د. سالم بن سلمان الشكيلي يكتب: صدق في واحدة وهو الكذوب

أثير- د. سالم بن سلمان الشكيلي

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم آياته، في سورة لقمان الآية ١٩ : ” واقصد في مشيك واغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير ” أي أقبح الأصوات وأشدّها نشوزا لصوت الحمير، لأنّ أوله شهيق وآخره زفير ، وفي هذه الآية حقيقة علمية إذ حاول العلماء أن يأخذوا من صوت الحمار نغمة واحدة فلم يتمكنوا، فيما يوجد اليوم علم يُدرس اسمه علم التلوث السمعي فيؤذي أذن الإنسان مثل أصوات الطائرات والبواخر والمركبات مضافا إليها أصوات الحمير ، واللافت للنظر أيضا أنّ الحمار مهما أوجعته ضربا بالسياط يظل حمارا يتحمل بلا منازع الضرب والإهانة ، أما الغباء فتلك أيضا صفة لصيقة به ، فالحمار حمار ولو بين الخيول رَبَى .

وبالرغم من أنّنا – كعمانيين على وجه العموم – وبالتالي شخصي الضعيف ؛ لا نردّ على كل ناعقة فوق جبل، ولا على ناهقة في زريبة، ولا على نابحة في كوخ بباب سيدها، إلا أنه في بعض الحالات لا بدّ من إخراس بعض الأصوات. وكان من اللزوم بداية هذا المقال بهذه المقدمة البسيطة عن الحمار؛ لأنّ بعض الأشخاص رغم أنهم محسوبون من البشر لكنهم في تفكيرهم كما قال المولى عز وجل ” إِنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ”، فهم ينقادون لمن يركب على ظهورهم ، للوصول إلى أهدافٍ يرمونها ، من دون بصر ولا بصيرة .

إنّ الذي يقصده هذا الحديث، اعتاد منذ فترة ليست بالقصيرة الهجوم على سلطنة عمان وشعبها، تارة يخرص بما لا يفهم في المواقف السياسية للسلطنة من مواقفها المعلنة والصريحة والواضحة التي يعرفها القاصي والداني، حول بعض الأحداث الإقليمية وخصوصا المتعلقة بالحرب في اليمن الشقيق ، وتارة يهذي عن الوحدة الوطنية العمانية والولوج من باب المذهبية الذي ترفضه عُمان قانونا ودستورا ومجتمعًا وعُرفا ودينا ، مهاجما رمزا من رموز هذا البلد المتماسك كالبنيان المرصوص ، ألا وهو سماحة المفتي العام للسلطنة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله ، الداعي دائماً إلى الوحدة والألفة بين عموم المسلمين ، هذا الرجل المتسامح الورع الذي يحظى بتقدير واحترام العلماء والفقهاء في كل دول العالم ، حتى المختلفين معه في الرأي ، فليس مثل الخليلي من يوجد في الأمة الإسلامية في اعتداله ورحابة وسعة صدره في الحوار واحترام الآخر ، وتارة ثالثة وقد أعيته الحيل ، وانقطعت به السبُل ، ذهب هذا الخسيس إلى محاولة الدخول عن طريق إثارة المناطقية ، وهيهات هيهات أن يجد ثقب إبرة لينفث منه سمومه وخبثه وعهره الموجّه لضرب الوحدة الوطنية العمانية.

لم يدخر عملاً شريراً إلا وفعله من خلال خطة ممنهجة وموجهة شاهدة للعيان ، بأنّ المبتغى والمقصد منها الضغط على القرار السياسي العماني على غرار ما يتم فعله في بلدان أخرى من الدول العربية، وغباؤه ومن يقف وراءه ، أنهم لم يفهموا حتى الآن حكمة ومصداقية وصلابة الموقف العماني وأنه ينطلق من مبادئ وقناعات ثابتة ليست قابلة للمساومة للبيع والشراء حتى بملء الأرض ذهبًا ، وهو أيضا محصن من الابتزاز والضغط والتهويش ، لأنّ العماني ليس من أصله وطبعه الاستسلام أو الرضوخ لأي كان ، عاش شامخاً مرفوع الرأس وهامته تتجاوز السحاب ، مؤمنا بوطنه ورسالته التي تدعو للمحبة والسلام والوئام . ولكن لا تفقهون .

إنّ السؤال اللافت والمحيّر للجميع ، هو لماذا التركيز واستهداف عمان بعينها ، علماً بأنّ العالم الإسلامي يضم ما يقارب اثنتين وخمسين دولة ، وعدد محدود منها يعد بأصابع اليد الواحدة مع التحالف ضد اليمن ، وتأييدها لذلك إمّا خوفاً وإمّا طمعاً في دراهم معدودة ، وفيما يتعلق بالدول العربية، فالمعروف للعالم أجمع ليس منها من تدعم التحالف ضد اليمن دعما حقيقيا وفعليا ، فلا دول المغرب العربي مع التحالف ولا سوريا والأردن والعراق والكويت وقطر وفلسطين والصومال مع التحالف ، وحتى مصر الشقيقة الكبرى فهي وإن بَدَت نظرياَ تؤيد التحالف لكنها رفضت المشاركة العسكرية في حرب اليمن ، فلماذا كل هذه الضجة والمؤامرات والهجوم بمناسبة وبدون مناسبة ضد عمان وشعبها .

عمان أعلنتها وتعلنها صراحة وعلناً دون خوف أو وجل أنها لن تدخل في حرب أو تحالفات أوتحزبات ضد أحد ، انطلاقاً من مبدأ ثابت وراسخ بأن الحروب دمار وخراب وقتل وتشريد وتجويع وتهجير ، ومن حق البشرية أن تنعم بالحياة والعيش في سعادة والاستفادة من رفاهية الحياة ، كما تنعم به شعوب العالم الأخرى ، مبدأ عمان واضح وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، فكل شعب أعلم واحرص على مصالح وطنه ، وهم أولى بالجلوس والحوار مع بعضهم البعض دون تدخل من أحد .

فلتفهم يا هذا:، أن عمان تلتزم بمبدأ الحياد الإيجابي الفاعل ، الذي يُؤلف ولا يُفرق ، ويُوحد ولا يُشتت ، ويُصفي النفوس ويُؤلبها ، ليتك تفهم وتفقه ومن يدفعك دفعاَ للنَّيل من عمان وشعبها ورموزها وقياداتها ، هذه المعاني السامية التي تتبرأ من أفعالكم وممارساتكم المجنونة، نعم عوا واعقلوا فإنّ عمان لن تشارك في قتل أشقائها ، ولن تُشرّد جيرانها ولن تُهجّر أو تُجوّع أصهارها ، ما تتمنونه لن يحدث ولن يحصل ما دامت السماوات والأرض باقية ، سواءً على اليمن أو على أي دولة أخرى . إنها عمان ، هذا الاسم الذي يقهركم ويزلزل كيانكم .

لن نعادي أو نبدأ أو نخوض حرباًمع أحد إلا في حالة الدفاع عن أرضنا وسيادتنا واستقلالنا وضد من تغويه أو تغريه نفسه للعبث أو الاعتداء على مقدراتنا ومكتسابات نهضتنا ، وهذا ليس من قبيل التهديد والوعيد ، نحن نفعل فعل الرجال أمثال المهلب بن أبي صفرة والجلندى بن مسعود وأئمة اليعاربة وسلاطين الأسرة البوسعيدية ، بلادنا وسيادتنا ووحدتنا ورموزنا الدينية والوطنية خطوطٌ حمراء ، فالحذر الحذر من التمادي ، فالصبر والحلم وإن كانا من شيمنا ، لكن تبقى له حدود ، وكما يُقال ” اتق شرّ الحليم إذا غضب أو أهنتَه ” .

ليكن معلوما ومفهوما لديك، أن الشعب العماني على دين الإسلام، ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم إباضية وسنة وشيعة يًمثلون جميعهم قمة ومنتهى الاعتدال والتسامح ، فلا مذهبية تفرقهم ولا طائفية أو عصبية جاهلية تبعثرهم كما بعثرت غيرهم ، كفّوا عن الضحك على الناس فعمان سنة وشيعة وإباضية على دين واحد وعلى ألسنتهم وقلوبهم وأفئدتهم وعقولهم حب عمان وحب سيد عمان ورمزها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله، السني والإباضي والشيعي وحتى غير المسلم أمام القانون والحقوق والواجبات سواء ، فتراهم شركاء في كل موقع من مواقع العمل لا تمييز ولا تمايز بينهم ، وسيبقون كذلك إلى أن تقوم الساعة ، فاحفظ لسانك، عن السنّة في عمان قبل الإباضية ، وعن الشيعة قبل الإباضية ، واحفظ بذاءات لسانك عن سماحة الشيخ العلامة الخليلي مفتي عمان ، وإن كنت حقاَ حريصاً على السنّة كما تدعي فاحرص عليهم في البلدان التي يقتلون ويذبحون ويشردون منها ، ودع عنك الاسطوانة المشروخة والكلام الممجوج الذي تكرره ، فلن يصدقك أحد حتى الذين يدفعون لك ثمن تخاريفك .

وموضوع الأهلة الذي هلكت نفسك بترديده ، ألم تقرأ قول الله عز وجل ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس .. ) وهي تختلف من مصر إلى آخر ، وعلماء المسلمين لهم آراء فيها ، ويكادون يتفقون مع ما ذهب إليه فضيلة الامام الشيخ الشعراوي الذي قال : بأنّ الأهلة تختلف من بلد إلى آخر كما هو حاصل في اختلاف مواقيت الصلاة، أم هي فقط العداوة والبغضاء والحقد الذي تمكن منك ، وهل سلطنة عمان الدولة الوحيدة التي جعلت من رؤية الهلال حقيقة لا تخريصا ووهماً حكماً فاصلاً حاسماَ لدخول الشهور ، وهل المغرب وهي دولة عربية إسلامية شقيقة يحكمها إباضية ، ثمّ إنّ موريتانيا وباكستان وبنجلاديش وإيران خلعت عنهم صفة الإسلام ، حتى مصر الشقيقة الكبرى خالفت رؤية المملكة العربية السعودية في بعض الأحيان ، شيء مستغرب أن يكون تركيزك على عمان ، وكأنها ارتكبت جُرماً لا يغتفر حينما طبقت شرع الله. لكنها عمان التي أرهقتكم بثوابتها ومبادئها ، فلتموتوا بغيظكم .

وعمان ليست دولة فقاقيع ، أو ظهرت فجأة ، تحكمها ثلة طائشة ولا هي حدث عارض ، بل هي دولة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، فاقرأ جيداً يا عرة المثقفين والسياسيين والمحللين – إن حسبت نفسك منهم – في كتب التاريخ والجغرافيا تنبئك من تكون عمان ومن يكون شعبها ، واترك عنك الهرطقات والخزعبلات ، فعمان ستظل وحدة واحدة ، في ترابها من ظفار إلى مسندم ، ومن مسقط إلى البريمي نسيجها واحد وحبة رمل واحدة من ترابها تفديها أرواح العمانيين ودماؤهم .

أما فيما يتعلق بالعلاقات العمانية الإيرانية فهي في العلن وليست في السرّ ، تقوم على مبادئ الأخوّة في الدين وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون، وعلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار ، وزيارات المسؤولين العمانيين تعلن على شاشات التلفاز ووسائل الإعلام العربية والدولية، وليست في الخفاء أو جنح الظلام كما يفعل غيرنا ، وإذا أردنا مجادلتك بلغة الأرقام إن كنت تفهمها ، فالدولة التي تقيم فيها أكثر وأوثق علاقة بإيران، فقد احتلت الترتيب الثاني عالمياً والأول عربياً من حيث قيمة التبادل التجاري ، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري ما يفوق السبعة المليارات دولار ، ناهيك عن عدد المستثمرين والعمالة الايرانية الموجودة ، فلتكفّوا عن خداع الناس والضحك عليهم بشعارات رنانة وكلمات زائفة ، تارة باسم المذهبية البغيضة وتارة باسم التمدد الإيراني في المنطقة ، وشخصياً أرى كما أنتم منغمسون في قضايا اليمن والصومال وسوريا وليبيا ولبنان والسودان ، فإيران تمارس ذات الدور في العراق وسوريا واليمن ولبنان ، ومن هنا فجميعكم واقع في الخطيئة وليس فيكم من هو أفضل من الآخر ، اتركوا شعوب هذه الدول تقرر مصيرها وكفى عبثاً بمقدراتها ، وفسادا في أراضيها .

قلت في حديثك الأخير ما قلت وكله أنت كاذب فيه ، إلا عبارة واحدة نوافقك عليها ، وهي انكشاف الأوراق ، نعم انكشفت الأوراق وبان الغدر وظهرت الخسة والنذالة ، وارتسمت أمام أعين الناس حبكة المؤامرات والدسائس التي تحاك في السر والعلن لتقويض الأمن والاستقرار في عمان الصامدة في مواقفها الشامخة ، بقامات رموزها وشعبها الراسخة بمبادئها ، وما هذا الذي تفعله إلا كيد ساحر ، والحقيقة التي غابت عنك ، أنه لا يفلح الساحر حيث أتى .

لا عتب عليك ، ولكنّ العتب على جيراننا الذين سمحوا لك ولأمثالك بهذا الهجوم المتكرر على عُمان وسلطانها وشعبها، فآووك في أرضهم وسمحوا لك ببث سمومك ، ولقد تعمدت عدم ذكر اسمك لأنك لا تستحق ذلك، وأنت تعرف نفسك ومضمون وموضوع المقال يُجزي، ولعلك تدكر وتعود إلى رشدك وصوابك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock