دراسة تكشف جوانب مهمة من حركة النسخ في عُمان

أثير- تاريخ عمان

تلخيص: د. محمد بن حمد العريمي

 

تزخر المكتبات العلمية والخزانات الخاصة في السلطنة بالكثير من المخطوطات المتنوعة في موضوعاتها، والمتعاقبة في فتراتها الزمنية، والمتوزعة على العديد من المدن والولايات العمانية في دلالةٍ واضحة على مدى الاهتمام الكبير الذي بذله أهل عمان تجاه العلم والمعرفة، وعلى مدى الازدهار الفكري الكبير الذي ساد السلطنة في فتراتٍ عديدة من تاريخها.

وحفظت لنا كتب التاريخ الكثير من أسماء النسّاخ والمنسوخ لهم، كما أشارت إلى إسهام المرأة العمانية الواضح في حركة النسخ في دليل مهم على مدى ما كنت تتمتع به المرأة في عمان من حريةٍ فكريةٍ وعلمية أسهمت في ظهور العديد من الأسماء العلمية البارزة منهن.

ولعل إنشاء السلطنة لهيئة مختصة بحفظ الوثائق والمحفوظات، وقبلها إنشاء إدارات وخزانات خاصة في بعض المؤسسات الحكومية المهتمة بحفظ التاريخ والآثار دليل واضح على اهتمام السلطنة بهذا العلم، وعلى مدى الإرث الكبير الذي خلفه الأجداد في هذا المجال.

“أثير” تقترب في هذا الموضوع من دراسة إحصائية مهمّة لجوانب من حركة النسخ في عمان للباحث فهد بن علي بن هاشل السعدي بعنوان ” حركة النسخ في عمان – دراسة إحصائية “، وهي دراسة تم تقديمها ضمن أعمال ندوة ” حركة نسخ المخطوطات” التي نظمها النادي الثقافي في قاعة المؤتمرات بجامع السلطان قابوس في ولاية صحار في الخامس والعشرين من أبريل 2018، وتناولت عددًا من الموضوعات المتعلقة بحركة النسخ في عمان من حيث: الكتب المنسوخة، النسّاخ العمانيّون، المنسوخ لهم، زمان النسخ، مكان النسخ.

هدف الدراسة ومنهجيتها

استندت الدراسة إلى مسح أكثر من عشرين ألف مخطوط أغلبها محفوظة في دار المخطوطات العمانية، وفي مكتبة السيّد محمد بن أحمد البوسعيدي، وفي عددٍ من الخزائن العمانية الخاصة، وهدفت إلى رصد حركة النسخ في عمان منذ أقدم المخطوطات العمانية المعروفة إلى آخر القرن القرن الرابع عشر الهجري، وذلك من خلال تقديم دراسة إحصائية للنسّاخ وأكثرهم نسخا، وتوزيعهم حسب الخريطتين المكانيّة والزمانيّة، ورصد أكثر الكتب العمانية نسخا في مختلف الفنون، وأكثر الأعلام المنسوخ لهم، والنسخ المنسوخة لخزائن العلماء والأئمة ونحوهم، وتوزيعهم حسب القرون لمعرفة أكثر القرون نشاطا وحركة.

الكتب المنسوخة

نسخ العمانيون آلاف الكتب في مختلف الفنون، بعضها من تأليفهم، والبعض الآخر ليس من تأليفهم، وهذا دلالة على عدم انغلاق العُمانيين على أنفسهم، وانفتاحهم على الثقافات الأخرى.

وبحسب نتائج الدراسة فإن أكثر كتاب تم نسخه هو كتاب” الدلائل على اللوازم والوسائل” لمؤلفه الشيخ درويش بن جمعة المحروقي؛ الذي يبلغ عدد نسخه 211 نسخة، يليه ” مختصر أبي الحسن البسيوي” الذي بـ103 نسخ، ثم كتاب ” الدعائم” لأحمد بن النظر وعدد نسخه 99 نسخة، ثم كتاب” جوهر النظام” للشيخ السالمي، و”بصيرة الأديان” لعثمان بن أبي عبد الله الأصم.

والمتأمل – بحسب الدراسة- في الكتب السابقة يجد أن جميعها في علوم الشريعة، وهو العلم الذي جاءت فيه أكثر المؤلفات العمانية، وهي كذلك مختصراتٌ، يطلبها العامّي والعالِم، وبعضها نظمٌ، طاب حفظه لدى الحفّاظ، ولقي عناية العلماء بالشرح والتفسير.

وبجانب الكتب السابقة، أشارت الدراسة إلى كتب أخرى ذاعت وانتشرت، وتجاوزت نسخها المخطوطة أكثر من خمسين نسخة عمانية، منها كتابا ” الاستقامة” و” المعتبر” لأبي سعيد الكدمي، و”التسهيل في الفرائض” لأحمد بن عبدالله الكندي، و”الحلّ والإصابة” لمحمد بن وصّاف النزوي، وغيرها .

أما بالنسبة لبقية العلوم، فتوصلت الدراسة إلى أن “غريب القرآن على حروف المعجم” للسجستاني الجشمي يتصدر مخطوطات علم القرآن وعدد نسخه 19، وفي مجال مخطوطات الحديث وعلومه نجد الصدارة لكتاب الترتيب مسند الإمام الربيع بن حبيب لمرتّبه أبي يعقوب الوارجلاني، وفي مجال مخطوطات الأدب يبرز “ديوان ابراهيم بن قيس الحضرمي” ويبلغ عدد نسخه العمانية 35 نسخة، ويتصدّر مخطوطات اللغة العربية “شرح ملحة الإعراب” لناظمها أبي محمد الحريري وعدد نسخها 91 نسخة، وفي مخطوطات الطب يتصدر كتاب ” تسهيل المنافع في الطبّ والحكمة لابن الأزرق بـ35 نسخة، وفي مجال التاريخ نجد الصدارة لـ”رسالة في تواريخ العلماء ومعرفة أسمائهم وكناهم وبلدانهم” المشهورة بسيرة ابن مدّاد، وعدد نسخها 22 نسخة.

النسّاخ العمانيّون

بحسب الدراسة، فإنه يصعب حصر عدد النسّاخ العمانيين لكثرتهم، حيث وصل عدد النسّاخ في القائمة التي وضعها الباحث إلى 1579 ناسخا، يمكن ذكر أبرز خمسة أسماء منهم بحسب عدد منسوخاتهم وهم: خلف بن محمد بن خنجر الضنكي الذي بلغ عدد منسوخاته 117 مخطوطا، يليه ناصر بن سالم بن محمد الخصيبي من نسّاخ القرن الثاني عشر الهجري بـ101 مخطوط، ثم عامر بن راشد بن سالم القرواشي وله 91 مخطوطا، ثم سعيد بن خلفان بن سعيد السرّي بـ87 مخطوطا، وأخيرا سعيّد بن خميس بن سعيد الودامي من نسّاخ القرن الرابع عشر وله 80 مخطوطا.

وهناك نسّاخ آخرون تجاوزت منسوخاتهم الخمسين منهم: عمر بن سعيد البهلوي (القرن العاشر الهجري)، ومحمد بن ناصر بن سالم الخصيبي (12/13 هـ)، وخميس بن سليمان بن سعيد الحارثي (12/13 هـ)، وحميد بن عليّ بن مسلّم الخميسي (13/14هـ).

أما بالنسبة إلى توزيع النسّاخ حسب بلدانهم، فقد أظهرت نتائج الدراسة أن نزوى تأتي في المرتبة الأولى؛ إذ يبلغ عدد نسّاخها الذين رصدتهم الدراسة 153 ناسخا، تليها الرستاق حيث وصل عدد النسّاخ بها 114 ناسخا، ثم سمائل وعدد نسّاخها 97 ناسخا، والبقية يتوزعون على عدد من مدن عمان المختلفة بأعدادٍ متفاوتة من مدينة لأخرى.

أما بالنسبة لتوزيعهم حسب القرون الهجريّة فقد أشارت الدراسة إلى ظهور ناسخ واحد في القرن السادس الهجري، والقرن السابع الهجري  ناسخان، والقرن التاسع 11 ناسخا، والقرن العاشر 36 ناسخا، والقرن الحادي عشر 175 ناسخا، والقرن الثاني عشر 327 ناسخا، والقرن الثالث عشر 560 ناسخا، والقرن الرابع عشر 411 ناسخا.

مشاركة المرأة العمانية

أشارت الدراسة إلى مشاركة المرأة العمانية في نسخ المخطوطات، حيث ورد ذكر عدد من الناسخات العمانيات ومنهن: مؤمنة بنت ناصر اليحمديّة، وراية بنت عبد الله بن خلفان البيمانيّة، وعائشة بنت مسعود بن سليمان العامريّة، وموزة بنت سعيد بن علي الزكوانيّة، وشيخة بنت ماجد بن سعيد المصلحيّة، وغثنى بنت علي بن عامر الفرقانيّة، وغيرهن.

ومن النساء اللواتي تم نسخ المخطوطات لهن: السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد، والسيدة بنت سيف بن الإمام أحمد بن سعيد، وفرحا بنت علي بن محمد، وموزة بنت ناصر بن عامر، وعائشة بنت راشد الريامية، وعليا بنت عامر بن محمد الحارثية، وغيثا بنت سعيد بن محمد البروانية، وسعادة بنت عبد الله الرميسية، وغيرهن.

المنسوخ لهم

يصعب – بحسب الدراسة – حصر عدد العمانيين الذين استنسخوا الكتب لأنفسهم ولعدم التصريح بهم في بعض الأحيان، ويبلغ عدد العمانيين الذين استنسخوا لأنفسهم ما يزيد على خمسين مخطوطا العشرات، منهم: سالم بن خميس بن عمر العبري، ومحمد بن خميس بن سالم البوسعيدي، والسيّد قيس بن عزّان بن قيس، ومحمد بن سليّم الغاربي، وغيرهم.

وهناك عدد آخر من العمانيين تجاوز ما استنسخوه لأنفسهم مائة مخطوط، وعلى رأسهم : محمد بن عبد الله بن جمعه بن عبيدان، وحمود بن سيف بن مسلّم الفرعي، وصالح بن علي الحارثي، ويحيى بن خلفان بن أبي نبهان الخروصي.

ولم يكن استنساخ الكتب بحسب ما أشارت إليه الدراسة خاصا بأحد دون آخر، فقد استنسخ الأئمة والحكّام، والولاة والقضاة، والأدباء والشعراء، والفقهاء والمشتغلون بعلم الشرع، والأطباء، وطلبة العلم، والنساء أيضاً، وأوردت الدراسة نماذج لأبرز المنسوخ لهم في الفئات السابقة وكثير منهم أعلام معروفين وبارزين.

يُذكر أن الباحث فهد بن علي السعدي يُعد من أهم الباحثين العمانيين المختصين في مجال جمع وتحقيق المخطوطات العمانية في الوقت الحالي، وله العديد من الكتب والدراسات وأوراق العمل التي لا يمكن حصرها هنا ومن بينها: التاريخ السياسي والعلمي للسويق والمصنعة، فهرس مخطوطات خزائن وقف بني روح، وفهرس مخطوطات خزانة الشيخ حمد بن سيف بن عبد العزيز الرواحي، وفهرس مخطوطات خزانة الشيخ حمود بن حميد بن حمد الصوَّافي،معجم الفقهاء المتكلمين الأباضية (قسم المشرق)، وتعليقات علماء عمان على كتاب عيون الأخبار، ودراسة إحصائية لتراث الشعر العماني، وطرق انتقال المخطوطات العمانية إلى الخارج، وسيرة الشيخ جميّل بن خميس السعدي وعصره، والسمات المنهجية لفقه الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، وغيرها من الكتب والدراسات والتحقيقات.

المرجع:

السعدي، فهد بن علي. حركة النسخ في عمان-دراسة إحصائية، ضمن أوراق عمل كتاب ندوة “حركة نسخ المخطوطات في عمان”، دار الفرقد،دمشق،2019.

  • نماذج الوثائق من شبكة المعلومات العالمية “الانترنت”

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock