بعد دعوة ترامب لجلالة السلطان: ما الزيارات المتبادلة بين سلاطين عُمان ورؤساء أمريكا؟

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

نشرت “أثير” أمس الأول السبت 22 فبراير 2020 خبرًا بعنوان “جلالة السلطان يتلقى دعوة من ترامب لزيارة البيت الأبيض”، في  دليل على تواصل العلاقات الثنائية بين البلدين، والتي ارتبطت طوال تاريخها بمحطات سياسية وتجارية وثقافية مهمة، لا يمكن إيجازها في تقرير واحد.

العلاقات العمانية الأمريكية

تُعد العلاقات العمانية الأمريكية حديثة بالنسبة للعلاقات الحضارية التي أقامتها الامبراطورية العمانية على مر عصورها المتوالية؛ ذلك أن الولايات المتحدة هي دولة حديثة النشأة ولم يمر سوى حوالي 240 عامًا تقريبًا على قيامها ككيان سياسي، لكن لو نظرنا إلى علاقات الولايات المتحدة مع دول المنطقة الأخرى فسنجد أن علاقاتها مع السلطنة تعد من أقدم العلاقات، بل قد تكون العلاقة الثانية التي أقامتها الولايات المتحدة مع دولة عربية بعد المغرب.

وتعود أقدم إشارة إلى التواصل بين الطرفين إلى  الفترة التي حصلت فيها الولايات المتحدة على استقلالها، ففي عام 1783 أخذت السفن الأمريكية تجوب البحار الشرقية بحثًا عن علاقات تجارية مع الموانئ المختلفة في الشرق، وتشير التقارير إلى أن أول سفينة أمريكية وصلت مسقط هي المركب الشراعي (رامبلر) من بوسطن بقيادة القبطان روبرت فولجر وكان ذلك في أوائل شهر سبتمبر 1790 زمن الرئيس الأمريكي جورج واشنطن.

وبدأت العلاقات الرسمية بين الولايات المتحدة الأمريكية والسلطنة في عهد السيد سعيد بن سلطان بعقد اتفاقية للصداقة والتجارة وقعها عن الولايات المتحدة الكابتن أدموند روبرتس مع السيد سعيد سلطان مسقط وعمان في 21 سبتمبر 1833م، وبمقتضاها اتفق الطرفان على تحديد الضرائب المستحقة على البضائع الامريكية في موانئ مسقط ومقدار الرسوم المفروضة على الإرشاد البحري كما تم الاتفاق على تعيين عدد من القناصل الذين يتم اختيارهم من قبل الرئيس الامريكي كي يستقروا في موانئ مسقط وكان من بين بنود هذه الاتفاقية هو حماية القناصل كذلك خولت حاكم مسقط بمراقبة هؤلاء القناصل في حال مخالفتهم قوانين البلاد، وإعلام الولايات المتحدة بذلك كي يتم استبدالهم على الفور.

وتعد هذه المعاهدة هي البداية للنشاط التجاري الأمريكي في منطقة الخليج العربي، وظلت سارية المفعول حتى 20 ديسمبرسنة 1958م حين أبطل مفعولها واستبدلت بمعاهدة جديدة للصداقة والعلاقات الاقتصادية والحقوق القنصلية بين الطرفين.

وخلال الفترة من 1833 بداية العلاقات الرسمية بين الطرفين حتى هذه اللحظة كانت هناك العديد من الزيارات واللقاءات التي تمت بين مسؤولين من الطرفين، والتي ستحاول “أثير” تتبع أهمها في هذا التقرير مع التركيز

على العلاقات بين الولايات المتحدة ومسقط، دون التركيز على الزيارات التي ارتبطت بزنجبار التي كانت تمثل الجناح الآخر من الامبراطورية العمانية.

 

زيارات عمانية

تُعد رحلة السلطان سعيد بن تيمور في الفترة من 9 نوفمبر 1937م إلى 13 يوليو 1938م من أهم الرحلات التاريخية على مستوى العلاقات بين حكومة مسقط وحكومات الدول التي زارها.

وكان السلطان قد أخذ يعمل على التقرّب من الولايات المتحدة وتقوية الصلات الرسمية بين البلدين، فقد أرسَل السلطان رسالًة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت في مارس1937م، أشارَ فيها إلى رغبته في زيارة الولايات المتحدة ردًا على زيارة الوزير المفّوض إلى مسقط عام 1934م، واستغل رحلته الطويلة التي بدأها من الهند مرورا بسنغافورة، وهونج كونغ، ثم اليابان، في زيارة الولايات المتحدة  في أول زيارة يقوم بها حاكم عربي إلى واشنطن، ثم ارتحل إلى إنجلترا، ومنها غادر إلى فرنسا .

ووصل السلطان سعيد إلى سان فرانسيسكو بالولايات المتحدة في 15 من فبراير 1938م ، رافقه والده السلطان تيمور، وسكرتيره السيد هلال بن بدر، ومساعده الخاص عبد المنعم الزواوي، وأثناء وجودهم رُتبّت لهم رحلة داخلية لزيارة هوليود، وشيكاغو، وديترويت.

وفي 10 مارس من عام 1938م وصل السلطان إلى واشنطن، إذ استقبلهم كورديل هل وزير الخارجية الأمريكية، وفي اليوم الثاني استقبل الرئيس الأمريكي روزفلت السلطان سعيد بن تيمور في البيت الأبيض، ودارت المباحثات بين الجانبين حول احتمال وجود النفط في السلطنة، وإمكانية تعديل بنود المعاهدة بين الطرفين التي وقّعت في مسقط عام 1833م، حيث كان السيد سعيد يرغب في تعديل البند الخاص بنسبة الرسوم الجمركية على البضائع والتجار الأمريكيين في الموانئ العمانية، من جانبها حرصت الحكومة الأمريكية على أن ترافق السلطان سعيد في زيارته لواشنطن حفيدة أول قنصل أمريكي لدى السيد سعيد بن سلطان الذي وقّع أول اتفاقية بين حكومة مسقط والولايات المتحدة الأمريكية، رغبة من الحكومة الأمريكية لتجديد المعاهدة السابقة بالكامل.

وفي يناير عام 1975م وصل السلطان قابوس إلى واشنطن، وفي أثناء اللقاء تقدم وزير الخارجية هنري كيسنجرHenry Kissinger بطلب إمكانية السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة مصيرة الجوية، والتي يستخدمها الطيران الملكي البريطاني منذ عام 1958م ، فكان رد السلطان قابوس على الطلب الأمريكي الموافقة على منح التسهيلات اللازمة لاستخدام قاعدة مصيرة الجوية العمانية ، في مقابل تزويد الجيش العماني بالأسلحة والمعدات العسكرية . وفي النهاية أسفرت المباحثات بين الطرفين عن توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين السلطان قابوس والرئيس الأمريكي جيرالد فورد Gerald Ford في 20 يناير 1975م ، نصّتْ على إعطاء الولايات المتحدة حقّ إقامة قاعدة جوية بحرية في جزيرة مصيرة .

ونشرت جريدة الوطن في عددها الصادر بتاريخ 16 يناير 1975 ” أجرى جلالة السلطان المعظم يوم 9 يناير 1975 محادثات في واشنطن مع الرئيس الأميركي جيرالد فورد تناولت مختلف القضايا والأحداث العالمية والعلاقات الثنائية بين البلدين، وحضر الاجتماع صاحب السمو السيد طارق بن تيمور المستشار السياسي لجلالة السلطان والمشرف على السفارات العمانية في الخارج ومعالي قيس بن عبدالمنعم الزواوي وزير الدولة للشؤون الخارجية والدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي”.

وفي أبريل من عام ١٩٨٣م تلقّى جلالة السلطان قابوس دعوة من الرئيس الأمريكي رونالد ريجانRonald Reagan لزيارة واشنطن، فلبى جلالته الدعوة ، وقام في ١١ من أبريل بزيارته الرسمية إلى واشنطن ، وكان ‏في استقباله وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز نيابٌة عن الرئيس ريجان في قاعدة أندروز الجوية، بعدها توجّه جلالته إلى فندق ماديسون مقّر إقامته هناك. 

‏وفي اليوم التالي ١٢ من أبريل توجّه موكب السلطان قابوس إلى البيت الأبيض لحضور مراسم الاستقبال؛ حيث كان في انتظاره في حديقة البيت الأبيض الرئيس ريجان، ‏وبعد الانتهاء من السلامين السلطاني والجمهوري، قام الرئيس ريجان بإلقاء خطابه أمام الحشود.

وقد ألقى جلالة السلطان رحمه الله خلال هذه الزيارة كلمة تاريخية، وذلك بعد الاستقبال الحافل لجلالته، ذلك الاستقبال الذي نقله التلفزيون الأمريكي على الهواء مباشرة، وتضمن حفل الاستقبال عزف السلام السلطاني العماني والسلام الجمهوري الأمريكي، وأطلقت المدفعية 21 طلقة.

زيارات أمريكية

في عام 1879م أرسلت الحكومة الأمريكية الكابتن روبرت ولسن شوفلدتRobert Wilson Shawaflidat في مهمة دبلوماسية وتجارية إلى سواحل المحيط الهندي والشرق الأقصى على ظهر السفينة الحربية تايكوندر  Taikonader ، وقد واصل شوفلدت إلى مسقط والتقى بالسلطان تركي بن سعيد (1871-1888م).

وخلال عام 1923 زار جون رادولف القنصل الأمريكي في بغداد السلطان تيمور بن فيصل في قصره بناءً على دعوةٍ منه، وكانت زيارة قصيرة لم تخرج بنتائج مهمة.

وفي 18 مارس 1934م  قامت بعثة دبلوماسية أمريكية بزيارة السلطان سعيد بن تيمور في مسقط؛ وكانت قد أُرسلت من قبل الحكومة الأمريكية للمشاركة بالاحتفال بمرور قرن على الاتفاقية الأولى بين السلطنة والولايات المتحدة عام ١٨٣٣ م، وترأس البعثة بول كنابنشو Paul Knabanshu الوزير الأمريكي المفوض في بغداد، وعالم العربية المعروف، وقد عرفت الرحلة باسمه، ورافقه في الزيارة كلٌ من جيمس موز الابن سكرتير البعثة الأمريكية في بغداد وابن الوزير دينيسDennis Knabenshue  ، وتسلم السلطان سعيد رسالة من الرئيس الأمريكي فرنكلين روزفلت تضَّمنْت حُسن النية في العلاقات، إضافًة إلى التهاني بمناسبة الذكرى المئوية لعقْد هذه المعاهدة، وقد استغلّ كنابنشو زيارتَه هذه وقام بافتتاح مستشفى الإرسالية العربية الأمريكية في مطرح بصورٍة رسمية.

وخلال اليوم الأول زارت البعثة الدبلوماسية البعثة الطبية الأمريكية في مسقط، واستقبل الوزير الأمريكي الوكيل السياسي البريطاني الذي دُعي رسميا للحفل في المساء ولبى الدعوة مباشرة، وخُصِّصَّ اليوم الثاني لتقديم أوراق الاعتماد.

وفي مايو 1946م ، نظّمت زيارة لفريق من المسؤولين الأمريكيين ضمّ كلا من نائب القنصل الأمريكي في الظهران، وقائد البحرية الأمريكية هيرنغ، والقائد العسكري ماكس ويل Max Well،  إلى مسقط، كما  زارت المدمرة الأمريكية هايمان Hyman مسقط  فى الفترة من التاسع إلى الثاني عشر من مايو 1947م ، وتبودلت الزيارات بين قبطان المدمرة وممّثل السلطان سعيد بن تيمور.

 

وفي عام 1972م أقامت الولايات المتحدة سفارة لها في مسقط، وعينت لها سفيرًا هو ويليام أ. ستولتزفوز William A. Stoltzfus (1972-1974م) الذي كان مفوّضًا في الكويت، وقد قدم أوراق اعتماده إلى السلطان قابوس كسفير غير مقيم ، وشغل باتريك كونيلاند PatrickConeyland منصب القائم بالأعمال، المقيم في الفترة من 1972-1974م،  وبعد عام ، أي في مايو 1973م افُتتحت سفارة سلطنة عمان في واشنطن، وعيّن السيد فيصل بن علي آل سعيد أول سفير عماني في الولايات المتحدة (1973-1974م) 

     وفي يوليو 1974م منذ وصول السفير ويليام دي. وول William D. Wolle  كسفير مقيم في مسقط، فإن العلاقات على مستوى السفراء بين مسقط وواشنطن زادت من قوة الروابط التي تساعد على التفاهم بين البلدين.

وفي 17 سبتمبر 1974م ، قام وزير الخارجية الأمريكي سدني سوبر Sidney Soper بزيارة إلى مسقط والتقى بالسلطان قابوس، لمناقشة ترتيبات زيارة السلطان إلى واشنطن.

كما قام جورج بوش (الأب) نائب رئيس الولايات المتحدة في فترة حكم الرئيس رونالد ريجان، والرئيس لاحقًا بعدة زيارات إلى مسقط من بينها زيارتان في عامي 1984 و1986، وزيارة ثالثة في الثالث من ديسمبر 1998.

كما قام الرئيس بيل كلنتون بزيارة وجيزة في 25 مارس 2000 استمرت لعدة ساعات التقى خلالها جلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله بحضور وزیر الخارجیة الأمریكیة مادلین أولبرایت، وتناول الزعیمان خلال اللقاء جملة من القضایا أبرزھا سبل دعم عملیة السلام في الشرق الأوسط، ولسبل تعزیز العلاقات العمانیة الأمریكیة التي وصفھا المتحدث باسم البیت الأبیض وقتها مایك ھامر إنها ممتازة”.

كما زار نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني السلطنة في أعوام 2002، 2005 و2006، ونشير هنا إلى زيارته التي قام بها في 18 ديسمبر 2005 والتقى خلالها جلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله وعددًا من كبار المسؤولين، وتم بحث العلاقات الثنائية وعدد من القضايا المتعلقة بالوضع في العراق والشرق الأوسط، وذلك في إطار جولة شرق أوسطية تتمحور حول الجهود الأميركية للحد من “نفوذ طهران” ودعم عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية وبحث القلق المتزايد من ارتفاع أسعار النفط.

كما قام جون كيري وزير الخارجية الأمريكي بزيارات مختلفة إلى السلطنة، من بينها زيارة في مايو 2013، وأخرى في نوفمبر 2016، التقى خلالها بجلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله.

المراجع

  1. الجبارات، محمود. علاقات سلطنة مسقط وعُمان مع الولايات المتحدة الأمريكية بين الحربين العالميتين، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلّد ٩، العدد ٢، 2015.
  2. الجنابي، طالب حمادي. الوجود الامريكي في المنطقة العربية والموقف من المحاولات الوحدوية، مجلة جامعة بابل، مجلد 26، العدد3، 2008.
  3. الجنابي، غفار جبار. نشاط الولايات المتحدة الأمريكية في عمان وموقف الحكومة البريطانية، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية، المجلد (8)، العدد (23)، يناير 2016
  4. ذاكرة الوطن. عدد 16 يناير 1975،  http://www.alwatan.com/graphics/2010/07jul/30.7/THAKIRA.htm
  5. الفارسي، عيسى بن محمد. العلاقات العُمانية الأمريكية (1932-1983)، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة، 2018.
  6. صحيفة أثير. أحداث رحلة أول حاكم عربي -عماني يزور واشنطن و دول أخرى، الثلاثاء , 5 أبريل 2016 
  7. العلاقات العمانية الأمريكية، موقع https://www.marefa.org/

 

  • صور وثائق المعاهدات من رسالة الدكتور عيسى بن محمد الفارسي.
  • بقية الصور من شبكة المعلومات العالمية. 

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock