بالصور: الأسرة العُمانية التي اشتهرت بنقش محاريب المساجد

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

أنجبت الحضارة العمانية على مدى تاريخها الطويل العديد من الشخصيات التي برزت في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية المختلفة، والذين خلفوا للأجيال إرثا حضاريا ضخما تمثّل في العديد من الشواهد المادية وغيرها عبّرت عنها المنجزات العمرانية والفكرية والاقتصادية والعسكرية التي لا يزال كثير منها شاهدًا للعيان يحكي عن قصة حضارةٍ طاولت السحاب بمنجزاتها، ومن بينها المجال الفني المتمثل في المعمار والحرف المرتبطة بها ومنها مجال بناء المساجد وتزيينها وزخرفتها.

ويُعد الأديب والصحفي محمد بن سليمان الحضرمي أحد أكثر المهتمين بتوثيق الفنون المرتبطة بتصميم المساجد وعمارتها وزخرفتها سواءً من خلال كتابه الذي صدر مؤخرًا عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء تحت عنوان” وحي المحاريب” والذي يوثق فيه تأملاته الطويلة والممتدة لسنواتٍ عديدة في المساجد العمانية وزخارفها، أو من خلال سلسلة استطلاعاته الصحفية في جريدة عمان والتي تناولت زخارف وتصاميم عدد من المساجد قد يربو عددها على ثلاثين مسجدًا، ومن كتاباته نستمد مادتنا العلمية المرتبطة بعنوان التقرير.

وهناك العديد من الفنّانين الذين أظهروا براعةً كبيرة في مجال زخرفة محاريب المساجد ونقشها في عمان، حفظ لنا التاريخ بعضهم من خلال تدوين أسمائهم في محاريب تلك المساجد، أو تم ذكرهم في إشاراتٍ عابرة في بعض المصادر، وأهمل العديد منهم كما أهمل ذكر الكثير من الشخصيات التي برعت في مجال العمارة والفنون، فلا نعلم حتى الآن من الذي قام بتصميم وبناء وشق العديد من المعالم العمرانية العمانية على مر التاريخ من قلاع وحصون وأبراج وقصور ومدارس وأفلاج وغيرها.

 ومن بين (النقّاشين) البارزين الذين ظهروا وبالأخص في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي عبد الله بن قاسم الهميمي صانع محاريب مساجد العالي، والعين، والشراة بمنح، وجامع بهلاء، ومسجد الشرجة بنزوى، ومحمد بن أحمد بن سيف صانع محراب مسجد جناة الصخابرة بنزوى، وعيسى بن عبد الله بن يوسف الذي صنع محراب مسجد الشواذنة بنزوى، ومحراب جامع أدم، وعيسى بن عبد الله بن مسعود البهلوي صانع محراب أدم، وطالب بن علي بن كهل النخلي ناقش محراب جامع العلاية بالرستاق، وابنه علي بن طالب الذي نقش محراب مسجد البراشد بسناو.

الأسرة المشملية المنحيّة

وتعد الأسرة (المشملية المنحية) من أبرز الأسر العمانية التي برزت في مجال صناعة المحاريب ونقشها، وقد توارثت هذه الأسرة التي ظهر عميدها مشمل بن عمر بن محمد المنحي في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، ثم تلاه ابنه طالب بن مشمل، وأكمل المشوار حفيده علي بن طالب وأبناؤه، العمل في هذا المجال الفني، ويبلغ عدد المساجد التي قاموا ببناء ونقش محاريبها والتي وصلتنا معلومات عنها حوالي 9 مساجد ذُكرت أسماؤها ولا تزال بعضها تحفةً معمارية رائعةً حتى الآن، ولوحةً فنية تعبّر بصدق عن مدى إبداع الحرفي العُماني في مجال العمارة والفنون، برغم هدم بعضها وترميمه كمسجد الغريض بنخل الذي بقي محرابه شاهدًا على براعة صانعه، بل إن بعضها نقل إلى المتحف الوطني العماني صونًا وحفظًا له من الضياع.

وقد قام عميد الأسرة مشمل بن محمد المنحيبنقش محرابي مسجدي الغريض والمكبّر في نخل خلال عام (923هـ/ 1517م)، بينما قام طالب بن مشمل بن عمر المنحي الذي تعلّم فن النقش من والده مشمل، واشترك معه في نقش محاريب بعض المساجد، بنقش محاريب خمسة مساجد هي: محراب مساجد الصاروج، والمزارعة، والقصر بسمائل، ومحراب جامع نخل، ومحراب مسجد العوينة بوادي بني خالد، التحفة الزخرفية التي نُقلت إلى المتحف الوطني بمسقط عام 2015م، أماع لي بن طالب بن مشمل فقد نقش محرابين هما: محراب مسجد مقزّح بولاية إزكي، ومحراب مسجد البراشد بنيابة سناو.

 

حس فنّي رفيع

والمتأمل لمحاريب المساجد التي قامت الأسرة المشملية بصنعها يلمس الحس الفنّي الرفيع، ومدى التمكّن من مهارات الكتابة والرسم والزخرفة التي امتاز بها فنّانو هذه الأسرة من خلال التوظيف الفني للمفردات المختلفة على جوانب تلك المحاريب؛ ومن بينها التوظيف الفني البديع للآيات القرآنية التي تخاطب المسلم وهو يصلي في المحراب، فنجد على سبيل المثال تكرار الآية 39 من سورة آل عمرانفنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، وكذلك استخدام الطاسات الخزفية، والصحون الخزفية الزرقاء من الفخار الصيني المزجج، وكتابة جملة الشهادتينبأحرف كوفيّة، واستغلال الفراغات بين الحروف من خلال رسم أشكال هندسية زهرية.

ألم وأمل

على الرغم من الإبداع الفني الكبير الذي ارتبط بأعمال تلك الأسرة في المساجد التي قاموا بصنع محاريبها، إلا أنه وللأسف تم فقدان بعض هذا الجمال الفني، كما هو الحال في محراب جامع نخل الأثري الذي أبدع الابن طالب بن عمر في تحويله إلى لوحةٍ فنيةٍ لا تُقدر بثمن، لكنها ضاعت مع ما ضاع من مفردات التاريخ العماني العديدة الذي طال بعضه يد الإهمال، والتي يُخشى أن تطول بقية إبداعات الأسرة في المحاريب المتبقية ما لم يبادر المختصون والمهتمون بلملمة ما تبقى منها، والحفاظ عليها بنقلها إلى المتحف الوطني أسوةً بمحراب مسجد العوينة، أو في أي مكان يضمن بقاء هذه التحف الفنية بعيدًا عن مخالب الإهمال!  

**************************

المراجع

1-    الحضرمي، محمد بن سليمان. وحي المحاريب، الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، مسقط، 2019

2-    الحضرمي، محمد بن سليمان. “روائع المساجـد الأثريـة العـمانية – مسجد الصاروج في سمائل الفيحاء” جريدةعمان، 20 يونيو 2017.

  • الصور من شبكة المعلومات العالمية “الإنترنت”.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock