محمد الهادي الجزيري يكتب: الطلبيّة C345

الطلبيّة

C345

شيخة حليوي

محمد الهادي الجزيري

الكتب هدايا تنزل من السماء ..هذا ما عشته بالنسبة لكتاب شيخة حليوي الذي اختارت له عنوان ” الطلبيّة 345 س ” وقد فازت مؤخّرا بجائزة القصة في ملتقى الكويت …وقد عرّفتني بها الفلسطينية إيمان زايد ..علما أنّها من القرى البدوية الواقعة في مناطق الاحتلال 1948 وهذه مجموعتها الثالثة ..فشكرا لهما إذ أنتج اتفاقهما شخصي المتواضع …

تبدأ القصّ بسريالية محبّبة في قصة بعنوان ” زيارة ليلية ” حيث يكون الراوي فتى يحكي حكاية أباه وعصاه وندوب على جسده ..ولكننا نكتشف في نهاية القصة القصيرة أنّ الراوي ميّت يندّد بالضرب الذي يوجّهه له والده ..الذي يستسلم لضرب زوجته الصارخة فيه : ” قلت لك أيها اللعين لا تضربه على رأسه ، لا تضربه على رأسه ..ستقتله ..” وينهي الراوي القصة بأن يقلب الأدوار فيعود الأب والأم إلى البيت وينأى هو في ظلمات المقبرة:

” تحسّست رأسي، كان الدم الجافّ قد غطى جرحا غائرا فيها، بعد دقائق، كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت، وكنت أنا أجتاز بوّابة المقبرة، وأغيب بين القبور الغارقة في الظلمة ”

ثمّة قصة فيها لعب باللغة والقارئ ..فيها غرائبية وعجائبية ..وهي أنموذج للسرد الذي تتقنه شيخة حليوي بدراية مدهشة ..، القصة بعنوان ” ثقب أبيض ” ويتمحور النصّ حول امرأة ترتعد من حائط لا ثقب فيه، وتكره عالما فيه جدران ملساء ومتساوية..، وتمضي بنا القاصة إلى أماكن أخرى شاهدت فيه ثقوبا قديمة ظلّت مستوطنة الذاكرة ..، كالثقب الواسع الذي يواجه السرير حيث كانت المرأة وابنتها تنامان فيه ..، وتستمر الحكاية إلى أخ نسيت اسمه وإلى مستشفى ..إلى أن تنكشف اللعبة ويتبيّن القارئ أنّه يتبع ذاكرة امرأة مسنة مصابة بالزهايمر ..تنسى اسم أخيها وأصبحت ثقوب الجدران شغلها الشاغل ..فيها أخفت ابنتها المتوفاة ..وآخر ما قررته أن تواجه مصيرها وتذهب إلى طفلتها ..( حسب ما تظنّ ) :

” بآخر جزء منّي، استجمعت عظامي الهشة وذاكرة قديمة، وتجاوزت العجوز التّي ترصدني من المرآة ساعات طويلة، تخلّصت من الكنبة السوداء التّي ظلّت متّخذة شكل مؤخرتي، وبخفّة كنت داخل الثقب الأبيض..”

في الحقيقة هذا أسلوبها المميّز في نحت متونها السردية، تعمد إلى الكتابة عن العالم بوجهة نظر مختلفة ويحتاج القارئ إلى لذّة المتمعن في خلفية النصّ وفي ما يريد قوله، فلاشيء يقال هكذا ..كلّ شيء له دوافعه وأسبابه وما يصبو إليه ..، ففي قصّة ” عروس للبيع ” تبدأ الراوية بفقدانها للفضول وبالذات للحيّ الذي لم تزره منذ مدّة، ثمّ تتكأ على أمّها التي تسهب في السرد ..فنعرف من خلال حديثها حكاية هذا الشاب الخجول الذي يتزّوج بفتاة يمنعها عن الناس وألسنتهم ..ويخاف على زوجته الفتنة ..، وتمضي القصة إلى نهايتها فنكتشف أنّ الشاب اليتيم اختار دمية لتعوّضه موت أمّه ..:

” كانت قصة الشاب وزوجته الدمية قد غابت بتفاصيلها كلّها عن ذاكرتي، لكنّها عادت، لتكون أكثر من قصة غرائبية محملّة بأسئلة كثيرة حينما وقعت عيني على لافتة كبيرة في واجهة أحد المحلات ، كتب عليها بخطّ يدوي جميل:” دمى محلية ومستوردة “. ”

أختم هذا المتن القصصي الشيّق بقصة وردت في خاتمته بعنوان ” في اليوم السابع ” يصطدم خلال سردها الباحث عن الحقيقة ..طفل مدرسيّ بدرس المعلّم ..ويسرق له يوما كاملا من أيام وعيده ..ويقول لصاحبه بأنّ الخالق عنده أيام العالم ..لذا فإنّه لن يغضب وأجمل ما يختم به نكاية في المعلّم ومن يسايرونه في التفكير :

” فكّرت كم سيكون الأمر صعبا أن أسرق اللوحة كاملة “.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock