بالصور: قديم البريسم تجده في محل “ود هيراه”

مسقط – أثير

زاره:  د. محمد بن حمد العريمي

للشاعر الشعبي المعروف راشد المصلحي “سويري” بيت شهير يختتم به إحدى قصائده قائلا:

ما با ظلّة سدر من عجب الياسمين ….. وتبدلوا لي من بعد البريسم صوف!

تبدو أسماء مصطلحات من مثل: الحرقاني، عين البقر، الكوجراتي، بو شواط، شادر الطرح، ثوب البريسم، القبعة، المصر الحيدري،السباعية، غريبةً وغير مستساغة لكثيرٍ من أبناء الجيل الحالي؛ الجيل الذي عايش التمدّن، والذي يشتري بعضاً من ملابسه من أرقى المحلات التي تحمل شعاراتٍ مختلفة لماركاتٍ تجاريةٍ معروفة، ويخيط بعضها في محلات خياطةٍ عصرية، لكنها بالطبع لا تبدو كذلك بالنسبة لأبناء الجيل السابق، فهي أسماء معروفة ومتداولة لأنواع من الأقمشة والملابس التي كان يستورد أغلبها من الهند، ويصنع بعضها في مصانع نسيج محلية بأيدٍ عمانيةٍ ماهرة، وكانت هذه الملابس تشكل في يومٍ من الأيام جزءاً من الثقافة المحلية، وارتبطت بكثيرٍ من المناسبات الاجتماعية من أفراح، وحفلات ختانٍ، وفنون شعبية وغيرها، وكانت تعد عنواناً للموضة و(الكشخة) في ذلك الزمن الجميل!

وتعد ولاية صور إحدى المدن والأماكن التي لا تزال تحتفظ بتلك الذكريات، ذلك أنها شّكلت لفترة طويلةٍ من الزمن أحد أهم موانئ التجارة العمانية والخليجية، وكان منظر السفن القادمة والرائحة ببضائع وسلع الشرق والغرب وهي تحمّل على ضفة خورها الشهير (البطح) مألوفاً لسكانها وزائريها، قبل أن تنتقل بعد ذلك إلى المخازن والمستودعات والمحلات التجارية الكبيرة في سوقها الشهير، والتي كان يسيطر على جزء من تجارته طائفة من التجار الهنود ذوي الوجود القديم في المدينة نتيجة العلاقة التجارية التي كانت تربط صور بموانئ الهند والشرق.

تسيّد التجار البانيان مشهد التجارة في صور بسبب خبرتهم الكبيرة، وعلاقاتهم مع أبناء وطنهم في الهند، وعلى الرغم من أن البانيان لم تكن لديهم سفنهم الخاصة بهم (عدا فئة قليلة) إلا أنهم أحسنوا إدارة تجارتهم عن طريق استئجار السفن من ملاكها لإحضار المواد الغذائية الرئيسية من وكلائهم في الهند وتوزيعها بعد ذلك على التجار الصغار في المناطق الأخرى، أما في صور فهم من كان يقوم بالعملية كلها، ويعد الأرز والطحين والسمن والتوابل والأقمشة أهم ما كان يورّد من الهند”.

والزائر لسوق صور المتجول في أركانه وزواياه المختلفة، وبرغم محاولات التغيير والتبديل التي يمارسها الباعة الآسيويون الجدد، والتي تهدف إلى إفراغ السوق من محتواه الحضاريّ الجميل؛ لا يزال يجد شيئاً من عبق الماضي، وبعضاً من رائحة السفن بما تحمله من بضائع، ويكاد يتخيل قوافل الإبل وهي تمشي الهوينا في شريان المدينة المهم والمسمى “بسكّة البوش” في طريق رواحها وغدوّها من وإلى الميناء، ومن بين ما تبقى من آثار وملامح ذلك الزمن بعض المحلات التي لا تزال تحتفظ بطابعها التقليدي، ولا تزال تمارس نشاطها التجاري القديم سواء في مجال الملابس والأقمشة، أو السلع الأساسية، أو تجارة الأعشاب والعطارة وغيرها.

ويعد ” ود هيراه” من التجار الهنود القلّة الذين لا يزالون يوجدون في صور والمحتفظين بنشاطهم الأصلي في بيع السلع والبضائع القديمة بعد أن توفي بعضهم، وهاجر بعضهم الآخر، وغيّر بعضٌ ثالث نشاطه لمواكبة تطورات العصر، ويبدو دكانه غريباً وسط السوق بعد أن غيّب الهدم محل رفيقه وجاره لسنواتٍ طويلة ” ود كيسوه”، واستبدل بنو جلدته المتبقون محلاتهم التقليدية بأخرى عصرية تنافس المحلات الجديدة.

وعلى الرغم من تنوع المحلات إلا أن محل ” ود هيراه” يظل عملةً صعبةً يقدّر قيمتها الباحثون عن (قديم البريسم)، ولا يزال زبائنه يتوافدون عليه من داخل الولاية وخارجها بحثاً عن أقمشةٍ أصبحت أسماؤها منسيةً وسط هوجة التغريب والعصرنة والتمدّن والتطور، وعطورٍ لا تزال رائح عبيرها فوّاحة.

عندما تدخل محل ” ود هيراه” الذي ناهز عمره السبعين أو يزيد بعد أن انتقل لموقعه الحالي، والذي توالت عليه ثلاثة أجيالٍ عمرية، تشعر أن الزمن يتوقف، فالمحل هو ذاته منذ أن دخلته لآخر مرةٍ قبل حوالي عشر سنوات، وهو كذلك منذ أن وطئت قدماك عتبته مع والدك عندما كنت طفلاً قبل حوالي ثلاثين عاماً أو يزيد، والمعروضات التقليدية ذاتها عدا بعض السلع الحديثة التي اختلطت وتداخلت مع القديم كي توافق رغبات بعض الزبائن، وبمجرد ولوجك لداخله تلمح شوادر الطرح، والسباعيات، والمصارة الحيدرية، والأثواب الصورية التقليدية، ووزار عمان السمائلي، وأنواع الأقمشة ذات الذكرى الخالدة في قلوب كثير من النساء كعين البقر والحرّقاني، معلّقة في تنظيمٍ دقيقٍ عرف عن هؤلاء التجار المحترفين، بينما صففت العطور القديمة مثل العنبر، والنديم، والمسك، وأنواع العطور الأخرى التي جلب أكثرها من الهند في دواليب زجاجية تحيط بالمكان، ولا بأس ببعض الذكريات من صور التقطت في فتراتٍ زمنيةٍ مختلفة، وشهادات شكرٍ وتقدير، والتي تشكل خلفيةٍ للمقعد العتيق الذي يجلس عليه صاحب المحل بجوار دفاتره التي تدوّن الكثير من التعاملات التجارية التي حدثت في المحل، وتحوي أسماء العديد من التجار والزبائن الذين دخلوا المحل يوماً ما وتعاملوا مع صاحبه بالدين أو القرض أو الشراء.

المرجع:

المخيني، خالد بن علي. الطريق إلى صور، ط2، بيت الغشامللطباعة والنشر، مسقط، 2019

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock