مرفت العريمية تكتب:  التلوث الضوضائي، واستراتيجيّات مكافحته!

مرفت بنت عبد العزيز العريمي

 

تدور بين أورقة المحاكم الفرنسية قضية مثيرة للجدل ،المتهم  بها هو الديك موريس الذي يقطن إحدى الجزر على الساحل الفرنسي ، موريس متهم بإثارة الإزعاج بصياحه كل صباح في الساعة السادسة صباحا وقت شروق الشمس فيوقظ بصياحه عجوزين قدما إلى الجزيرة ليأخذا قسطا من الراحة، والهدوء بعيدا عن الضجيج. فقد رفع الزوجان قضية على موريس يطالبان بإسكاته عن الصياح على الأقل باكرا، وكغيرها من القضايا انقسمت الآراء بين مؤيد، ومعارض الا أن أنصار حقوق الصياح !! كالدجاجة بومبادور وديك جان-رينيه ظلوا يؤازرانه في محنته  بالاعتصام خارج المحكمة !

استقطبت القضية اهتمام الرأي العام ووسائل الإعلام  تحسبًا لظهور قضايا مماثلة تدعو إلى إسكات الطبيعة بجمالياتها المتنوعة لصالح الإنسان !

ليست المرة الأولى يحاكم فيها الديك على صياحه الصباحي ، فقد قرأت عن قضية مماثلة في المملكة المتحدة حكم القاضي على الديك  بعدم الصياح قبل الساعة السابعة صباحا على أن لا تزيد قوة صوته عن 10 ديسيبل حتى لا يزعج الجار الخصم !!الغريب أن يطلب من الديك التحكم في مقدار صوته في المقابل أن قياس الحديث  العادي بين الشخصين يصل الى 60 ديسيبل أو أكثر ! للوهلة الأولى تبادرت إلى ذهني بعض الأسئلة ..هل تستطيع الطبيعة أن ترفع مئات القضايا المماثلة لانتهاكات الإنسان وإفساده للموارد الطبيعية؟ ،وهل يمكن للريفي في قريته أن يتقدم بالشكوى على إدارات المرور والكهرباء عند زيارته للمدينة نظير ما يتعرض له من التلوث الصوتي، والضوئي طوال اليوم؟

الباحثون عن الهدوء، والسكينة عادة ما يجوبون المكان بحثا عن أوقات قصيرة يسرقونها هروبا من ضجيج الحياة كالأصوات العالية للمحركات، والموسيقى الصاخبة، وأعمال البناء، والحفر، وأبواق السيارات، وحركة الباعة المتجولين في بعض المدن، والقرى.

الضجيج الذي أتى به البشر لتحقيق حياة رغيدة بأنانية على حساب التوازن الطبيعي ، قد أصبحوا ضحيته مع ارتفاع معدلات الضجيج، والضوضاء حتى بات الهدوء سلعة تباع وتشترى ! يقول دوستويفسكي” الإنسانية مسرفة في الجلبة والضوضاء ومفرطة في الصناعة ،على حساب الهدوء النفسي والغبطة الروحية”.

طبّقت الدول استراتيجيات مكافحة التلوث الضوضائي الناتج عن  التقدم الصناعي والحضري بسنّ قوانين تغرم الازعاج، والمزعجين، فأصبح من حق الإنسان التنعم بالهدوء في قلب الضجيج ! فالدراسات العلمية أثبتت أن الضوضاء إحدى مسببات فقدان السمع، والاصابة بأمراض القلب .والكريسترول، والضغط، والقلق، والتوتر، والبدانة في منطقة الخصر ،فالضوضاء تعمل على رفع الضغوط النفسية، مما تؤثر على النظام العصبي ،لذلك تنتشر في المدن أمراض التوتر، والاكتئاب، والقلق أكثر من المناطق الريفية .

هناك من يصنع الضجيج لمكافحة الضجيج !! فالضجيج الأبيض الذي يعمل على تغطية الأصوات المزعجة تساعد على الاسترخاء، والهدوء كصوت المكيف، والمكنسة الكهربائية، وأصوات أمواج البحر ..وأخرى فقد صنع العلماء تردداتها، وأضيفت في تطبيقات المحمول لمساعدة الرضع على النوم، وتوصل الباحثون إلى أن هذه الأصوات تتشابه مع الأصوات التي يسمعها الطفل، وهو في بطن أمه.

ثقافات عديدة تعتمد على إحداث الضجيج، والصوت العالي ،فالبعض يعتبر أن الصوت العالي  دليل على قوة الحجة والبعض يعتبر أن صوت الحق يجب أن يكون عاليا،  فيختار النبرة العالية في الحديث  كي يبدو مقنعا ..بين هذا وذاك ،  أليس من حق موريس (الديك) أن يمارس صياحه احتراما لاختلاف الثقافات ! أليس من حقه أن يزاول عمله كمنبّه طبيعي عن الوقت، ومبشّرا عن بزوغ شمس جديدة !!؟

لكن ماذا عن الضجيج الداخلي ضجيج الأعماق، والعقل، وصراعات النفس الانسانية بين الرغبة، والضمير بين ما يريد وما يريدون، بين العقل الباطن، والعقل الواعي، فكيف يمكن أن نسكت ذاك الضجيج الذي هو المحرّك الأساسي لاستمرار الحياة؟

وفي النهاية، الضجيج لا يتوقف الا بعد أن ينقطع النفس ،أو كما قال مارك توين”لن تجد الهدوء أبدا إن كان الضجيج في أعماقك”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock