د.سالم بن سلمان الشكيلي: دماء تنزف وضمائر ميتة ” ١ “

أثير-د.سالم بن سلمان الشكيلي

يحتار المرء من الحالة التي آلت إليها الشعوب العربية وعلاقتها بساستها وسلطاتها الحاكمة ، دماء عربية تنزف في أماكن عدة من وطننا العربي الكبير ، الذي لطالما تغنّت الاجيال بوحدته وعروبته :
بلادُ العُرْبِ أوطاني ،،،، من الشام لبغدان
ومن نجدٍ إلى يمنٍ ،،،، إلى مصرَ فتطوانِ
فلا حدٌّ يباعدنا
ولا دينٌ يفرّقنا
لسانُ الضّاد يجمعُنا ،،،، بقحطانٍ وعدنانِ

نعم هكذا كانت الأجيال تردد صباحَ مساء ، قلوب آمنت بوحدة المصير ، ووحدة الدم والهدف والآمال ، وحتى الآلام ، فما يصيب أيّ قُطر عربي تتداعى له سائر الأقطار العربية الأخرى ، فوا أسفاه ، فقد آلت تلك الآمال إلى انحدار ، ولم تعد الوحدة غاية بعيدة المنال فحسب ، بل إنها أصبحت مستحيلة الحدوث في الظروف الراهنة ، وبات الحد الأدنى الذي تتطلع إليه الشعوب هو بقاء دولهم كما هي ، لا تزيد عدداً ولا تتفكك إلى كنتونات ، تحسبها دولاً وهي ليست إلا كثرة عددية لا تًسمن ولا تغني ، طالما بقيت الفرقة والتشرذم هو المآل الذي عليه حال هذه الأمة .

قد يرى البعض في هذه الرؤية نظرة تشاؤم وإحباط للشعوب ، لأننا تعودنا منذ عشرات السنين على المسكنات المنومة التي تصدر عن السياسيين والمفكرين والشعراء ، فكلما حلّت بالأمة العربية نكبة تداعى الساسة إلى اجتماع طارئ يُعقد بعد تفاقم النكبة أو المشكلة ، عندهم إذا رأت أمزجتهم ذلك ، ووفقاَ للتعليمات التي تأتي إليهم من الخارج المسيطر ، لا من حُرّ إراداتهم وإداراتهم ، وما إن يلتئم الاجتماع حتى تخرج التصريحات المتناقضة من المجتمعين أنفسهم ، ويظهر الانقسام في الصف والكلمة ، ويبدو الوهن كل الوهن فيما يصدر من قرارات تصاغ بعبارات تبدو البلاغة العربية فيها في أجمل معانيها الرصينة ، حتى لَيُخيّل للمتابع أنه تم وأد المشكلة ، وأن قادتنا الميامين ، كانوا على العهد ، ويهلل الإعلام وخاصة الرسمي عن الانجاز العظيم للقادة ، وإذا بالحقيقة تتكشف فيما بعد بأن الاجتماع كان منبراً للشتائم ورمي الصحون أو على أقل تقدير فترة للاسترخاء والغطة في نوم عميق ، أما القرارات فهي في حقيقتها ليست إلا كذر الرماد في العيون ، بل إنّ القرارات قد صيغت قبل انعقاد الاجتماع ، وأنه تمّ استشارة الخارج المسيطر قبل صدورها ، لئلاّ تخرج تلك القرارات عن دائرة مبتغاهم وأوامرهم وأهدافهم الشرّيرة .

نكبة وراء نكبة منذ عام ١٩٤٨م ، فلسطين احتُلت ، والجولان اغتُصبت ، وأجزاء من الأراضي اللبنانية اقتُطِعَت ، وليبيا يتمزق ، واليمن يعيش مأساةً لم يعرف لها العالم مثيلاً ، ولبنان على شفا حفرة من الاقتتال الأهلي مرة أخرى ، والصومال في عالم النسيان ، والسودان تم تقسيمه ، وسوريا لم تتعافَ حتى الآن ، والجزائر يراوح مكانه بسبب التنازع على السلطة ، والعراق الجريح منذ ثلاثين سنة لا يزال ينزف دماً ، ويأتي نزيفه هذه المرة بسبب بني وطنه ، وهكذا كلما يمّم الناظر ببصره إلى أي شطر من الرقعة الجغرافية للدول العربية وهي لا تساوي شيئاً مقارنة بمساحة العالم ، يشاهد المآسي تلفّه ، وتكتنف كل أركانه وزواياه ، وكأنه كُتب على هذه الأمة أن لا تنهض من كبواتها وأن لا تعيش في أمن وأمان وسلام واطمئنان ، لتنعم بما وهبها الله من خيرات الأرض والبحر والسماء .

يصرخ محمد الدرة وهو يتوارى عن رصاص وقنابل العدو الصهيوني قبل أن يموت شهيداً ، وتتحرك كل الدماء العربية من أجله ، إلا ساسة الوطن العربي الذين اكتفوا بالشجب والاستنكار والإدانة ، وهذه طفلة يمنية رضيعة تُستخرج من بين أنقاض الصواريخ والقنابل وقد تلوّن وجههاالبريء الطاهر بالدم المختلط بالتراب ، فتنفطر القلوب لرؤيتها فيما عدا تجار وسماسرة الحرب وأدواتها ، وهذا رجل مسنّ على قارعة الطريق في أحد أحياء سوريا لم تسعفه رجلاه للفرار من وابل الرصاص بين المتقاتلين فيرتوي الشارع بدمه دون أن تتحرك شعرة من السياسيين ، وهذا قارب الموت يغرق في مياه البحر الأبيض المتوسط وعليه عشرات الليبيين هربوا من الجحيم في الداخل ، فإذا بالموت ينتظرهم في البحر ، والقادة الليبيون يتسابقون للاستقواء بالخارج ، ومصرُ الأمّ الكبرى تعيش انقساماً مجتمعياً غير مسبوق ، في ظل إرهاب يهدد تنميتها وكيانها ، فإلى أين نسير !؟.

ما يزيد العلقم مرارة للحالة العربية الراهنة ، هو أنّ المتقاتلين عرب ، والارض التي يتقاتلون عليها عربية والسلاح المستخدم مشترى بأموال عربية ، والمتآمرين على الشعوب هم ساسة عرب ، إمّا لمطامع شخصية ، وإمّا أنهم أدوات تحركهم قوى أجنبية ، لا تريد للعرب ولا للمسلمين خيراً .
وأقولها صريحة جلية واضحة ، لا لبس فيها ، أنه لا أمريكا ولا روسيا ولا الغرب كله يُحبون سواد عيون العرب ، فهم يكيدون للعرب كيداً ، إنّما تهمهم مصالحهم فحسب ، وهم يسعَون إلى نهب وسرقة المال والموارد العربية ، وجعْل الدول العربية في عوز وضعف وعدم استقرار ، حتى أنهم يخلقون بؤر المشاكل والصراعات خلقاً من عدم ، ونحن لا زلنا نقدم لهم القرابين ، ولاءات الطاعة والانقياد ، في غفلة تجعلُ الحليم حيراناً .
وللحديث بقية .

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. دكتور أنا لا اعرفك ، ولكــن مــا هــو المهــم فــي حديثك هــل تقــرغ الجــرس فقد سبق عليــه كثــير ، هــل تــذكــر، فحـال الأمــة مــزري ولا ينفــع معهــا التـذكـيــر ، ثق لــن يتغيــر شيئــا، مالــم نغيــر مــن انفسنــا نحــن أفــراد الشعــوب، ولك في تجــارب مــن سبقك من المطالبيــن العبــر، فمـا آلت اليهــم أحــوالهــم، لقــد أصبحــوا منبوذيــن أو فـي غياهــب السجــون.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: