د.رجب العويسي يكتب: موقف التعليم من حالة القلق وفقدان الأمل في حياة الأجيال

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

ينطلق طرحنا للموضوع من الدور المفترض للتعليم في ترقية النوازع النفسية وبناء فرص الامل  في الحياة، إذ الأصل في التعليم أنه مسار للبحث في العمق البشري ودراسة التغيرات التي تحصل فيه، وإيجاد ممكنات فكرية ونفسه ووجدانية يستطيع من خلالها أن  يتكيف مع واقعه ويتعايش مع معطياته ويتجاوب مع مستجداته، ويخلق مساحة أمان  يستطيع من خلالها النفاذ إلى العوالم الأخرى وفهم موقعه منها، بحيث يقرا  في هذه العوامل مساحة استراحة ومنصات للتعايش ومشتركات للعمل معا من أجل إسعاد نفسه والآخرين من حوله، واثبات بصمة حضور له  في محطات هذا العالم،  لذلك كان التمايز بين المتعلم وغير المتعلم ، والفرق بينها إنما هو  في فهم الذات وإدراك الفرص المتوفرة لهما وحسن الاستفادة من المقومات التي يمتلكها كل منهم، وتوظيف المواقف الحياتية بطريقة تعكس مستويات عالية من الوعي والمهنية ، لتنعكس جميعها على مسار حياته القادمة،  فيعيش في ظلال التعليم  حياة العلم والعمل والجد والانجاز والاجتهاد والقوة وبلوغ الهدف والتخطيط والتنظيم وإعادة هيكلة الواقع وتصحيح السلوك، إذ تتجلى أمامه مواقف حياتية متعددة وتباينات تستدعي البحث لها عن نقاط التقاء ومشتركات  لسبر أعماقها وحسن إدارتها وتوجيه محاسنها وتوظيف إيجابياتها وتجنب أي نواتج سلبية قد تنعكس مخاطرها على حياته أو تسيء إلى قيمه وأخلاقه ومبادئه.

وفي عالم اليوم المشحون بالكثير من الأحداث والمتغيرات  الداخلية التي بات يعيشها انسان اليوم، والآمال والطموحات والتوقعات التي  قد تتجاوز الخيال وتغرد أحيانا خارج السرب؛ أو مؤثرات خارجية  تصنعها عملية التفاعلات اليومية والمشاهدات الواقعية لمواقف وتصرفات وظروف الآخرين وطبائعهم الحياتية، وما جبلت عليه النفس من رغبة الوصول إلى سقف توقعات الآخرين وأحلامهم، أو ما  تؤسسه معطيات الواقع ومتطلباته من تكلف وازدواجية وشعور باليأس والإحباط وفقدان الثقة بالنفس وضعف الأمل  في الحياة وحالة التذمر والضيق وغيرها من الموجهات النفسية التي باتت تسيطر على حياة الناس ، وتستدعي في المقابل دورا أعمق للتعليم في معالجة هذا الواقع ووضع الاستراتيجيات النفسية والفكرية القادرة على تصحيح هذه المفاهيم وإعادة توليد القيم والمفردات الحياتية اليومية، بحيث يبني التعليم في النفس وفي ظل ما يمتلكه من بدائل وفرص ومقومات نجاح وتعددية في الأساليب؛ دعامات القوة واساسيات المعالجة ونقاط التقييم ، وعندها يصبح التعليم أكبر من محطة عبور وقتية تنتهي بانتهاء المرحلة الدراسية للفرد؛ بل منصة حياتية ترافقه طول عمره،  ويتزود منها ما يعزز وجوده ويبني حياته ويطور مهاراته ويصقل ذاته ويرفع قدرة ويحقق مكانته ويصنع موقعه، فينافس غيره، ويقف على أرضية صلبة بقدر ما استطاع التعليم أن يصنعه فيه من الهام ، ويكسبه من قوة الشخصية ونهضة الوعي وسمو الإرادة.

عليه نعتقد بأن التعليم هو المعني بقراءة هندسة الواقع الاجتماعي والدخول في عمق الرأسمال البشري الاجتماعي ، وهو المعني  بالبحث عن صناعة بدائل متجددة يستطيع من خلالها  المتعلم الدخول في عالمه الإنساني، ويدرك ما تحمله هذه النفس من موجهات الخيرية والصلاح والاستقامة وبناء الضمير وحس المسؤولية  فيعمل على توفير الرعاية له عبر وسائله وادواته ومناهجه واستراحاته  وحجم التفاعلات الحاصلة في مجتمع التعليم ومستوى القوة التي تُمنح للطالب في  مؤسسات التعليم سواء في اختيار مساره التعليمي او فرص الاختيار من بين بدائل متعددة أنتجها التعليم، أو عبر المساهمة  في بناء واقعه التعليمي الذي يريد، وتوفير أنماط ونماذج عملية  للتمكين والمشاركة التي تمنح للمتعلم في بيئة الصف وقاعة الدراسة، خاصة في مجالات التطوع والتسويق ويناء المشروعات والمناظرة والتجريب في المواقف والتعريق لمواقف محاكاة ممنهجة وتقييمها، فإن قدرة التعليم على انتاج الحياة الراقية وصناعتها يستدعي اليوم أن يعيد النظر في سياساته وأدواته وبرامجه وخططه، بحيث تتجه جميعها لصناعة الانسان وبناء الرأسمال البشري  القادر على صناعة الحياة، فهو عليه ان يعمل على حضور المتعلم في اختيار نمط تعلمه، حضور الفعل والممارسة وحسن الاختيار والرغبة، عبر تنوع مساراته وتعدد موجهات عمله، وان يعطي المتعلم خيارات تعليمية واسع  لا أن يضعه في قالب واحد او  ضمن مساق دراسي محدد، وأن يعمل التعليم على  السمو بالنفس البشرية ومعالجة النوازع الفكرية  التي تؤصل ثقافة الكراهية والتنمر والاحقاد والتهميش والقسوة، كما  يعمل على  السمو بالنفس نحو مدارك التفوق والانجاز، فيبعد عن قاموس الأجيال كل المصطلحات والمفاهيم التي  تؤسس  لمتعلم اتكالي واهم ينتظر خدمة الاخرين له أو يتهرب من مسؤولياته، أو يؤسس لمنطق الفوقية والاهتمام بالشكليات والمظاهر ، والتفاخر بالمادة أو غيرها من الممارسات التي تبرز فيها عقدة النقص وحالة الانطواء والانانية .

ومع ما سبق أن أشرنا إليه فإنه لا يجب أن نقرأ في التعليم المثالية المطلقة دون غيرها، فقد تبرز في حياة المتعلم العديد من مواقف الفشل والسقطات، وتقف في وجه تحقيق أماله وأحلامه الكثير من المنغصات والعقبات، ولكنه في الوقت نفسه يجد في فقه التعليم المتوازن في معادلة التصحيح والتهذيب والتنظيم والترتيب والتوجيه، ما  يفتح  أمامه آفاق الحياة في جمالياتها ورقيها عندما يسلك فيها الانسان مسالك العطاء بلا حدود والانجاز المتناغم مع سلامة التفكير وقيمة التأمل، فيعيد خلالها انتاج نفسه ويعزز نشاطه ويبني ذاته ويطور من ممارساته ويعيد  فكرة القوة في نفسه، كيف يهذبها ويصنع منها بريقا في قادم حياته،  ويؤسسها على بصيرة من الأمر وحكمة من الوعي. إن التعليم استراحة فكرية ونفسية وترويحية وخلوة مع الذات لانطلاقة افضل وعزم اكيد ورؤية أوضح ومساحة لإعادة البناء والتجديد؛ انه فرصة للتقييم وتصحيح أدوات العمل وإنتاج بدائل الحل لصياغة لحن الامل في حياة الأجيال؛  لذلك كان عليه يحقق هذه الطموحات ويبني  هذه الدوافع، ويمتلك الممكنات الداعمة لها، ويوفر الأرضية المناسبة لنموها، ويؤسس لمسارات مهنية واضحة في مناهجه ووسائله وسياساته وخططه  بحيث تتناغم مع ابجديات التطبيق وتتفعل مع الفعل النوعي وترقى في مساراتها لنقل المتعلم إلى مرحلة الجاهزية والاستعداد وبناء الذات وترقية الدوافع  وصناعة التغيير،  فإن ما يرصده الواقع  من ممارسات  باتت تبرز تحولات سلبية في فقه مخرجات التعليم، أو يقرأ منها وصولها إلى أدنى مستويات فقدان الأمل وزيادة هرمون الإحباط والفشل والانتقام وغيرها من  الإشكاليات التي باتت تؤسس في النفس شحنات سلبيه وقناعات تتنافى مع إنسانية الانسان وعظمة النفس ، وتسيء إلى الذات ، فإن نظرة بسيطة إلى وقائع جلسات المحاكم وحجم القضايا اليومية التي ترصد والتي تتعلق بالسلوك الإنساني وترتبط بحجم التغيير السلبي الذي باتت تتجه إليه هذه التفاعلات في ظل غياب الوازع والضمير والحس المسؤول والثقة في الآخرين وانعدام مساحات الأمان والشعور بالأمن الداخلي نحو الآخر؛ أو ما ترصده  محتويات منصات التفاعل الاجتماعي والردود الحاصلة من بعض الشباب  مستخدمي هذه المنصات ، والتعبيرات السطحية والفكرية  التي تبرز عقم التفكير وتبلد الفكر وعدم وجود اتساع في النظرة للواقع والحياة ، وإقصارها على ممارسات محدودة أو أشخاص معينة ، وكلمات التذمر والتنمر التي باتت تبرز على السطح،؛ مؤشرات سلبية حول قدرة التعليم على بناء الإنسان وإنتاج المخرجات التي تحمل معها الأمل في الحياة ، والبساطة في الرزق، وتنمو معها أفكار الإيجابية  في طريقة إدارة الحياة وفلسفة العمل اليومية ومهارات العمل والإنتاج وغيرها.

ويبقى التساؤل مطروحا،  أين يقف التعليم من حالة القلق وفقدان الأمل بالنفس وبالحياة التي يعيشها بعض أجيال اليوم من مخرجات التعليم المدرسي والعالي الباحثين عن عمل أو الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة أو المواطن نفسه الموظف وغير الموظف؟، وهل ستضع مؤسسات التعليم اليوم في مناهجها وادواتها  هذه المؤشرات كمنطلق لرسم معالم الطريق لبناء انسان المستقبل؟، وهل ستقف على أولوياته وتدخل في العمق البشري لبناء استراتيجيات الممارسة، أم ستظل ممارسات التعليم قابعة في سطحيتها بعيده عن غايات المتعلم غير ناظرة فيما يعيشه المتعلم او يفكر به الواقع من أحداث وتتصارع بداخله من قضايا؟، لتظل ممارساته متكررة تفتقر لخيوط الانسجام التي تربطها بحياة المتعلم وقناعاته.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock