د.سالم بن سلمان الشكيلي يكتب: عقدة “البرّاني” وتجاهل ابن البلد

أثير- سالم بن سلمان الشكيلي

يؤلمني كثيرًا جدًا أن أكتب في موضوع كهذا ، ولكنّ المشاهدات والمواقف المتكررة السمجة وغير المسؤولة التي تصدر تترى من البعض ، تجعل عليّ من الصعب تحمّل آلامها ، ومشاهدة آثارها السلبية التي تكاد تُطبِق على خناق المحاولات الدؤوبة للإصلاح الشامل ، بل وتبدو أنها عقبة كؤود مصطنعة عمدًا في طريق تلك المحاولات المبذولة .

ولأنني غير نافذ في فعل شيء إزاء تلك المواقف السلبية لأوقفها ، وليس لي متنفّس يريح نفسي من جثامة وجسامة معاناتي من ذلك ، إلا أن أمسك بيراع الكتابة ، فيحلحل صراعي مع ذاتي ، وكي أدقّ أجراس التنبيه في آذان من يُخاطبهم هذا المقال وهم بعض الأفراد في مجتمعنا العماني ، والذي يستحقّ منا الكثير من الاهتمام ، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة من أجله ، فهو مجتمع عزيز وكريم وسخيّ في خُلقه ومبادئه وقيَمه التي جُبل عليها .

إن الاحترام والتقدير للغريب شيء مطلوب وواجب أخلاقي علينا ، وقد عُرفنا بترحابنا لمن يأتي إلى بلادنا ، وأقول مرة أخرى ، وحتى لا يُفسّر كلامي بمغزى آخر: إنّ هذا من أوجب الواجبات دينيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا ، وإن هذا من ضمن أعراف العماني وتقاليده .

لكن هذا الاحترام والتقدير، يجب عدم الإفراط فيه للدرجة التي يُصبح فيها سمجًا مبالغًا فيه حتى يُظن أنّ هذا الذي أتى أحد الرسل أو الأنبياء -أستغفر الله- وليس هناك أحدٌ على شاكلته ، فيطير هذا الذي أتى بنفسه حتى يُخيّل إليه أنه في كوكب آخر، فيزهو بنفسه وهذا حقه لأنه وجد ما لم يجده في بلده أو في مكان آخر، بل إن تلك المبالغة تجعلنا صغارًا في عينيّ ذلك المبالَغ في الاحتفاء به ، فيعتقد بسذاجتنا وغبائنا حيث لا مثيل له في مجاله من أبناء البلد ، وهذا هراء لا يمكن القبول به لا شكلا ولا مضمونا .

احترام وتقدير الآخر واجب ، وندعو إليه باعتباره سمة من سمات الشخصية العمانية ، لكنه مرفوض بالمطلق أن يكون على حساب العُماني ، وغير مقبول إذا كان من شأنه تجاهل العُماني ، فالاحترام والتقدير مسألة لا نجادل فيها لكن لا تكون محقة إذا كانت ستؤدي إلى التقليل من مكانة العماني وشخصيته.

الكلام السابق مأخوذ على وجه العموم، لا تنخدعوا بحلو الكلام الذي يُقال لمصلحة أنتم ونحن نعرفها ، وما إن تنتهي المصلحة حتى ينقشع النفاق وتزول الأقنعة ، لكني هنا ونتيجة مشاهداتي أقصد تحديدا الكتّاب والصحفيين والمحللين ، ممن يجيدون لغات عدة، الذين يتم استضافتهم وهو أمر جيد لتعدد المدارس والأفكار ، بشرط ألا يكون ذلك تهميشًا للكفاءات العمانية وهي بحق موجودة في كل الحقول والعلوم ، بل وبسبب جدارتهم تستضيفهم قنوات عالمية ، للحديث في عدد من الشؤون الإقليمية والدولية ، سواءً كانت سياسية أو اقتصادية وغيرها .

هناك مثلًا كتّاب ونقّاد ومحللون عُمانيون في وسائل إعلامنا الورقية كجريدة عمان والوطن والرؤية والشبيبة، وكذلك في الوسائل الإلكترونية كأثير ونبض عمان وغيرها من الوسائل الأخرى ، وهم بحق أفضل عشرات المرات من الأسماء التي تعرفونها ، فهل تُقدّرونهم بنصف المستوى الذي تلقاه الأسماء التي قصدتها، لا والله ، ولو قلتم غير ذلك ، إذًا إنكم لتقولون منكَرًا من القول وزورًا.

أذكر كاتبا ومحللا عربيا مشهورا، زار السلطنة مرات عِدّة وفتحت له إحدى المحطات الإذاعية ذراعيها ، وخصصت له مساحة واسعة للحديث عن آرائه وأفكاره ، في موازاة واضحة من التبجيل والهالة الإعلامية الصاخبة ربما لأنه كان قد قال جملة أو جملتين عن بلادنا ، وعندما حانت لحظة حقيقته بعد مدة ليست طويلة ، إذا به يشنّ هجومًا غير مسبوق على السلطنة ، في كذب وافتراءات ، تأنف أعمدة الكذب في العالم وترفض تصديقها ، لكن لأنه من الآكلين من جميع الموائد ، فعندما يجد مأدبة دسمة انتقل إليها ، وانتقد ما قبلها ، وعندما يجد مائدة أدسم ، قفز إليها معددًا مساوئ التي قبلها والتي كان قد شبع منها ، وهكذا .

لا أقول هذا بسبب موقفه الأخير ، فقد كنت أتابع قراءة كتاباته وهذيانه ، فوالله لم تُصادف أيًا من توقعاته واستنتاجاته الحقيقة أو الواقع ، ومن المصادفات الغربية أن نشر ذلك الكاتب المشهور المغرم به الكثيرون ، مقالًا في منتصف عام ٢٠١٨م ، يزعم فيه أن أيام الرئيس الأمريكي ترامب باتت معدودة ، وأنّ الكونجرس الأمريكي على وشك البدء في إجراءات عزله ، وفي هذه الأثناء كان لشخصي الضعيف وبناءً على قراءة واقعية للسياسة الأمريكية ، أن كتبتُ مقالا مخالفًا لما ذهب إليه صاحبنا ، ويزعم رأيي أنّ الشعب الأمريكي سينتخب ترامب لفترة ثانية .

لا أسوق ذلك لغوًا أو تخريصًا ، أو رجمًا بالغيب ، وإنما من باب تبيان الحقائق وأقولها؛ لم يُصادف رأيٌ من آرائه أرض الواقع ، وإذا كان لدى مَن كان له مبجلا ، وبشخصه محلّقا غير الذي ذكرته فليأتِنا ببرهان جديد ، وهذا ليس إلا مثال واحد لأولئك المهووسين بتبجيل الغريب ،وخصوصًا إن كانت بشرته إلى الحمرة تميل . وعند بعض الإخوة العرب يطلقون على نفس الداء ” عقدة الخواجة”.

ولا تؤخذ حالة صاحبنا هذا للتعميم لكنّ أمثاله كُثر ، مع بقاء أناس أجلاء لهم مكانتهم ومواقفهم الثابتة ، ولم يكن هدف المقال تمحيص هؤلاء وأولئك ، بل إنّ الهدف تسليط الضوء نحو إعطاء ابن البلد حقه من التقدير والاحترام ، إن لم يكن أكثر ممّا يلقاه الغريب ، فليس أقلّ ، وأوفوا الكيل إذا كِلْتم ، وزِنوا بالقسطاس المستقيم ، ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلا ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم .

إخوتنا وأحبتنا : صدقوني ، إنه لن يبقى لكم غير ابن بلدكم وجلدتكم ، فهو العضد وهو السند ، وهو صاحب المواقف الثابتة ، لا ينتظر ريالا أو دينارا ، يكفيه تقديرا واحتراما منكم بشكل لائق يحترم وطنيته وعلمه وخبرته ، يا من تهيمون بالغريب هيام قيس بليلى ، فبعض هؤلاء ليسوا إلا عابري سبيل ، يقتاتون من تقلّب مواقفهم وتلوّن أفكارهم ، ولا يخدعنّكم لحن الحديث ، فإنما هو زبد يذهبُ جفاءً ، ليس له فائدة تُذكر ، وأما ما يدوم نفعه فهو نبْت الوطن ، الذي ارتوى من مائه عذبًا ، ولا يميل شرقا ولا غربا.

أعلم أنّ مثل هذا الكلام ، لن يُعجب الكثيرين وسيجدون من المبررات ما يسوّقونها في محاولة لتسويق فكرتهم ، بعضها سينطلق من امتلاك أولئك للمعارف والخبرات المجنونة ، وبعضها سينطلق من سمات وعادات العماني في التعامل مع الضيف ، ونقول لهم لا ننكر الأولى ولا الثانية ، احتضنوا من شئتم ، بجّلوا من شئتم ، ارفعوا قَدْر من شئتم ، ولكن لا يكون ذلك على حساب العُماني وبخسه حقه وتجاهله ، وقبل أن تفعلوا ذلك ، ابحثوا عن ابن البلد الذي يُمكن أن يقوم بدور ذلك الوافد ، فذلك أوفر لكم وأجدر بأن تفعلوه من أجل الوطن ، وتخلّصوا من عقدة الوافد بأنه الخبير العظيم ، فإنّ عمان زاخرة بكفاءات وخبرات عظيمة أيضًا . صدّقوني .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock