محمد الهادي الجزيري يكتب: جبّة بورخيس

جبّة بورخيس
حسن البقالي

محمد الهادي الجزيري

القصة الأولى عنوانها ” الأطفال ” وزّعت على ثلاث فقرات وتقصّ علينا حكاية خمسة كتّاب في طريقهم إلى ملتقى ثقافي..، ينقل لنا القاص الجوّ خارج السيارة وداخلها ليختم بانتصاره للطفولة والمرح والفرح …فلا وقت يضغط عليهم ولا شيء إلاّ هذا الطفل والكرة ..يقول في خاتمة القصة:
” ـ وإذن، ماذا تفعل هنا أيّها الطفل الوحيد؟
ـ كما ترون، معي كرة وليس معي لاعبون
ـ ليس معك لاعبون؟ من ادّعى ذلك؟
ـ هيّا ارم الكرة من يديك
وبدأنا في الركض…نسينا الريح اللافحة ورهانات العمر وما تبقّى من الطريق…نسينا القصّة والشعر والنقد والسياسة وهمّ الكبار
نسينا الزمن
وكنّا أطفال فقط..يلعبون الكرة تحت أنظار أركانة راسخة في الأرض ”

ثمّة قصة تقاسمت عنوانها مع المجموعة وهي ” جبّة بورخيس ” تتضمّن محاولة ضدّ الموت والغياب ..محاولة التلبّس بشخصية هامة لعشاق الأدب ألا وهي الكاتب الأرجنتيني ” خورخي لويس بورخيس ” ..فالراوي اجتهد قدر الإمكان للحلول فيه والتماهي معه قصد نسيان خبر موته ويقول قاطعا “:

” وحين أفقت من ذهولي، كنت قد اتخذت القرار
قرار أن أصير بورخيس ”
في الحقيقة نصدّقه في فقرات كثيرة من السرد..ونستفيق حين يريد هو لنا ذلك، فمرّة يدقّ الجرس ويسمع صوت رجل ..أتاه بقطة شيرازية اسمها ( ماريا قداما ) وهو اسم حقيقي لزوجة بورخيس..، ويمعن في التلبّس به في أن يتركه يتجوّل في البيت ..إلى أن يقول:
” للحظة خلت أنّني في مكان آخر، وأنّ الذي يجلس هناك ظلّي فقط، الذي لا يعنيه ما قد يحدث..”
وفي النهاية حسب ما خمّنت أعتقد أنّه اعترف بالجنون أو ما شابه ..فمن الصعب بل المستحيل أن نجلب ميتا ليأخذ مكاننا ..ما هي إلا هلوسات عاشق لبورخيس ..وقد ينتهي مثلما كتب :
” الشقة ظلّت مسكونة بأنفاس الرجل وظلال نواياه …هل يراقبني الآن، يكمل ترتيبات جريمة محتملة بدأ نسج خيوطها بمواء قطة شيرازية اسمها ماريا قداما، ولن ينهيها إلا بالإجهاز عليّ..”

ما يشدّني لكاتب ما شاعريته وميله إلى التكثيف، وهذا ما وجدته في حسن البقالي ..ففي ما لا يحصى من الفقرات يصبح شاعرا يقصّ علينا الوجود ..في استعارات جميلة ومتقنة ، من منّا لم يعتقد أنّ امرأة ما دمية خرجت من المعمل ..لتشوّش على النساء وتكشف لنا أنّنا لم نعشق إلا أشباح وشبيهات إناث ..، وفي قصة ” قصيرة جدّا ومكتنزة ” أبدع في وصفها

” قصيرة وضئيلة بحجم الكفّ..بعينين سوداوين واسعتين وصافيتين،
تنثال منهما نظرات بلون الصباح…
عينين …
كأنّهما الأصل
وسائر الجسد مبرّر تكملة للتبرير ”

في نصّ ” القارئ ” ثمّة خطاب موجّه لقارئ ما، لعلّه أنا أو ربّما غيري، المهمّ أنّي لم أطلق عليه اسم القصة..فهو نصّ تنظيري مخاتل وذكيّ، ولا أخفي إعجابي به ، فالكاتب يستعمل في بداية حديثه افتراضات كثيرة من ضمنها:
ـ أمامه غابة شاسعة
ـ بحوزته حبل وعود ثقاب
ـ هل يشعل الغابة؟
ـ هل يصنع من الحبل أنشوطة يلفها على عنقه؟
ويظلّ يفترض أشياء عديدة أنّ القارئ قروي بسيط سيقبل دخول الغابة لأنّ فيها ألوانا زاهية لعينيك، ويغيب عنه أنّ القارئ يعي أنّ الغابة سردية قبل أن يقولها هو…
على كلّ أمتعني حسن البقالي بإهداء ثلاث مجاميع قصصية ..هذه فتحت واحدة منها وهي
” جبّة بورخيس ” على أن أعود إلى المجموعتين في مرّة قادمة..وأختم تقديمي بقولة أخيرة للقاصّ إذ يقول:
” وأني، حين أنفذ إلى الطرف الآخر وأغلق دفتي الكتاب، سأبقيه هناك إلى الأبد “

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock