باحث يكشف معلومات مهمة عن الرحلات البحرية العُمانية إلى الصين

أثير- تاريخ عمان

تلخيص: د. محمد بن حمد العريمي

 

نتيجة للتفوق الملاحي العماني، وشهرة أهلها في هذا المجال، وحبهم للمغامرة وتحمل الصعاب، فقد ارتبطت الحضارة العمانية بعلاقات حضارية متنوعة مع العديد من حضارات العالم الحديثة والقديمة، القريبة والبعيدة، ومن بينها الحضارة الصينية التي ارتبط معها الملاحون العمانيون بعلاقات قديمة تعود إلى القرون الميلادية الأولى، دلّلت على مقدرة الملاح العماني على تحدي الصعاب، والوصول إلى مناطق يعد الوصول إليها إنجازا عظيما في وقتٍ كانت فيه أدوات الملاحة بسيطة، والمخاطر هائلة.

أثير” تعرض في هذا التقرير لورقة عمل بعنوان “الرحلات البحرية العمانية إلى الصين”  للباحث الشيخ حمود بن حمد بن محمد الغيلاني، تم تقديمها على هامش فعاليات ملتقى الصحافة العماني- الصيني الذي استضافته العاصمة الصينية بكين في الفترة من 10 وحتى 12 من شهر سبتمبر الجاري، وتسلّط الضوء على العلاقات العمانية الصينية منذ أقدم العصور، حيث تناول الباحث فيها عدداًمن العناوين؛ بدأها بمدخل عن التاريخ البحري العماني، ثم تاريخ صناعة السفن في عمان، ثم المبحث الأول التي ناقش العلاقات العمانية الصينية عبر التاريخ، والمبحث الثاني الذي سلّط الضوء على الرحلات البحرية من الموانئ العمانية إلى الموانئ الصينية، وأخيرًا المبحث الثالث الذي تناول الطرق البحرية التي سلكتها السفن العمانية في رحلات إبحارها إلى الموانئ الصينية.

مدخل للتاريخ البحري العماني

 

تتبع الباحث علاقة العمانيين بالبحر وبالحضارات المجاورة منذ أقدم العصور، وأتى بالعديد من الإشارات التي تؤكد ذلك من نتائج اكتشافات  تعود بتاريخ الحضارة العمانية إلى الألف الرابع قبل الميلاد، كما اتفق الكثير من المؤرخين على أن العلاقات العمانية الدولية تعود إلى الفترة التاريخية السابقة نفسها، فقد ارتبطت عمان التي عرفت في تلك الفترة باسم (ماجان ) مع حضارات وادي السند (موهينجو دارو) و (هارابا)، وحضارات وادي الرافدين ( المتعاقبة، وقبلها مع الحضارة العبيدية، وارتبطت أيضا مع الحضارة الفرعونية، وخاصة مع تحتمس الثالث، والملكة حتشبسوت.

وأشار الباحث إلى أنه مع بداية الحضارة الإسلامية وظّف الخلفاء الراشدون خبرة عمان الملاحية، فأسهم العمانيون في الفتوحات الإسلامية من خلال السفن العمانية إلى بلاد فارس والهند، وفي عهد الأئمة قام الأسطول البحري العماني بتعقب القراصنة الهنود والأحباش وغيرهم، مما ساهم في استقرار الأوضاع في المحيط الهندي فنشطت التجارة البحرية بين عمان والهند والصين وشرق إفريقيا.

كما أشار إلى دور الأسطول العماني في عهد اليعاربة بعد تحرير عمان من البرتغاليين، حيث توسع النشاط البحري للأسطول العماني وتتبع البرتغاليين إلى الهند وشرقي إفريقيا، وقام بتحرير ممباسا عام 1695 .

وبعد قيام دولة البو سعيد عام 1741م، استمر النشاط البحري العماني في تأمين المحيط الهندي للتجارة الدولية عموما، وامتداد الإمبراطورية العمانية في عهد السيد سعيد بن سلطان الذي جعل من زنجبار عاصمة ثانية للإمبراطورية.

صناعة السفن في عمان                     

يرى الباحث أن علاقة الإنسان العماني بالملاحة البحرية لم تبدأ من فراغ ، فقد كان للملاحظة والمشاهدة أثرها في توجيهه نحو البحث عن وسيلة تساعده على عبور البحار، وكانت البداية أن اهتدى إلى العوامة الجلدية   Skin Roft أولا ثم الكنو الشجري augout cane  وهو ما يقصد به الحفر في جذع شجرة  يكون على شكل حرف U اللاتيني ، و بطبيعة الحال فإن العمانيين أسوة ببقية الشعوب والأمم في تلك الفترة التاريخية لم يستعينوا في صنع سفنهم بالمخططات والرسومات ، بل كان اعتمادهم على الفطرة والذاكرة والمخيّلة الراقية لبناء السفن.

 

ويشير الباحث إلى أن السفينة العمانية القطمران تعد أقدم أنواع السفن التي صنعها العمانيون التي ذكرها المؤرخون، وتتكون من عدد من الألواح تُصَف فوق بعضها البعض، ويعود تاريخ صنع هذا النوع إلى الألف الخامس ق . م، وقارب القطمران يتكون من لوحين أو ثلاثة الواح.

 وبحسب الباحث؛ فقد تفوق العمانيون في صناعة السفن منذ أزمان بعيدة، وكانوا يصدرون القوارب المخيطة المعروفة باسم (مدراتا) المدرعة إلى بلاد العرب كما يرد ذلك في العديد من المصادر.

 

 ومرت صناعة السفن الشراعية في عُمان بمراحل متعددة لتصل إلى ما وصلت إليه حتى بداية النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، فبدأً من السفن المصنوعة من جذوع النخيل أو سعفه أو البوص، إلى القوارب المحفورة حفرا كالهوري فالسفن المخيطة حتى وصلت السفينة الى صورتها الحالية كسفن البغلة والغنجة والسنبوق والبوم، وعرفت عمان عبر تاريخها ما يزيد على 44 نوعا من السفن بمختلف أحجامها وأنواعها.

 

العلاقات العمانية الصينية عبر التاريخ

أشار الباحث إلى أن تاريخ وصول السفن العمانية إلى سواحل الهند الغربية يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد من خلال علاقاتها مع حضارات وادي السند وغيرها، والوصول من بعد ذلك إلى أقصى جنوب الهند و تحديدا إلى بحر الهركند وهو الجزء الممتد من سرنديب (سيلان – سريلانكا ) إلى أول خليج البنغال.

كما أن الوصول الصيني إلى عمان وما بقربها من دول يعود إلى فترة مبكرة من التاريخ حيث يقول البروفيسور (Zhang Who) عن كتاب Hou Han Shu): ” لقد اتجهت غربا من آن- كسي ( ايران ) وقطعت مسافة 400 لي حتى وصلت إلى عُمان”.

ويرد في العديد من كتب العصر الاسلامي مثل بزرك بن شهريار، و المسعودي الذي يقول:” الجهاز إليها في هذا الوقت من عمان”، وكان من رواد البحر العمانيين ممن ترددوا على ميناء (كله بار) النوخذا اسمعيلويه عام 317 هـ/ 929 م، وجعفر بن راشد ابن لاكيس، ومردان شاه، ومحمد العماني، وعمران الاعرج.

شخصيات تجارية

أورد الباحث حمود الغيلاني مجموعة من الشخصيات العمانية التجارية التي كان لها تواصل حضاري مع موانئ الصين، ومنها: أبو القاسم عبد الله البسيويالذي كان تاجرا كبيرا وكان مقربا من الامبراطور، وقد تم تعيينه ضابطا للهجرة وهو منصب إداري كبير حينها، ويعد مصدرا مهما من مصادر الموازنة المالية للصين في ذلك الوقت.

والنضر بن ميمون الذي قال عنهالشماخي في سيره بأنه كان من خيار التجار المسلمين، وسعيد العماني الذي كان وزيرا لدى أسرة وان.

كما أورد الباحث نماذج لربابنة السفن العمانيين الذي وصلت سفنهم إلى بلاد الصين وما حولها ومنهم: النوخذا أحمد بن عبد الله الزرافي، والنوخذا إسحاق العُماني، والنوخذا / إسمعيلويه بن إبراهيم بن مرداس، والنوخذا جمعة بن سعيد الصوري، والنوخذا  خواشير بن يوسف بن  صلاح الأزكي، والنوخذا سالم بن سعيد أبا جابر ( ويذكر ايضا جبر)، والنوخذا سعيد بن محمد بن راشد آل فنه العريمي، والنوخذا  محمد العماني، والنوخذا  محمد بن عبد الله بن جمعه الصوري، والنوخذا مردان شاه العماني، والنوخذا / كاوان العماني

 

الرحلات البحرية من الموانئ العمانية إلى الموانئ الصينية

تعددت الموانئ العمانية التي انطلقت منها رحلات السفن العمانية إلى الصين وفق مسارها التاريخي وفترة نشاطها التجاري، ومن أهم هذه الموانئ: ميناء صحار الذي اتفقت العديد من المصادر التاريخية على أهميته في الاتصال العماني الصيني وعرف لدى الصينين باسم (ووشيوان )، وميناء مسقط  الذي ورد اسمه في العديد من المصادر، حيث يرد أن السفن العمانية بعد انطلاقها من صحار تتجه إلى مسقط في أولى محطاتها ، كما أن هناك العديد من الرحلات للسفن العمانية انطلقت مباشرة من مسقط إلى الصين.

وهناك ميناء سمهرم الذي شهد العديد من الرحلات للسفن العمانية أو سفن أخرى من اليمن أو مصر، وميناء صور الذي بدأت علاقة سفنه بالصين – كما يرى الباحث – في العصر الحديث وتحديدا أوائل القرن الثامن عشر، حيث نشطت رحلات السفن العمانية من ميناء صور إلى جنوب شرق آسيا عموما ومن بطبيعة الحال الموانئ الصينية، وميناء مرباط الذي عرف نشاطا تجاريا نشطا في العصر الأسلامي في جنوب عمان، وبالتالي يعد الميناء الذي كانت تصدر منه اللبان إلى الصين وغيرها من دول آسيا، وقد عرفت عند الصينيين باسم ( ووبا).

الموانئ الصينية التي وصل إليها التجار العمانيون

بحسب البحث؛ فقد تواصل العمانيون مع العديد من الموانئ الصينية وإن اختلفت أهمية كل ميناء من حيث عدد الزيارات أو التركيز على التفاعل التجاري بين الجانبين العماني والصيني، ومن أهم هذه الموانئ: كانتون، ويان جو، وهانغ جو في جيكيانغ،  ولوقين ( تونكين).

الطرق البحرية التي سلكتها السفن العمانية

رصد الباحث الغيلاني خمسة مسارات سلكتها السفن العمانية في رحلاتها إلى الصين، وهي: المسار الأول الذي ينطلق من موانئ عمان إلى السواحل الشرقية لبحر عمان ومنها إلى الهند ثم عبر مضيقتوليكورين ( سرنديب) ، ثم الإبحار بمحاذات سواحل خليج البنغال حتى الوصول إلى ملقا ومنها مرورا على موانئ تايلاند وفيتنام وصولا إلى الموانئ الصينية.

أما المسار الثاني فينطلق من موانئ عمان إلى سورات ومنها يكمل مساره على بقية المسار الأول نفسه ، وفي المسار الثالث يتم الإبحار من موانئ عمان الجنوبية كميناء سمهرم نحو رأس الحد ومنها الإبحار إلى سورات، أما في المسار الرابع فيتم الإبحار من موانئ عمان إلى موانئ الهند الجنوبية مثل كولم ملي ومن هناك إن أراد الاتجاه مباشرة إلى خليج ملقا يدور حول جزيرة سرنديب ومنها إلى ملقا، وينطلق المسار الخامس من موانئ عمان إلى سرنديب ومنها إلى ملقا فالصين.

الصادرات والواردات

رصد الباحث مجموعة من الصادرات والواردات خلال التبادل التجاري بين الطرفين؛ فمن أهم الصادرات: منسوجات التيل، والقطن، والصوف، والسجاد، وخام الحديد، وسبائك الذهب والفضة، واللبان، وماء الورد، ودم الاخوين، واللؤلؤ، والتمور مثل الفرض والمعين والبلعق والتبي والخبوت.

أما أهم الواردات فهي الحرير، والخزف، والمسك، والعود، والخولنجان، والسروج، والدارصيني، والذهب، والفضة.

ولاحظ الباحث أن تجار مسقط استطاعوا بنهاية القرن التاسع الميلادي أن يخلقوا علاقات تجارية ودية بينهم وبين سكان مدينة Guang Zhou بل إن الكثيرين من هؤلاء التجار اتخذوا زوجاتهم من الصين.

يُذكر أن الباحث الشيخ حمود بن حمد الغيلاني يُعدّ من أبرز المهتمين بقضايا التاريخ العماني بشكل عام، وتاريخ الملاحة البحرية بشكل خاص، وهو خبير دراسات تاريخية بوزارة التراث والثقافة، وله العديد من الإصدارات المطبوعة من بينها: كتاب (سنّة النواخذة )، وكتاب ( أسياد البحار )، وكتاب ( تاريخ مدينة صور البحري المروي) بالتعاون مع الدكتور محمد بن حمد العريمي، وكتاب ( ولاية صور)، وكتاب (التاريخ الملاحي وصناعة السفن في مدينة صور العمانية )، وروايات جوهرة صور ، وسلطان، والمكري.

كما قدّم العديد من البحوث وأوراق العمل في المؤتمرات والندوات المختلفة التي شارك بها، ومن بينها: أسياد البحار، والعلوم البحرية وصناعة السفن في سلطنة عمان، والقوة البحرية في عصر اليعاربة ودورها الحضاري، والأسطول البحري العماني وأثره في العلاقات العمانية الإفريقية، وثقافة البحر وتاريخ الملاحة البحرية بسلطنة عمان، والتبادل التجاري بين الموانئ العمانية – اليمنية وأثرها في الملاحة العالمية، كما كانت له العديد من المشاركات الإذاعية منها: ظهوره كضيف في أربع حلقات من برنامج “الصواري”، وبرنامج “من التاريخ العماني”، والعديد من المداخلات والحوارات الإذاعية والتلفزيونية الأخرى.

المرجع

الغيلاني، حمود بن حمد. الرحلات البحرية العمانية إلى الصين، ورقة عمل مقدمة إلى ملتقى الصحافة العماني- الصيني، بكين، 10 سبتمبر 2019.

 

*الصور من أرشيف الباحث الشيخ حمود بن حمد الغيلاني

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock