د.رجب العويسي يكتب: هل سيعمل التعليم على تحسين صورته الذهنية في ذاكرة الأجيال؟

د. رجب بن علي العويسي-خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية وجود صورة ذهنية مشوهة للتعليم في ذاكرة الأجيال، كنتاج للعديد من المعطيات والمسوغات، خاصة ما يتعلق منها بالباحثين عن عمل من مخرجات التعليم العالي والجامعي ومخرجات الدبلوم العام، وحالة التذبذب الفكري وسلوك الاحباطات والياس والثقافة السلبية الذي تعيشه بعض المخرجات التعليمية،والارتماء في أحضان منصات التواصل الاجتماعيباعتبارها الأقدر على إعادة الأمل إليه، وتعزيز قيم  الانتماء والولاء  لديهم، فيجد فيها الشباب فرص الاحتواء لهم، وانعكاسات ذلك على أساليبهم في الحياة ونظرتهم لها، وقناعاتهم بالتطوير، وما أنتجه ذلك فيهم من ثقافة القلق والخوف على المستقبل وهشاشة بعض الأفكار والمفاهيم في قدرة  الاخلاق  والقيم على الوفاء باستحقاقاتهم في الحياة وتوفير حق العيش والوظيفية والحياة لهم، في مقابل عدم سلوكهم لاتجاهات فكرية مضادة أو تلقيهم لمفاهيم  تتجافى مع قيم مجتمعهم وأخلاقه ومبادئه، وحالات الازدواجية في فهم المواطنة ومسألة التعدي على المال العام، وضعف تعدد المسارات التعليمية في التعليم المدرسي مما اسهم في اغفال قراءة البعد الاختياري والاستعدادات في  قدرات الطلبة ومهاراتهم وارتباطها مع  توجهاتهم واهتماماتهم ، بالإضافة إلى ما تفرزه سلوكيات بعض الممارسين في الموقف الصفي وشعور بعض الطلبة بالإقصاء والتهميش وعدم المشاركة نظرا لإعطاء الفرص لمشاركة الطلبة المجيدين أو المتكلمين دون غيرهم ، وموقع الطالب في منظومة التعليم والتأثير الذي يحدثه في إعادة انتاج الممارسة التعليمية ومستوى حضوره في رسم السياسات واستقراء  الواقع وتوجيه السياسات نحو بناء أطر أقرب إلى ميولهم ورغباتهم، والإشكاليات المجتمعية القيمية والأخلاقية ودور الاسرة والضبط الاجتماعي  وغيرها والتي يتوقع المجتمع نفسه من التعليم أن  يكون  له اليد في  التعامل معها  ومعالجتها، على أن حادثة الاختلاسات المالية الحاصلة في وزارة التربية والتعليم، سوف تلقي بضلالها على هذا المنظور الفكري والنفسي لدى المتعلمين حول التعليم وجهود  مؤسساته في  بناء وتعزيز قيم المواطنة والهوية والولاء والانتماء وترسيخ منظومة العادات  والقدوات في سلوكيات الأجيال.
وبالتالي ما يمكن أن  تعكسه هذه التراكمات في قناعات المتعلمين عامة والمخرجات بشكل خاص في رسم صورة ذهنية سالبة تضع التعليم على المحك ، وتتطلب منه تحولات تعيد مسارات انتاجه وتصحيح المفاهيم والأفكار التي تتداول حوله، ويثبت عبر ممكناته قدرته على تصحيح الواقع،  وبناء استراتيجيات عمل مستدامة تضمن تحسين هذه الصورة القاتمة، وبالتالي كيف يمكن للتعليم أن يعيد  تحسين واقعه ويضمن وضوح صورته لدى أجيال المستقبل؟،  وكيف يضمن قدرته على تحقيق انتماء الأجيال له وارتباطهم به وتعبيرهم عنه بعد تنقلهم من مؤسسات التعليم المدرسي أو وهم في مقاعد الدراسة في التعليم العالي والجامعي ، إن  قدرة التعليم على كسب الثقة وتوجيه الأنظار إليه وتحويل الاهتمام به وتعزيز موقعه  في ذات المتعلم من شأنه أن يسهم في بناء استراتيجية اتصال وتواصل يتبناها المتعلم أو المخرجات، وهي تحمل للتعليم فرص النجاح والتفوق والاستمرارية والقدرة على صناعة التأثير، وإعادة هندسة التفكير لدى الأجيال بما يمنحهم الثقة في ذاتهم. وعليه يبقى نجاح التعليم  في تحقيق هذا التحول وتأسيس القناعات  بشأن ما يقوم به من خطوات للتطوير والتجديد وتجسيدها في الواقع باعتبارها موجهة لمصلحة المتعلم ذاته، وما يؤمّنه في ذات المتعلمين والمخرجات من قبول الاعتراف به كمحطة تغيير ومنصة تطوير ومدخل لإعادة بناء الهمم وتحسين صورة الإنجاز؛ مرهون بما يحمله هو ذاته من فرص وما يتيحه في أجندته من محطات اثبات الذات وقوة التأثير وإنتاج الأفكار البناءة، وتعميق التواصل  مع المخرجات والاحتواء لها، وأشغالهم بالابتكار والابداع والاختراع الذي ينمي فيهم أحلام المستقبل ويبني فيهم انتاج التوقعات، ويحقق فيهم شغف المغامرة، ويعزز فيهم صقل الخبرة والموهبة، وتوظيف المهارات والطاقات ويدفعهم نحو  الاستباقية في  بناء مشروعات المستقبل، ومعنى ذلك أن التعليم بحاجة لأن يثبت للأجيال جديته في امتلاك  مداخل التغيير الذاتي والإصلاح في  أدواته وأساليبه وبرامجه وخططه وآليات تنفيذ أجندته وتوظيف القاسم المجتمعي المشترك في  صناعة  أنموذج تعليمي  يشارك الجميع فيه.
وعليه فإن قدرة التعليم على جلاء صدء ما في الذاكرة من تراكمات وأحداث، يفرض عملا متقنا وإرادة موحدة، تسهم في صياغة أنموذج عملي في إدارة التغيير وبناء القناعات وتأصيل الأفكار الإيجابية، إذ التغيير أصبح اليوم أكثر أهمية في التعبير عن رؤية واضحة للتعليم تجنبه حالة الاجتهادات التي يعيشها في بعض مجالاته، ونعتقد بأن الدور القادم على مجلس التعليم كبيرا في  اماطة  اللثام عن الكثير من الترهلات التي باتت تعاني منها المؤسسة التعليمية لرسم صورة تكاملية صريحة شفافة  تحمل الامل للأجيال القادمة، وهو ما يعني ان عليه أن يقّوي من شراكاته، ويبرز القوة في منافساته، ويحّسن من طريقة استثماره للأدوات والفرص التي يمتلكها، ويتيح للأجيال فرص التمكين والإدارة ويستفيد من جوانب التطور الحاصلة  والمستجدات في ميدانه ويوظف النظريات التعليمية في واقعه، إن عليه  أن يعيش الواقع بكل تجلياته وان يدرك أن بناء القناعة وتأكيد استحقاقات الأجيال في  العيش الكريم، لا يمكن أن يصنعها من طرف واحد؛ بل هي عملية تشاركية  تتناغم فيها معطيات الواقع مع طموحات الأجيال والمجتمع ومع ما يمتلكه التعليم من نظريات وأدوات وأساليب وفرص، وعليه في المقابل أن ينتقل من حيز الممارسة الاستهلاكية والعمليات الروتينية المتكررة إلى البحث في محطات الابتكار والتجديد التي تصنع للتعليم القوة وتؤسس له قاعدة شعبية من المخرجات وأولياء الأمور ومؤسسات القطاع الخاص وغيرها ، فهل سيعيد التعليم توجيه بوصلة اتجاهه ويعمل على إعادة انتاج واقعه وتصوراته لتحفظ له الأجيال القادمة ذاكرة خاليه من التشوهات؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock