به قطع أثرية مهمة: تعرّف على تفاصيل أحد أهم المواقع التاريخية في السلطنة

أثير – ريما الشيخ

تميّزت بعبق تاريخها، وألبستها السنين جمالًا صاغتهُ بسورها وقِلاعها، إنها ولاية بهلاء، الدرة الخضراء، جمعت بيئتها بين خصوبة السهل ووعورة الجبل، فهي عبارة عن سهل واسع منبسط تحيط به الجبال، تقع على ارتفاع 1600 قدم عن سطح البحر، وتبعد عن العاصمة مسقط حوالي 208 كم.

اتخذت من قلعتها وسورها شعارًا لها، وتعد من أهم المواطن الأثرية في السلطنة، فنظرًا لأهميتها التاريخية أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، لأنها ضمت الكثير من القلاع والحصون التاريخية التي يرجع تاريخ بناء بعضها إلى العصر الجاهلي.

صورة عامة لـولاية بهلاء

في سطورنا القادمة سنتطرق إلى أهم المواقع الموجودة في ولاية بهلاء ألا وهو موقع حصن سلّوت الأثري الذي اكتشفته بعثة هارفارد عام 1974 وقد سمّته (بهلاء بي بي-15) وبعد ذلك بفترة قصيرة جاءت البعثة البريطانية بقيادة بياتريش دي كاري وعثرت على شواهد أثرية سمّتها سلّوت 38 وسلّوت 39.

سلّوت قبل الحفريات

ويعد موقع حصن سلّوت الأثري والمنطقة المحيطة به أحد أهم المواقع الأثرية العُمانية والذي يعود تاريخه إلى فترة الألف الثالث قبل الميلاد فهو على عمق وعراقة الإرث الحضاري العُماني ببعده الأثري والتاريخي كأحد المواقع المبكرة لاستخدام نظام الأفلاج في عُمان، وكونه مسرحًا للأحداث التاريخية عن بداية عهد عربي جديد في ربوع أرض عُمان بانتصار مالك بن فهم الأزدي على الفرس (البارثيين) في معركة سلّوت.

سلّوت بعد موسم حفريات البعثة في عام 2009م

وخلال الفترة 2004- 2009م، أشارت أعمال المسح والتنقيب والترميم التي تمت في الموقع من قبل البعثة الأثرية الإيطالية التابعة لجامعة بيزا وبإشراف من السلطنة، إلى أن فترة استيطان موقع السلّوت تعود إلى العصر البرونزي المبكر في بدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد بالإضافة إلى مرحلتين من البناء يعود تاريخهما إلى ما بين النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد ومنتصف الألفية الأولى (العصر الحديدي الأول والثالث)، كما توجد مستوطنة من العصور الوسطى (الإسلامية) تعود للقرن الثاني عشر الميلادي.

مدفن من العصر البرونزي
مواضع لمطاحن الرحى تعود إلى فترة العصور الوسطى الإسلامية

وقد أدت أعمال التنقيب إلى العثور على أعداد كبيرة من القطع الأثرية المهمة والتي يعرض قسم منها في متحف أرض اللبان بصلالة، مثل: المغرفتين، المرجل البرونزي، وخنجر برونزي، ورؤوس سهام، ومجسمات الأفاعي الكاملة البرونزية والفخارية، التي تظهر على السطح الخارجي للمزهريات الفخارية، ومن أحدث المواد الأثرية التي تم استخراجها من موقع سلّوت ختم يشير إلى وجود نظام إداري قديم.

الثعابين البرونزية
ختم هرمي الشكل
مجموعة رؤوس سهام من البرونز

أما الحفريات الأثرية الأخيرة فقد دلت على عراقة سلّوت وأصالتها كونها قلب حضارة مجان في عمان التاريخية. كما أكدت وجود تواصل حضاري بين سلّوت وحضارات العالم القديم في الألفية الثالثة قبل الميلاد، فقد تم العثور على أدلة للتواصل الحضاري مع حضارات العالم القديم مثل حضارة وادي الأندوس، وبلاد فارس، وبلاد الرافدين.

ومن أهم الاكتشافات التي تمت خلال الحفريات الأخيرة بنهاية عام 2015م هي الكشف عن جدار صخري ضخم يرجع إلى فترة العصر الحديدي كان جزءًا من مستوطنة ضخمة: “مدينة سلوت القديمة”، وبفضل أعمال الحفريات اتضحت معالم المدينة بشكل أكبر؛ فقد عُثر على عدد من المباني تفصل بينها الشوارع الضيقة، كما تم بناء مصاطب صخرية في محيط الهضبة بأسرها. وبُنيت المدينة على الهضبة الصخرية، والسهل المحيط بها، مُشكلةً مجموعة من المساطب الحجرية الضخمة والمنازل ونظام تصريف مياه الأمطار، الذي تم تخطيطه على نمط معماري يدل على عبقرية الإنسان العماني القديم.

المساطب في الجانب الشمال الشرقي من الموقع

وقد كشفت إحدى الحفر الاختبارية في أكبر المساطب في المدينة عن وجود تربة محفورة، وبالتالي ربما كانت مؤشرًا على زراعة الأراضي، حيث قام العُمانيون القدماء بتشكيلها عن طريق بناء الجدران المحيطة ثم إعادة حشوها بالتربة للوصول إلى سطح مستوٍ. ولا تزال الحفريات مستمرة في مسطبة ضخمة بنيت على السفح، وعثر فيها على ما يمكن تسميته بالصهريج الكبير أو البئر، ووصلت الحفريات حتى الآن إلى عمق أكثر من 8 أمتار.

كما توجد عدة عناصر (كالتخطيط الواسع للمستوطنة، وانتظام المباني، والشبكة الداخلية للممرات والشوارع، ونظام تصريف مياه الأمطار، ووجود الأماكن المحصنة، واحتمالية وجود المباني التخصصية) تؤشر إلى وجود مشروع تخطيط متطور في قاعدة بناء المستوطنات. وهذا النظام الرائع للتخطيط، يدل على أن سلّوت كانت مركزًا متحضرًا.

القناة المفتوحة لنظام الفلج

وكشفت الأدلة والمعثورات الأثرية في مدينة سلّوت على وجود مبانٍ ومناطق تخصصية ارتبطت بالحرف والممارسات اليومية لسكان المدينة، منها منطقة تحتوي على حفر الأفران التي كانت على الأرجح تستخدم في صناعة النحاس، واكتشاف جرتين فخاريتين تحتويان على ما مجموعه 36 كيلوجرامًا من بقايا النحاس والسبائك في إحدى الغرف، مما دل على أهمية هذه الأنشطة في الموقع.

جرتين فخاريتين

وأدت الحفريات الأخيرة في محيط المدينة إلى الكشف عن مجمع للمدافن، حيث تم التنقيب في 30 مدفنا، وقد تم بناء أحد المدافن على أساسات حجرية تعود إلى فترات أقدم. واحتوت هذه المدافن على معثورات أثرية ارتبطت بمظاهر الترف والبذخ كأواني الشرب البرونزية، أهمها الإناء ذو المصب على شكل الحصان، وإناء آخر على شكل حيوان هجين بوجه بشري، بالإضافة إلى الزمزميات وجرار التخزين، والأواني النحاسية، والأواني الزجاجية الرومانية، ومجموعة كبيرة من السيوف ورؤوس السهام والحراب الحديدية والبرونزية، وهو ما يدل على أنها مدافن مخصصة للمحاربين ارتبطت بمعركة حربية قامت في سلّوت. كما تؤكد المعثورات في هذه المدافن الجديدة وجود تواصل حضاري بين سلّوت وحضارات العالم القديم، كحضارة بلاد الرافدين، وبلاد فارس، واليمن، والامبراطورية الرومانية.

الإناء ذو المصب على شكل الحصان

 

 

السيوف
الأواني الزجاجية

وكذلك تم الكشف عن مجموعة من المدافن البرجية على المرتفعات المحيطة بمدينة سلّوت الأثرية وبأشكال مختلفة، كما تم الانتهاء من ترميم عدد منها للحصول على فهم أكبر حول أصول المواد التي تحتويها وعرضها للمختصين وغير المختصين.

ويؤكد استمرار الاكتشافات الأثرية في سلّوت ثراء تراثها الثقافي الذي يعود لعصور مبكرة من الحضارة الإنسانية، كما يوحي الموقع الأثري في سلّوت على بُعد الزمان وقوة وطاقة وإرادة الإنسان العماني منذ تلك العصور في بناء الأنظمة الحضارية.

المراجع:

الموسوعة العمانية / المجلد الخامس ز- س
الموسوعة العمانية / المجلد العاشر ن- ي
الموسوعة العمانية/ المجلد العاشر ن – هـ – و – ي
الموسوعة العمانية / المجلد الخامس ز – س
الموقع الإلكتروني لوزارة الإعلام – البوابة الإعلامية – سلطنة عمان
سلّوت 2004- 2009م / الناشر : مكتب مستشار السلطان للشؤون الثقافية / سلطنة عمان 2010م

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock