بعض الروايات أن من أشياخه القاضي الفقيه الشيخ أبا علي الحسن بن سعيد بن قريش العقري النزوي المتوفى سنة ثلاث وخمسين وأربع مئة، أمّا تلامذة العلامة العوتبي فشأنهم شأن غيرهم؛ إذ لا تفيد المصادر باسم واحد منهم، سوى ما يمكن أن يستنتج من النص الآتي من بيان الشرع الذي يفيد تتلمـــذ أبي سليمان هَداد بن سعيد بن سليمان عليه؛ إذ ورد فيه: “ممّا سأل عنه القاضي أبو سليمان هُدَادِ بن سعيد أبا المنذر سلمة بن مسلم…”. وهذا ما أكّده المؤرخ البطاشي في ترجمته لهداد في إتحاف الأعيان.

 لقد أسهم سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري العماني في إثراء الخزانة التراثية العربية والإسلامية، بمؤلفات متعددة الأغراض والجوانب، فقد رأى بعضها النور، وبقي أكثرها مخطوطًا، وبعضها ما يزال في طي الكتمان أو تائها بين أيدي الباحثين والدارسين، وقد خلف العلامة العوتبي العديد من المؤلفات في جوانب معرفية متعددة في الفقه واللغة والتاريخ، ومن بين مؤلفاته التي وصلت أخبارها: كتاب “الإبانة في اللغة العربية” وهو مصنف ضخم يضم بين ثناياه ثروة لغوية ونحوية وصرفية وصوتية ثمينة، كما يحوي ألوانا من علوم الفقه والتفسير والحديث، وضعه العوتبي أساسا في أصول لغة العرب، وأقامه على مناقشة مسائل العربية وقضاياها، ورتب مادته على حروف المعجم ليسهل الرجوع إليها، كتاب “الضيــاء” وهو موسوعة فقهية جامعة لآراء الإباضية وغيرهم من المذاهب الإسلامية، وكتاب “الأنساب” جمع فيه أنساب العرب، واشتمل على عشائرها، وأشهر بطونها، وأورد أخبارًا عن كل قوم ذكر أنسابهم، ويعدّ بهذا الكتاب من العلماء الذين أسهموا في إثراء علم الأنساب

 وفي هذا الكتاب تناول أنساب العرب في شتى منازلها، وخص بالذكر النسب الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وركز حديثه في هذا الكتاب على قبائل عمان؛ لانتمائه إليها، كتاب في الحكم والأمثال ذكره العوتبي في كتاب الأنساب، كتاب “محكم الخطابة في الخطب والرسائل” وقد ذكره العوتبي في كتاب الأنساب، ولم يعثر عليه، وكتاب “ممتع البلاغة في الوفود والوافدات”، ولم يعثر على شيء منه، كتاب الإمامــة نسبه إليه نور الدين السالمي في اللمعة المرضية،  وسيرة منسوبة إليه وجهها إلى علي بن علي، وأخيه الحسين بن علي، وهما من مشايخ الإباضية في كِلْوَة بشرق إفريقية، بين لهم فيها المذهب الإباضي، وشرح لهم عقيدته، و”رسالة إلى ولديه” يحثهم فيها على التمسك بالدين ومعرفة أحكام الإسلام. ذكرها الشيخ أحمد بن سعود السيابي، كتاب “أنس الغرائب في النوادر والأخبار والفكاهات والأسماء” ولم يعثر عليه.

أسد البحار أحمد بن ماجد

هي ورقة عمل قدمها الدكتور إبراهيم بن يحيى البوسعيدي من قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس تناول من خلالها عددا من الموضوعات من بينها أسباب اهتمام العمانيين بالملاحة البحرية من حيث الموقع الجغرافي والحضاري، والاستعداد الفطري وحب المغامرة، كما أشار إلى براعة العمانيين وتميزهم وإنجازاتهم في مجال الملاحة حيث جابوا عالم المحيط الهندي شرقه وغربه واتصلوا وتواصلوا مع الشعوب والحضارات المختلفة وكونوا حلقة اتصال بين الشرق والغرب منذ أزمنة بعيدة، ونتيجة لذلك اشتهرت عمان بانها بلد البحارة والملاحين والربابنة.

ثم سلّط المحاضر الضوء على شخصية الملاح العماني أسد البحار أحمد بن ماجد الذي يعد واحدا من أشهر الملاحين والربابنة الذين أنجبتهم عمان وأسهم بدور كبير في ترسيخ وتطوير علم الملاحة البحرية ونقله من مجرد علم نظري الى علم عقلي تجريبي، حيث تناول مكانته العلمية مع التركيز على أبرز إنجازاته في مجال الملاحة البحرية، والاشارة إلى بعض مؤلفاته مع التركيز على أهمها وهو كتاب “الفوائد في أصول علم البحر والقواعد”، ثم تناول الباحث الجدل الذي ما زال قائماً حول إرشاد ابن ماجد للبرتغاليين الى الهند، وأوضح بعض المعلومات التي تبرئ أحمد بن ماجد من تهمة الالتقاء بالملاح البرتغالي.

 المراجع:

1-    بلاسي، محمد. العلامة العوتبي الصحاري وفصول من فقه اللغة، مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم، أغسطس 2017م، العدد 11، السنة 41.

2-    العياضي، سالم بن ناصر. أبو بكر الستالي شاعر بني نبهان،http://main.omandaily.om/node/21009

3-    أحمد بن سعيد الخروصي (الستالي). موقع تادرات الإلكترونيhttp://www.taddart.org/?p=5384

  • الصور من صفحة الدكتورة بدرية النبهانية في “تويتر”.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock