قصة الملّاح العُماني الذي دخل خليج موزمبيق بطريقة فريدة

أثير- تاريخ عمان 
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي
الملاحة الفلكية فنٌ وعلم وفي كلا المجالين برز أبناء عُمان فتعاملوا مع البحر تحديًا وعشقًا؛ فالتحدي كان منهجهم في إخضاع البحر والسيطرة على مجاريه ومسالكه فخبروا أسراره فكانوا قادته وأسياده فلم ترهبهم أمواجه أو عواصفه رغم ما عانوه من فقد للأعزاء والأحبة غرقًا أو فقدًا لسفنهم.
وبرغم تقليدية الصناعة في الأجهزة المستخدمة للإبحار في السفن في تلك الفترة كالبوصلة ( الديرة ) وآلة الكمال والإسطرلاب والساعة الرملية والباطلي والقمازي ، إلا أن الاعتماد الرئيسي يكون على الربّان صاحب التجربة والخبرة والذكاء، وبالتدريب المستمر والممارسة، فيعتمد على حدسه وخبرته، والعمانيون كغيرهم ممن عملوا بالملاحة الفلكية كانوا مهتمين بالسماء، فالربّان يستطيع أن يوجه نفسه دائمًا وهو بوسط البحر وذلك لدرايته بعلم الفلك، ولإدراكه للعلامات الموجودة بالسماء ( النجوم والشمس والقمر ) سواء أكانت منتظمة أو حادثة أو غير طبيعية الحدوث، وذلك فيما يتعلق بجودة الطقس أو رداءته، وهو يميز بين أقاليم أو أجزاء المحيط بطرق متعددة منها: بواسطة لون مياه البحر حيث يستطيع التعرف على صفات موقعه؛ فاللون الأبيض للبحر يعني أن المياه ضحلة، واللون الأسود للبحر يعني أن الموقع عميق جدا، وإذا كانت المياه رقيقة فهذا يدل على العمق القليل، وإذا كان الماء نظيفًا فهذا يعني أنه لا توجد صخور أو شعب مرجانية، أما إذا كان غير نظيف فهذا دليل على وجود صخور وشعب مرجانية.
كما يستطيع الربّان أن يعرف موقعه عن طريق معرفته لأنواع الأسماك والحيتان وثعابين البحر، وطبيعة قاع المحيط، ومن خلال معرفته بأنواع الطيور، أو معرفته بأنواع الصخور والجبال، ويستطيع أن يتعرف على موقعه كذلك عن طريق معرفته لأرضية البحر إن كانت رملية أو طينية أو صخرية، ومعرفته لنوع رائحة الطين يستطيع من خلاله تحديد موقعه.
 (أثير) تعرض لقصةٍ من القصص العديدة التي تتبدّى فيها مهارة الملاح العماني، وبراعته، وقدرته على مواجهة الصعاب والتعامل معها من واقع خبرته ودرايته ومعرفته بأسرار الملاحة البحرية، وهي قصة دخول السفينة (عطيّة الرحمن) لخليج موزمبيق.
في عام 1951م اتفق مجموعة من النواخذة (الربابنة) من أهل صور على القيام برحلة مشتركة (سنيار)، وكان النوخذا (الربّان) حمد بن علي بن ناصر الغيلاني وقتها يقود السفينة (عطية الرحمن) فاختاره النواخذة لقيادة الحملة لمعرفتهم بجسارته ومهارته ومعرفته بخليج موزمبيق الذي تكثر به الصخور والشعب المرجانية، كما أن مياهه ضحلة وغير صافية بسبب مصبات الأنهار القريبة من الميناء.
تحرك النوخذا حمد بن علي الغيلاني وقاد السفن وكان وقت وصوله ليلًا ولا يستطيع أحد دخول الميناء للأسباب السابقة الذكر، ولكن النوخذا حمد استطاع بخبرته دخول الميناء بجسارةٍ وإقدام لفتت أنظار الضباط البريطانيين الموجودين هناك، فاستدعوه وناقشوه حول كيفية دخوله الميناء بقافلةٍ من السفن على الرغم من صعوبة الأمر، فأجاب بأنه كان يراقب شعاع البرق وهو يسقط على الماء، ومن انعكاس الشعاع استطاع أن يعرف مدى عمق الماء وما به من صخور! واعترف الانجليز بخبرته وفضله وعلمه الملاحي فمنحوه شهادة إشادةٍ؛ اعترافًا بذلك الإنجاز.
ويُعد الربّان حمد بن علي بن ناصر الغيلاني الذي ولد في مدينة صور العمانية عام 1911م وتوفي عام 1993 بجزيرة مصيرة، من أشهر الملاحين من أبناء مدينة صور وعمان والخليج العربي، امتلك وأخوه عبدالله بن علي بن ناصر الغيلاني عددًا من السفن أشهرها: السفينة “يسر الخُضر” وهي من نوع السنبوك، والسفينة “مساعد ” وهي من نوع البوم، والسفينة “عنتر” وهي من نوع البوم، والسفينة “العبيسا ” وهي من نوع السنبوك، وزار الكثير من البلدان والدول أثناء سفره وتنقله  مثل العراق ودول الخليج العربي وإيران وباكستان والهند واليمن وشرقي أفريقيا حتى وصل إلى رأس الرجاء الصالح  وكان على دراية وعلم بعلوم الملاحة من قياس وفلك ومعرفة بالبلدان.
******************************
المراجع:
1- الغيلاني، حمود بن حمد بن محمد. التاريخ الملاحي وصناعة السفن في مدينة صور العمانية، المطابع العربية، 2006 م.
2 – الغيلاني، حمود بن حمد والعريمي، محمد بن حمد. التاريخ البحري المروي لولاية صور، ط1، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2012.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock