د.رجب العويسي يكتب: هل على التعليم أن يقوّي ممكناته في احتواء قناعات الطلبة حول ذواتهم والآخر؟

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

تطرح بعض الظواهر  الحاصلة في مجتمع الطلبة ( التنمر، الانطواء، القناعات الفكرية والعاطفية، الاختفاء اللحظي لبعض الطلبة في الفترة الأخيرة والبحث عنهم،، الخ)، العديد من النقاشات  والموجهات في استقراء نوع الممكنات والأدوات التي يمتلكها التعليم  في اكتشاف وتشخيص وقراءة هذه الظواهر، ومستوى قدرته على الدخول في عمق السلوك الطلابي،  واحتواء أفكار الطلبة وثقافتهم، واكتشاف قناعاتهم وخبراتهم وتجاربهم، وقدرته على بناء الثقة  مع المتعلمين بالشكل الذي يمكن  للتعليم فيه أن يصل إلى الجوانب الخفية أو المفردات الغامضة في حياتهم حول ذواتهم والثقة في قدراتهم أو حول العالم الآخر الذي يعيشونه بكل معطياته وتجلياته  وتفاصيله وقوة التأثير التي يمتلكها، وبالتالي قدرته على إلغاء حاجز الخوف والقلق لدى المتعلم في التعبير عما يجيش في داخله وما يراوده من أفكار وما يؤمن به من مسلمات والعمل على الإفصاح عن حالة التكتم التي يعيشها والهواجس الداخلية التي باتت تؤسس لسلوك قادم منه.

على أنه من غير الخوض في تفاصيل المؤثرات التي تقف خلف تشكيل هذه القناعات والأفكار والمشاعر، إلا أنه يمكن القول بأن الفضاءات المفتوحة الافتراضية والواقعية والمشاهدات اليومية والتناقضات التي يعيشها المتعلم في واقعه الاجتماعي، قد أعطت مساحات أوسع لنمو هذه الظواهر في ظل قصور في الممارسة التعليمية التي ما زالت  غير جاهزة  لاكتشافها أو فهم معطياتها وإدراك مؤشرات تقدمها وتطورها في سلوك المتعلم،  إلا بعد أن  وقوع الممارسة على غير المأمول، في طالب عرف بأخلاقه وانضباطه والتزامه واحترامه وتقديره  لمعلميه وإدارة مدرسيته، وتفوقه في  تحصيله الدراسي والأنشطة والسيرة والسلوك،  فتظهر ردات الفعل الوقتية وتبدأ حالات الاستغراب والدهشة من صدور هذا الموقف منه. وهنا يأتي التساؤل أين يقف التعليم من هذا الواقع؟ وهل يمتلك الدعائم القادرة على الدخول في هذا العمق، وماذا على التعليم أن يفعل في ظل تراكم هذا الأحداث وتكرر هذه الظواهر وغيرها؟

إن مما ينبغي الإشارة إليه أن تحقق هذا الطموح يضع التعليم أمام مسؤولية امتلاك معادلة التأثير والاحتواء  التي يجب أن يضعها في اولوياته ويؤسسها في ثقافة التعليم والتعلم ويبنيها في فكر الممارسين للتعليم، ويرسخها في قناعة المتعلمين، بما يمثله التعليم من رابطة وطنية إنسانية،  وخيوط ممتدة تبني الامل وتعزز الثقة وتؤصل الطموح وتنتج التفوق، ويصبح دوره،  كيف يمكن أن يضمن تحقيق هذا التناغم والحميمية مع التعلم عبر قدرة سياساته وأهدافه وبرامجه على تشخيص الحالة الإنسانية ونقلها إلى مرحلة القوة، وتبني الأساليب والأدوات التي تتيح للمتعلم أريحية التعبير عن هذه الأفكار التي  يحملها بكل وضوح وشفافية ، وهو ما يمكن أن يثمر عن نواتج نوعية تبرز في قدرته في الوقوف على مسببات هذه الظواهر وتوفير أجواء الحماية والرعاية والاطمئنان للمتعلم، وزيادة منصات الحوار والمناقشة والتعبير عن ذاته عبر تعزيز ثقافة الحوار وفهم المبررات والمسوغات والشواهد والأدلة التي يحصّن بها لمتعلم من الوقوع في إشكاليات الفكر السلبي والتفكير المشوه حول أنماط حياته وما يجري فيها من أحداث ، بما يقدمه له من دعم عبر أدوات الاقناع  والمناظرة والدفاع وسيناريوهات العمل البديلة، فتتضح له الصوة القاتمة او الحالة الباهتة المشوهة التي يتلقى خلالها هذه الأفكار، سواء من زملائه أو رفاقه خارج المؤسسة التعليمة أو داخلها، فيحصّن نفسه، ويبني أرصدة القوة في أفكاره، ويضمن نمو وسمو قناعاته، وحسن توجيهها وضبطها وتقنينها ليصل إلى مرحلة النضج الفكري والعاطفي، فيوازن في أفكاره، ويضمن قدرته على التعامل مع أي تأثيرات او أفكار تصل اليه ليمحصّها ويحللها ويدرس موقعها من منظومة القيم والمبادئ والاخلاقيات والعادات  التي يؤمن بها في مجتمعه.

من هنا لم يعد المطلوب من التعليم اليوم ان يكرس جهده في تلقين المتعلم وحشو ذهنه بالأفكار والمعارف والمعلومات ليمارس دوره في اجترار المعلومات، بل أن يتحول إلى صناعة الالهام في شخيصة المتعلم عقلا وفكرا وروحا ومشاعر، وترقية مسارات التفكير النقدي والتحليلي لدية وبناء محطات الإنتاج الفكري الرصين الذي يؤسس للاختيار الواعي والنقد البناء والاستقلالية في التفكير وتوظيف الموهبة وإعادة هندسة الممارسة بطريقة تحمل في ذاتها مسارات القوة وقيمة الحياة الآمنة المطمئنة والالتزام بالموجهات الضبطية والقانونية في ظلال التعليم عالي الجودة، لإزالة الشكوك والأوهام وتصحيح المفاهيم التي باتت  تتجافى ومضمون القيم وتتعارض مع  حسن التوكل والاخذ بالأسباب،  ونقل المتعلم من حالة السلبية والتشاؤم  والضيق والشعور بالفشل وعدم الثقة في القدرات ووهن الإرادة وخوار العزيمة وعدم استكمال طريق التقدم في الإنجاز لمجرد عدم تحقق الأسباب.

ويبقى ما قد يطرح من  أفكار حول تعزيز المدارس بمشرف أو طبيب نفسي، وتأهيل الممارسين في مؤسسات الاعداد أو عبر برامج التنمية المهنية،  بشكل يتيح لهم فرص اكتشاف شخصية المتعلم وإعادة تصحيح المسار فيها منذ وقت مبكر ، غير كافية ما لم تكن التغييرات  في جوهر التعليم نفسه: محتواه وبنيته المعرفية واساليبه وأدواته وخياراته والممكنات التي يحملها للمتعلم، والمشاعر التي يؤسسها لبناء شخصيته، وتمكين أطر التعايش والحميمية والتواصلية معه في رسم ملامح التغيير القادم، بحيث يؤسس المنهج الدراسي والمعلم والنشاط الطلابي والإدارة والأساليب والبرامج والخطط والمتابعات وأساليب الاشراف والتقويم والمسابقات التعليمة والمشاركات والفعاليات والمبادرات؛ لسلوك تعليمي ناضج يحتوى الأفكار الشخصية للطلبة ويستوعب التفاعلات الحاصلة في بيئة التعلم فيكتشف محتويات الصندوق وجوانب القوة ومسببات القلق فيه، عبر الدخول في عمق المتعلم وفهم ذاته وترقية مشاعره وتهذيب عاطفته وتوفير الأمان النفسي له للإفصاح عما بداخله وما يحلم به او يفكر فيه ، فهل سيصنع التعليم لهذه القناعات والاطروحات حضورا  في أجندته واختصاصاته وممارساته؟

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock