د.سالم بن سلمان الشكيلي يكتب: إنه زمن المزايدات يا سادة

أثير- د.سالم بن سلمان الشكيلي

قبل كل شيء لا بد من البناء على عدة حقائق لا تقبل المجادلة حولها ، ولا تقبل التشكيك بها بأي صورة كانت ،
وهي :

أولها : إنني عماني الانتماء والولاء حتى النخاع .
ثانيها : إنني عروبيّ الهوى من نسل قحطان وعدنان
ثالثها : إنني إسلامي الدين والملّة ، ربي هو الله الواحد
الأحد الفرد الصمد ، ونبيي هو محمد بن عبدالله صلى
الله عليه وسلم .
رابعها : إنّ حرية الرأي والتعبير عنه بالقول أو الكتابة أو
الإشارة أو بأي وسيلة أخرى مكفولة للجميع، فلا
مصادرة لرأي أو فكر ، ما دام لا يُثير الفتنة أو النعرات
الطائفية، أو يدعو إلى الكراهية ، أو يُسيء إلى كرامة
الإنسان .
خامسها : لكي يُحكم حكمًا صحيحًا وسليما على هذا
المقال ، فمن الضروري قراءته كاملا وعدم تجزئته ، لا
كما على شاكلة “ويلٌ للمصلين” .

والمنطلق الأول في هذا المقال أنّ إسرائيل غاصبة ومحتلة للأرض العربية في فلسطين ، والجولان السورية ، ومزارع شبعا وكفر شوبا في الجنوب اللبناني ، ولا بد لهذه الأراضي جميعها أن تعود إلى السيادة العربية بحسب حدود ١٩٦٧م ، ولا نشك في عربي ذي نخوة سيفرط في شبر من هذه الأراضي السليبة سواءً اليوم أو غدا ، وفي هذا الإطار فالسياسة العمانية واضحة جليّة ، عبّرَت عنها آلاف المرات وأنها مع عودة الحقوق العربية المشروعة إلى أصحابها ، وكان الخطاب العماني السياسي واضحا لا لَبس فيه ولا مراء ، وهذا ما أكدته الدبلوماسية العمانية سواءً على لسان سيد عمان وولي أمرها، أو على لسان الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية ، أو من خلال القنوات الأخرى ، والفلسطينيون قبل غيرهم ، والعرب والمجتمع الدولي بأسره يعلم بهذه الثوابت والمواقف السياسية ، وليست هناك مواقف خفيّة مغايرة عمّا نقوله ، وليست هناك حوارات داخل الغرف المظلمة ، ولا مصافحات من تحت الطاولات ، ولهذه الأسباب وغيرها كسبت عمان ثقة العالم وهيئاته المختلفة ، وأصبحت منارًا للالتقاء النقي والصدق ، وهي مواقف لم ولن تحيد عنها قيد أنملة ، فلا داعي للمزايدات الزائفة حول الموقف العُماني وثباته وصدقه .

سلطنة عمان حكومة وشعبا ترفض رفضا قاطعا لأي تطبيع مع الكيان الصهيوني، قبل عودة الحقوق العربية المسلوبة إلى أصحابها الشرعيين ، وعندئذٍ فقط يُمكن الحديث في هذه المسألة ، وهذا الذي نقوله ليس نسجا من خيال ، بل هو ذات القول الذي أعلنته الخارجية العمانية في أعقاب زيارة رئيس الكيان الصهيوني إلى السلطنة مؤخرًا ، وما أثير حولها من تفسيرات وتأويلات عدة وصل بعضها إلى الذهاب عن نية السلطنة شراء التقنية الإسرائيلية، وكأنّ عمان بهذه السذاجة ، ولم يعد إلا إسرائيل حتى تشتري منها .

وهنا قد يُقال بأنّ الإعلام الإسرائيلي هو من أعلن هذه التفسيرات ، وسبحان الله العظيم أصبح هذا الإعلام الكاذب المخادع الذي امتهن التضليل وقلب الحقائق منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي ، والذي هدفه بثّ الفتنة بين الشعوب العربية ، أصبح عند البعض مصدرًا يُعتمد عليه .

دَيدَن سلطنة عمان في مواقفها وسياستها الخارجية هو الوضوح والشفافية التامة ، فما تعلنه هو ذاته ما تُضمره، لا تعرف لعبة الكراسي ، ولا اللعب من تحت الطاولات ، لم تعتد على الضبابية كما يفعل غيرها ، التآمر على القضايا العربية أو غير العربية في الغرف المظلمة أو وراء الكواليس ، سلوا الفلسطينيين أنفسهم ممن يحيطون بخبايا الأمور ، واسألوا السوريين، والليبيين ، واليمنيين ، واسألوا من شئتم ، ولن تجدوا غير إجابة واحدة تثني وتُعظّم المواقف العمانية الراسخة .

وفيما يتعلق بالوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، فهو عندما ينطق أو يُعلن عن موقف معين ، فهو لا يقول ذلك من وحي أفكاره ، بل يُعبّر عن السياسة الخارجية العمانية المصنوعة محليا وفق ثوابت الحق والمساواة، وإشاعة السلام الدولي ، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ، والالتزام بقواعد القانون الدولي العام المعترف بها ، ونبذ فكرة الحروب من منطلق أنها ليست نزهة سياحية ، وإنما هي دمار وهلاك للشعوب ، وتأخر في التنمية للدول . أنا هنا لا أدافع عن الرجل فليس بيني وبينه علاقة شخصية، وقد أختلف فيما يقوله أحيانًا كما حصل في محاضرته الأخيرة في النادي الثقافي، ودعوته للتعامل بلطف مع من يهدد أمن بلادنا واستقرارها ، وأن ذلك ممّا يحدث بين الأشقاء والجيران ، لكني احترمت ذلك الرأي باعتباره الرأي الرسمي للسلطنة فعندما كان يحاضر كان بصفته الرسمية ، مع قناعتي التامة أنه وهو يقول هذا الكلام -الذي لم يعجبني- أُدرك أنه يستحضر أمن عمان وسلامتها في كل لحظات تفكيره . وهنا أيضا أستحضر موقف الكثيرين ممن فتنوا بهذا الرجل المتواضع ورفعوه إلى عنان السماء، وكنت شخصيًا ضد هذا الاتجاه ليس تقليلا من شأن الرجل وقيمته السياسية والاجتماعية والأخلاقية، ولكني ضد تأليه الأشخاص ، فأين هؤلاء من الأمس حتى تغير بعضهم بزاوية حادة جدا من الشخص نفسه.

ومن يعرف عمان جيدا ، يعرف أنها لا تخضع لإملاءات من أحد ، أقول ذلك وأنا على يقين وثقة تامة ، عمان أيها السادة ليست بقرة حلوبًا ، وليس عليها زلات حتى تُمسك عليها وتهدد أو تُساوم عليها أو يتم ابتزازها بسببها ، لا من الأمريكان ولا من غيرهم ، ولو كان ما تزعمونه صحيحا لرضخت عمان في مواقف أصعب وأشد ، لرضخت في موقفها بشأن الحرب العراقية الإيرانية، ولرضخت لأمريكا في ظل شدة الأزمة الأمريكية الإيرانية، ولرضخت بشأن موقفها في سوريا ، ولرضخت في قضايا أخرى ، ما لكم كيف تحكمون !.

إنّ الأحكام لا تبنى جزافا، ولا تؤخذ فقط بالأقوال دون الأفعال ، فالأصل أنّ كليهما يمثل وجهين لعملة واحدة ، لها قيمة واحدة ويتم تداولها عيانا وجهارا ، كما هو حال السياسة العمانية ، وبناءَ على هذه السياسية ذات الطابع الحيادي الإيجابي ، والشفافية الواضحة في الأقوال والأفعال، فإن العالم بات ينظر إلى عمان بأنها منبع العدل والسلام والوئام ، وهي في جميع الأحوال يمكن أن تكون وسيطا شريفا ونزيها ومقبولا من الجميع ، في وقت تمّ نزع هذه الصفة من دول كبرى عندما انحازت لطرف دون آخر انحيازا جائرا ، ففقدَت صفة النزاهة والقبول .

معالي الوزير الموقر ، إنه زمن المزايدات والمشاحنات والتأويلات المجانبة للحقائق ، فهل لي أن أناشدكم بالتخفيف من صراحتكم المعهودة ، وهل لوزارة الخارجية الموقرة أن تزيل اللبس عندما يلحق الباطل بالحق ، ولكن أرجوكم ليس من خلال من يدير موقع الوزارة ، حتى لا يعميها وقد أراد كحلها .

وفي الختام أقول :
‏سلطنة عمان مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، وللشعبين السوري واللبناني وهي – عُمان – لن تفرط في هذه الحقوق ولو كان ذلك على دماء العُمانيين .

سلطنة عمان لن تطبّع علاقاتها مع الكيان الصهيوني قبل عودة الحقوق العربية المشروعة إلى أصحابها.

عمان دولة راشدة في سياساتها خبيرة بدهاليز السياسة العالمية ، وهي صناعة عمانية خالصة ، لا تخضع للإملاءات والمساومات من ومع أي طرف ، فقرّوا عينًا ما دام جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم قائد السفينة وربانها ، فقد أظهرت الحكمة والرؤية الثاقبة صواب هذه السياسة ونجاعتها .

لا تلقوا بالًا ببعض الكتاب المرتزقة من خارج السلطنة ، فليس لهم غير الأكل من الموائد وهم كل يوم على حال بحسب ما يأتيهم من فتات ، أما إخوتنا وأحبتنا في الداخل فهم شركاء في الوطن لهم مالنا وعليهم ما علينا ، ومواقفهم لم تصدر إلا حرصًا على السلطنة وحرصا على قضية العرب الأولى، ولكن عليهم استحضار جمل السياسة العمانية بشأن القضية العربية ، وربط هذه الجمل ببعضها ، وسيخلصون في النهاية إلى أنه :
لا تفريط في القضايا العربية …
لا تطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب …

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock