د.عبدالله باحجاج يكتب: فلسطين قضية أمة، ورباط قرابة قرن لن ينتهي بصفقة القرن

أثير- د.عبدالله باحجاج

فلسطين غير قابلة للتفاوض، وغير قابلة للتقسيم، لا شرقية ولا غربية ، وإنما فلسطين كلها عربية وإسلامية ، ولن يحق لنظام أو أنظمة أن يفرط بشبر منها، ولن تتمكن السياسة من الاقتراب من المنظومة السيكولوجية للمرابط على الثغور لو قيد أنملة ، ولا يصدق الصهاينة أن نظامًا ما في عالمنا الإسلامي والعربي بإمكانه ان يمنحهم أمنا أو طمأنينة ما داموا يحتلون فلسطين المقدسة بما فيها القدس التي لها حرمة الحرمين الشريفين .

ومن هذه الحرمة ، ربط الله جل في علاه فلسطين في قلوبنا بروابط عقدية ، وانتزاعها منا – أي فلسطين – سيكون بمثابة انتزاع جزء من ثوابت إيمان كل مسلم ، هذه حقيقة تؤكدها الكثير من الاستدلالات القاطعة المعروفة مسبقا ، وعلى أرضها – أي فلسطين – ستستمر المعركة بين الحق والباطل إلى قيام الساعة ، وقد وعدنا الله عز وجل بالنصر .

ومن بين كبرى هذه الاستدلالات التي يبني عليها المسلم ، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ” لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس ” فقيل من هم يا رسول الله ، قال هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس ” ويفسر مفسرون هذا بأن فلسطين كلها أرض مقدسة .

من هنا ننظر للفلسطينيين المرابطين من منظور الأخوة الإسلامية التي شجرتها وارفة الظلال ، يستظل بها كل مسلم أينما كان على هذه الخليقة ، لأنها عابرة الحدود ، ودائمة الخلود ، لن يحاول انتزاع ورقها الممتدة في كل أنحاء المعمورة إلا من يُنتزع من قبله الشهادتين ، لذلك ، فالأخوة ليست علاقة شخصية ، تتمدد أحيانا وتنكمش أحيانا، وإنما رابطة إيمانية متينة وثابتة ، قائمة على المصير الواحد ، والتضامن المشترك .

وهنا يستوجب التذكير باستدلال آخر ومهم جدا ، لعلنا نلجم جموح السياسة العربية والعالمية ، وتصوب نفسها من تلقاء نفسها إذا ما عرفت تأطيرات ذهنية المسلم تجاه أخيه المسلم أينما كان عامة ، وفي فلسطين المحتلة خاصة ، وقد اخترنا حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” … المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره ، التقوى ها هنا ، ويشير إلى صدره ثلاث مرات ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ” رواه مسلم .

حديث نبوي صحيح ، يضع حدًا لجدلية الخلاف حول الأخوة الإسلامية في كل زمان وكل مكان ، وفي المقابل يجعل من السياسة محكومة بأيديولوجية شعوبها وليس تجاوزها مهما كانت الضغوطات عليها ، والتسليم بها سواء في استراتيجيات علاقاتها الخارجية أو ممارستها السياسية .

والعمانيون جزء من هذه الأمة الإسلامية ، بل هم جزء أصيل فيها من حيث الفاعلية والتفاعلية التاريخية في تأسيسها كأمة وإعلاء شأنها كونيا ، وشعورهم بمكانة فلسطين في مكنونتهم ، كشعور أي مسلم مؤطر بمثل تلكم الأيديولوجيا ، فالقضية هنا قضية عقيدة ، وليست نزاعًا على أرض أو ثأرًا لدماء سُفكت من قبل محتل .

وقد جاءت كلمة سعادة خالد بن هلال المعولي رئيس مجلس الشورى في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي ، ناطقة باسم العمانيين من القضية الفلسطينية التي هي قضيتهم الأولى ، لأنه يمثل مؤسسة برلمانية يختار أعضاءها الشعبُ عن طريق صناديق الانتخابات بالاقتراع الحر والمباشر ، لذلك ، فكلمته تمثل الشعب ، وكل الشعب باركها ، ويرى من خلالها أنها عبرت عن ذاته ، وحيدت هذه الذاتية عن الموقف السياسي الذي أثار جدلا واسع النطاق داخليا ، ولا يزال يتفاعل تصعيدا بصورة غير مسبوقة تماما .

قالها المعولي صراحة كما كان يتمنى كل عُماني ، بعيدا عن الحسابات السياسية ودهاليزها ، وتعقيداتها وإكراهاتها ” إنه لا سلام نرجوه ، ولا أمل نحدوه ، وهناك شعب في هذا العالم يقبع تحت الاحتلال والظلم والعدوان ” ورفض في توقيت سياسي ساخن ، كل الممارسات الإسرائيلية المستمرة والتعديات الممنهجة على الأقصى الشريف وتهويده ، موضحًا أنه لا يمكن قبولها ولا السكوت عنها .

وعلى عكس المقاربة السياسية التي عبر عنها معالي وزير الدولة للشؤون الخارجية في منتدى دافوس بالأردن ، خاطب المعولي شعوب العالم الحرة عبر ممثليها في البرلمانات قائلا ” إذا أردنا السلام أن يعم أنحاء المعمورة من الواجب عليكم دعم القضية الفلسطينية في إقامة دولته المقدسة وعاصمتها القدس ، وأن ينال الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة على أرضه ، وأن يعيش حياة آمنة .. إلخ. وهذا هو موقف العمانيين الثابت والدائم بعيدا عن شطحات وتقلبات السياسة التي نختلف معها هنا في كيفية إدارة إكراهات السياسة وضغوطاتها القهرية ، وقد وجه المعولي كلامه مباشرة للبرلمانيين في العالم قائلا ” أنتم جميعا أيها المحبون للسلام والداعون للأمن والأمان ، أمامكم مسؤولية عظيمة ، وهي دعم القضية الفلسطينية ومساعدة الشعب الفلسطيني ..بكل الوسائل الممكنة ”
من هنا نرى أن الشعب العماني قد قال كلمته لنظرائه من شعوب العالم بكل هوياتها وانتماءاتها الأيديولوجية تجاه قضية يشعر بأنها قضيته الأولى ، وأن الواجب الديني والأخوي ، يحتم عليه نصرتها مهما ابتعدت عنه المواقف السياسية ، ومهما غردت عنه بعيدا ، فمن ينبغي أن يعتد به هنا ، موقف الأنظمة أم شعوبها ؟

في حالة اختلاف المواقف يستوجب من الأنظمة الانصياع لشعوبها ، بل إن الإرادة الدولية عليها أن تأخذ بعين الاعتبار مواقف الشعوب لا الأنظمة لأنها – أي الشعب – المعنية بصورة مباشرة بتحقيق السلام أو المتضررة مباشرة من الحروب ، وإذا ما أرادت الإرادة العالمية ديمومة الأمن والسلام والاستقرار ، فهذه الديمومة لن تتحقق عبر الإملاءات السياسية ، وإنما عبر تحقيق مطالب الشعوب العادلة والمشروعة .

الكرة في ملعب العقلاء ، إن كان للعقل مكانٌ في صفقة القرن ؟ وكيف يكون هناك عقلٌ ، والقدس والجولان تصهينت بصك أمريكي ، ونتانياهو يتوعد بتصيهن الضفة الغربية في حالة فوزه في الانتخابات البرلمانية .. ومراكز بحوث يهودية تفتح الآن ملفات ممتلكات اليهود في الخليج والدول العربية الأخرى ، وترسم خارطة التشكيلات القبلية في الجزيرة العربية قبل الإسلام وفي صدر الإسلام ، فهل الدور سيأتي على هذه المناطق بعد الضفة الغربية؟ وهل تشعر أية دولة خليجية أنها ستكون بمنأى عن المطالبات اليهودية التاريخية ؟

لذلك نقولها صراحة ، على بلادنا أن تحافظ على قوتها الداخلية وتماسكها ، فهي صمام أمان لها لمواجهة المخططات المقبلة ، عليها أن تظل جبهتها الداخلية قوية ومتناغمة ومنسجمة معها ، لا مختلفة ومتشتتة ، عليها أن توظف موقف شعبها المتعارض معها ” مرحليا ” لصالح تخفيف الضغط الأمريكي والصهيوني عليها ، ومجابهة الأطماع الإقليمية ، فلدى المجتمع من الوعي ما يجعله يقف على خلفيات هذه الضغوطات وماهيات الأطماع الإقليمية وأحجامها ، وبموقفه من القضية الفلسطينية يقدم الشعب العماني لسلطته السياسية العليا قوة حصانة لسياستها الخارجية .. فهل سيتم توظيفه إيجابا ؟

قوة الشعب العماني تفتقرها أية دولة خليجية الآن ، وبالتالي نجد تحولات سلوكها السياسي نحو الكيان المغتصب يحدث بنسبة “100% ” مما يعني فقدان استقلالية القرار تحت الضغوطات الخارجية القوية ، ترتب عليه حتى الآن ، فتح بلدانها لإحياء اليهودية منها وللخليج ، بل ولكل ديانة غير سماوية ، فهل لنا أن تصور انعكاسات مثل هذه التحولات على مستقبل هذه البلدان خاصة والمنطقة عامة في ضوء الحديث عن الممتلكات اليهودية في المنطقة خصوصًا في ظل الاختلال البنيوي للتركيبة السكانية لدول مجلس التعاون الخليجي ؟ دعوة لجلسات عصف ذهني عميقة لما نطرحه هنا من مرئيات لإدارة مرحلتنا الوطنية بكل إكراهاتها الإقليمية والدولية .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock