تعرّف على “رباط البحر” كما أتى في الكتب الفقهية العُمانية

مسقط-أثير

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

شكّل البحر أهميّة كبرى في التاريخ العماني؛ فمن خلاله انطلقت سفن العمانيين ومراكبهم على مدى عهودٍ تاريخيةٍ طويلة حاملةً رسائل التسامح، وأغصان السلام، جنبا إلى جنب مع السلع والبضائع التي كانوا يتاجرون بها بين الموانئ المختلفة، وأسهمت أساطيلهم في توسيع رقعة الدولة العمانية، وبالتالي انتشار التأثير العماني الحضاري في مجالات الثقافة المختلفة، والتي تشهد بها حتى الآن العديد من الموانئ والمحطات التي وصلت إليها أساطيلهم.

ونتيجةً لأهمية البحر في حياة العمانيين باعتباره مصدر رزقٍ لقطاعٍ عريضٍ من سكانه، ومنفذاً لأساطيلهم التجارية والعسكرية، وجسرا للتواصل الحضاري مع مناطق العالم المحيطة والبعيدة، فقد اهتموا بحماية سواحلهم المحيطة، وأنشأوا لذلك الأساطيل المختلفة منذ ” الغرف” و”الشذاة”، وحتى البوارج الضخمة، وظهرت على خارطة الساحل العماني موانئ عديدة بعضها للتجارة والملاحة، وأخرى للرباط والدفاع، كما تفاعل رجال الدين العمانيين مع هذا الأمر فظهرت العديد من الفتاوى والنصوص الخاصة بأهمية رباط البحر ومكانتها في الإسلام.

“أثير” تقترب من موضوع اهتمام العمانيين برباط البحر، وأهميته، وأثره في حماية الدولة العمانية من الهجمات التي تأتي عن طريق البحر، وتأثير الأحوال الأمنية على النصوص الفقهية التي تناولت رباط البحر، مع استعراض بعض هذه النصوص وأصحابها من الفقهاء ورجال الدين، وذلك من خلال استعراض أحد محاور ورقة عمل مهمة للباحث وطالب الدكتوراه في قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس ناصر بن سيف السعدي تناولت “البحر من خلال كتب الجوابات والنوازل الفقهية العمانية (النظم، والعلاقات، والحوادث)”، التي قدّمها الباحث خلال أعمال مؤتمر تراث عمان البحري الذي نظمه مركز الدراسات العمانية بجامعة السلطان قابوس في أكتوبر من عام 2018م.

الرباط في البحر وحماية السواحل

الرباط: هو “القعود في الأمكنة المخوف عليها العدو”، والبقاء في حالة الاستعداد الدائم، واليقظة التامة، خاصة في المواضع التي تكون عرضة للخطر والاعتداء، إذ إن السواحل أخوف الأماكن وأعظمها أجرا “. والبحر في عمان منذ القدم مصدر الرخاء، وفي الوقت نفسه مصدر البلاء والشقاء، إذ كانت أغلب الهجمات والاعتداءات على عمان جاءت عن طريق البحر، أمثال: حروب الحجاج بن يوسف الثقفي (ق:1ه/8م) فقد جاء قائده القاسم بن شعوة المزني، “حتى انتهى إلى عمان في سفن كثيرة”. وهجمات خازم بن خزيمة الخراساني، وعيسى بن جعفر، ومحمد بن بور، وهؤلاء جميعهم قادة خلفاء بني العباس. وفي عهد الإمام غسان بن عبد الله قطع خمسون قرصانا الطريق البحري بين عمان والبصرة في مركبين، وقد كانت بوارج القراصنة من “المشركين يقطعون سبيل البحر في شطنا هذا مما يلي عمان إلى حد عدن، وأما بعد هذا الموضع فلا يعرف من يقطعه”، وقد كان الوضاح بن عقبة(حي:237ه/851م) يحمل المقاتلين في السفن الحربية لحماية السواحل العمانية من هجمات البوارج الهندية.

 

أهمية رباط البحر

 ظلت السواحل العمانية عرضة للغزاة، حتى التاريخ الحديث، واستباح البرتغاليون السواحل العمانية منذ القرن 10ه/16م. كل هذه المعطيات، دفعت الفقهاء والعلماء إلى التأكيد على أهمية رباط البحر، وبيان مكانته، بهدف غرس قيم الجهاد والدفاع عن عمان، فقد أورد كتاب “قاموس الشريعة ” جملة من الأحاديث والأقوال المؤثرة التي تبين مكانة الرباط في البحر، منها:  “عن أبي هريرة قال: الناظر في البحر في سبيل الله له مد طرفه يوم القيامة يستضيء به ” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” فضل غازي البحر على غازي البر كعشر غزوات في البر”.

والأماكن والثغور معرضة للخطر أكثر من غيرها، والرباط فيها أجره عظيم، إلا أن الخروج إلى البحر وركوب السفن الحربية أعظم أجراً كما يقول النص التالي:” إن الركوب في الشذا أفضل من الرباط بدما- السيب حاليا-“، وقد سئل محبوب بن الرحيل (ق:3ه/9م) عن أي المواضع يكون فيها الرباط أعظم أجرا، وقد وصف له سواحل عمان من دما إلى خلفها إلى صحار، فقال: “… أين مجتمع الناس، وأكثر الذراري والبأس؟ قلت بصحار. قال فثم أعظم الرباط أجرا “. ولطبيعة صحار في القرون الستة الأولى، ولأنها “مجتمع الناس وأكثر الذراري” يبدو أنها كانت مقصدا للغزاة والقراصنة ومستهدفة أكثر من غيرها، لذلك يتردد ذكرها كثيرا، وتؤكد النصوص أهمية الرباط فيها، فقد كان ” الرجل ممن يكون بصحار مسكنه أو في غيرها يعتقد نية رباط وهو في منزله وضيعته، ويحمل السلاح في الليل مرة، يخرج في جوف الليل، ويدور في الساحل دورة، ويكبر الله شهرا أو أكثر أو أقل كان مرابطا، وله أجر من رابط في سبيل الله، وإذا كان النهار أصبح فقابل البحر ساعة أو ما شاء الله له على نيته تلك مرابطا”.

 

تأثير الأحوال الأمنية على النصوص الفقهية

 

وانعكست الأحوال الأمنية التي كانت تسود في بعض الأزمنة على النصوص الفقهية، سواء كانت نصوص لحوادث نازلة، أو نصوص جاءت بهدف وضع قواعد عامة، لحماية السواحل، أو مواجهة الأخطار التي تتهدد عمان من جهة البحر، وكان ولاة بلدة دما على خط البحر في عهد الإمام راشد بن سعيد(ت:445ه/1053م): “يأخذون الناس بالمبيت على الأبواب والمواضع المخوفة والحرس ويشد على الناس في ذلك… كان فيهم الشاري وغير الشاري”، أما في القرن 11ه\17م كان بعض الولاة يسعون إلى جبر أهل المناطق الساحلية إلى شراء الأسلحة، استعدادا ويقظة” من أجل أن بدت فيهم حوائج المسلمين، ليكون عندهم سلاح وخاصة أهل الساحل”.

 

وتطرقت النصوص الفقهية إلى السفن التي تحمل المقاتلين لمواجهة سفن الأعداء، وقواعد قسمة الغنائم بين المقاتلين بعد النصر، ويشير إلى ذلك النص الآتي:” وفيمن عنده سفينة وقد ترك نوخذا فيها مقدما وفيها عسكر وبحرية وساروا في البحر لعلهم كسبوا بعض الناس، ووصلوا عنده وقالوا نعطيك سهما من هذا المكسب لأنه مال عدو …”.

وأثناء خروج السفن الحربية لمواجهة الأعداء، تستجد بعض القضايا، كأن يمرض أحد المقاتلين، أو إن لم يتمكن من المشاركة في المواجهة: “وجلس في المركب، ولم يقدر على الهبوط في البر للقتال، ثم غنم المسلمون أموالا من المشركين، أيكون له نصيب من الغنيمة أم لا؟”، ولأن له عذرا في تأخره عن القتال، يصبح” لهذا الرجل حصته من الغنيمة “.

 

وبالإضافة إلى حقوق المقاتلين، ناقشت الكتب الفقهية عدة قضايا، أولا: الأضرار المحتملة التي تصيب بعض المقاتلين، لا سيما أولئك الذين يتم إجبارهم على المشاركة وركوب السفن للقتال، فهؤلاء إذا لم يكونوا قد خرجوا بإرادة محضة منهم، فالضرر الذي يلحقهم، يتحمله ذلك القائد الذي دفعهم قسرا للخروج، أو كما يقول النص التالي:” ومن أرسله سلطان الجور إلى قوم منهم حشدا ليقطع بهم في البحر أو في البر فسار إليهم وأبلغهم خطوطه وأجابوا للسلطان، وسيرهم في بعض السرايا، ولحقهم أو لحق منهم ضرر ولم يعلم هو بخروجهم أنه كان برضاهم أو خوفا من السلطان ما يلزمه في ذلك. قال : إذا بلغ خطوطه من هو قادر على جبرهم من أعوانه أو أكابرهم مما جبرهم على ذلك فأصابهم ضرر من أجل ذلك، فذلك عليه …”. وثانيا: مدى أحقية الإمام على جبر أهل السفن وأهل البحر، بوضع سفنهم لحاجة الدولة، وما صفة الرجل الذي يحق للإمام جبره للخروج دفاعاً عن عمان في البحر “أهو البائع نفسه أم حتى المستأجر بالكري من بيت مال، قال: كلاهما سواء “.

 

يُذكر أن الباحث ناصر بن سيف السعدي يُعدّ من أبرز الباحثين العمانيين المهتمين باستخلاص المعلومات التاريخية المتعلقة بعمان من خلال كتب الفقه والأدب وغيرها، وله العديد من البحوث والدراسات المتعلقة بهذا الجانب والتي تكشف عن معلومات مهمة لم ترد في كتب التاريخ التي أرّخت لعمان.

 

المرجع:

1-  السعدي، ناصر بن سيف. البحر من خلال كتب الجوابات والنوازل الفقهية العمانية (النظم، والعلاقات، والحوادث)، مؤتمر تراث عمان البحري مركز الدراسات العمانية، جامعة السلطان قابوس، أكتوبر 2018م.

·      الصورة المرفقة من شبكة المعلومات العالمية ” الإنترنت”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock