هل أُوقف الحج والعمرة والصلاة بسبب الأوبئة في التاريخ الإسلامي؟

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

كان وقع الصور المتداولة لخلو صحن الكعبة المشرفة في الحرم المكي، حزينًا، ومدهشًا، بل ومفاجئًا لكثيرٍ من المسلمين في أصقاع الأرض المختلفة الذين اعتادوا رؤية الحرم ممتلئًا بزوّاره من المجاورين، والزائرين، ومؤدي الفروض اليومية فيه، ولم يكن لأحدٍ – ربما – أن يتوقع منظرًا كهذا، وربما لم يدر في خاطر كثيرين منهم أن يكون الحرم قد تعرض يومًا ما للإغلاق، أو أن شعائر الحج والعمرة التي ارتبطت به قد توقفت.

“أثير” تحاول في هذا التقرير تتبع بعض المحطات التي تأثرت فيها الشعائر الدينية، وبالأخص الصلاة، والحج والعمرة بالأوبئة المختلفة، كما هو حادثٌ اليوم، وذلك من خلال الرجوع إلى عدد من المصادر البحثية، والتقارير الصحفية التي تناولت ذلك.

تأثر كافة الأديان

مع كل محطات الأوبئة، والحروب، والجوائح المناخيّة، وانتشار المجاعات، وغيرها من التحديات التي كانت تواجه المجتمع البشري كانت الأديان جميعها تتأثر بتداعيات تلك الأزمات دون استثناء، ولو أخذنا أزمة فيروس كورونا الحالي الذي ظهر في وقتٍ اعتقد فيه العالم أنه وصل لقمة مجده التكنولوجي وتقدمه العلمي، ومع ذلك وبحسب تقرير موقع ” قنطرة” الإلكتروني المنشور بتاريخ 17 مارس 2020، ها هو البابا فرنسيس الأول يبدو في مشهد مثير، وكأنه معلق على أسوار الفاتيكان وهو يحتفل بالقداس الكاثوليكي الرسمي الوحيد في كل إيطاليا.

فيما ألغى أساقفة الكنسية من مختلف الجنسيات المؤتمرات واللقاءات التي كانت مبرمجة قبيل انتشار الفيروس، كما أعلنت دولة الفاتيكان إغلاق كاتدرائية وساحة القديس بطرس أمام السياح حتى الثالث من نيسان / أبريل 2020 في إطار الإجراءات الهادفة إلى وقف انتشار فيروس كورونا المستجد.

وأقفلت عديد الكنس والمعابد اليهودية- بحسب الموقع- أبوابها في الولايات المتحدة الأمريكية، كما ألغى اليهود إحياء عيد المساخر “بوريم” الذي يشبه إلى حد كبير احتفالات الكرنفال. القيود نفسها شملت مهرجان “هولي” الهندوسي للألوان الذي ألغي هذا العام

وأعلنت المملكة العربية السعودية تعليق العمرة حرصا على صحة مليار مسلم، كما دعت للتريث بشأن الحج حتى تتضح الرؤية حول “كورونا”، كما أعلنت كثير من الدول الإسلامية إغلاق المساجد والاكتفاء برفع الأذان فيها دون ممارسة الشعائر الدينية بداخلها.

وإذا كان هذا كله يحدث اليوم في ذروة التقدم العلمي الذي تشهده البشرية فما بالنا بقرون طويلة لم تبلغ البشرية مبلغها من العلم والتقدم كما هو حادثٌ اليوم!

انقطاع الحج والعمرة

بحسب موقع دارة الملك عبد العزيز الذي استقت منه العديد من المواقع الإلكترونية معلوماتها حول عدد مرات انقطاع الحج، نجد أن مناسك الحج والعمرة توقفت في أزمنة سابقة قرابة 40 مرة، وكان انتشار الأمراض والأوبئة والاضطرابات السياسية أحد أسبابها الرئيسة، بالإضافة إلى عدم الاستقرار الأمني، واضطراب الجو، وفساد الطرق، وغيرها من الأسباب.

ولأن موسم العمرة لم يكن منفصلًا عن الحج لصعوبة الطرق واحتياج القوافل إلى أشهر عدة للوصول إلى مكة المكرّمة، فقد كان من البديهي أن تتوقف مواسم العمرة خلال تلك الفترات.

كما أعد الباحث (إبراهيم محمد) دراسةً في فبراير 2020 أوضح فيها أن الحج تعطل 40 مرة عبر التاريخ الإسلامي أولها عام 930 ميلادية عندما سرق القرامطة الحجر الأسود، وآخرها عام 1987 نظرًا لتفشي التهاب السحايا، اعتمدنا على بعضها كما أتت في تقرير موقع “عمّون” المشار إليه في مراجع التقرير.

أما الدكتور علي جمعة، مفتي مصر الأسبق فيرى من خلال بحثه أن هناك (22) موسمًا أوقف فيها الحج، بعض هذه المواسم كان إيقافًا كليًا وبعضها إيقاف جزئي، والمقصود بالجزئي هنا أن يكون الحجاج من دولة معينة أو من جهة معينة لا يذهبون للحج أو جزء معين من عدة دول.

عوامل سياسية توقف الحج والعمرة

ومن ضمن الأحداث العامة التي كان سببها الفتن المجتمعية، والحروب، ودور الغزاة والطغاة، والاضطرابات والاحتجاجات والتي أدت إلى تأثر شعائر الحج وقت حدوثها، ما حدث عام 251 هـ/ 865م، عندما أُبطل الحج بعد أن شهد مذبحة على صعيد عرفة، بسبب هجوم إسماعيل بن يوسف العلوي هو ومن معه على الحجاج فقتلوا أعدادا كبيرة.

وفي عام 317 هـ / 930م اختطف القرامطة الحجر الأسود ونقلوه إلى عاصمتهم في البحرين، ما تسبب بتعطيل موسم الحج لمدة يعتقد أنها وصلت حتى 10 أعوام، بينما دعا زعيمهم الناس إلى أداء فريضة الحج في البحرين، قال الإمام الذهبيّ في “تاريخ الإسلام”: “ولم يقف أحدٌ تِلْكَ السنة وقفة عرفة، وبذلك تعطل حج المسلمين الذي هو أهم عندهم من صلوات الجماعات”.

كما أفاد الأزرقيّ (ت 250هـ) في “أخبار مكة” بأن باب بني شيبة الكبير كان يُسمّى باب السيل، قال: فكانت السيول ربما دفعت المقام عن موضعه، وربما نحّته إلى وجه الكعبة”.

وفي عام 327 هـ / 983م قيل إنه لم يحج أحد من العراق بسبب الفتن والخلافات التي حدثت هناك، كما تشير المصادر إلى أن الغلاء الشديد حال دون وصول الحجاج من مصر إلى مكة، بينما لم يحج أحد من أهل المشرق أو مصر عام 429 هـ /1037 م لأسباب يرجح ارتباطها بذات الظروف.

كما توثق المصادر وقوع حروب حالت دون وصول الحجاج إلى مكة ما بين عام 654 و658 هـ / 1257 م، ما عدا أهالي الحجاز، كما توقف موسم الحج عام 1213 هـ / 1798، وذلك بسبب الحملة الفرنسية القائمة آنذاك، والتي تسببت بانعدام الأمان على الطريق المؤدي إلى مكة.

أوبئة تتسبب في تأثر مواسم الحج والعمرة

يوثق التاريخ الإسلامي بحسب ما ذكره ابن كثير في ” البداية والنهاية” أن وباءً تفشى في مكة سنة 357 هجرية، عرف باسم “الماشري”، تسبب في موت كثير من الناس، وتسبب في موت جمال الحجيج أيضا جراء العطش، وأن معظم من تمكنوا من الوصول إلى مكة حجيجا ماتوا بعد أدائهم الحج.

وفى عام 1230 هـ / 1814م مات نحو 8000 شخص في الحجاز بسبب الطاعون، ضمن موجة أول وباء كوليرا في القرن التاسع عشر الميلادي في الفترة بين عامي (1817-1824م) وعرف باسم “كوليرا آسيوية” واندلع من مدينة كلكتا الهندية لينتشر في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وساحل البحر المتوسط، وفي هذه الفترة مات آلاف من الحجاج بالوباء، الذي انتقلت عدواه من بؤرته الأساسية في شرق وجنوب آسيا، إلى طرق الحج ومكة.

كما ذكر الجبرتي في المجلد الثالث من كتابه “عجائب الآثار” أنه في سنة 1235 هـ الموافق 1821م أنه : ” وفي سابع عشر وصل الحاج المصري ومات الكثير من الناس فيه بالحمى، وكذلك كثرت الحمى بأرض مصر، وكأنها تناقلت من أرض الحجاز”، وفي عام 1831م الموافق 1246هـ تفشى الوباء الآتي من الهند مجددا ليحصد أرواح العديد من الحجاج، وتسبب بمقتل ما لا يقل عن ثلاثة أرباع الحجاج المتوافدين آنذاك، وخلال الفترة من 1837 حتى 1840 شهدت الحجاز تفشي الأوبئة، وفى 1858م انتشر وباء دفع الناس للهروب من الحجاز إلى مصر التي أقامت حجرًا صحيًا في منطقة “بئر عنبر”.

في عام 1864 كان يموت 1000 من الحجاج يوميًا نظرًا لتفشي وباء شديد الخطورة، ضمن ما سمي “وباء الكوليرا الرابع” بالقرن التاسع عشر، وفي 1871م ضرب المدينة المنورة وباء اضطر مصر إلى إرسال الأطباء وبناء حجر صحي بمكة المكرمة في الطريق القادم من مكة إلى المدينة.

وتناول تقرير دبلوماسي فرنسي خاص بموسم حج سنة 1307 هـ/ 1890 م انتقال عدوى وباء الكوليرا عن طريق حجاج هنود من مومباي وصلوا إلى جدة على متن سفينة إنجليزية، كما تناول ما سمّاه منع الحج في إشارة إلى القرار الذي اتخذته إدارة الاحتلال الفرنسي في كل من الجزائر وتونس، إذ منع حجاج رعايا المستعمرتين إلى البيت العتيق خلال سنتي 1888 و1889، وأشار التقرير إلى احتمالية منعهم سنة 1891 حيث ” إن بذور الوباء قد لا تختفي بالحجاز ونجد وعسير وبلاد ما بين النهرين”

وشهد عام 1892م تراكمٌ شديد لجثث الموتى توافق مع تفشّي وباء الكوليرا مع موسم الحج وكان شديدًا، فتراكمت جثث الموتى ولم يتسن لوقت لدفنهم وتزايدت الوفيات في عرفات وبلغت ذروتها في منى، وبعدها بثلاث سنوات، أي في عام 1895 تفشي وباء يشبه حمى التيفوئيد أو الزحار انطلاقًا من قافلة جاءت من المدينة المنورة واستمر بدرجة ضعيفة عند عرفات ولم ينتشر فيما بعد وانتهى في منى، وفي عام 1987 تفشي التهاب السحايا حيث وصلت إصاباته لحوالي عشرة آلاف إصابة.

ولم يتم إلغاء فريضة الحج والعمرة بسبب انتشار مرض ” انفلونزا الخنازير ” سنة 2009، وذلك لأن “الوباء لم يبلغ مكة ، أو المدينة ، وإنما هي بضع حالات في عموم المملكة العربية السعودية ، كما هو في أكثر الدول”.

توقف الصلاة في المساجد

ويستعرض تقرير للباحث براء نزار ريان نشره موقع “الجزيرة” الإلكتروني بتاريخ 24 مارس 2020 العديد من المحطات التاريخية التي توقفت فيها المساجد عن فتح أبوابها لمرتاديها لأسباب تتعلق بانتشار الأوبئة المختلفة، فقد ذكر الإمام الذهبيّ في “تاريخ الإسلام”- أحداث سنة 448هـ فقال: “وفيها كان القحط العظيم بالأندلس والوباء، ومات الخلق بإشبيلية بحيث إن المساجد بقيت مُغلقة ما لها من يصلي بها”، وذكر أيضا في “سير أعلام النبلاء” أنه في هذه السنة “كان القحط عظيما.. بالأندلس، وما عُهد قحط ولا وباء مثله بقرطبة، حتى بقيت المساجد مغلقة بلا مُصَلِّ، وسُمي عام الجوع الكبير”.

كما صوّر المؤرخ ابن الجوزي (ت 597هـ) وباءً فاحشًا وقع سنة 449هـ، فشغل الدنيا حينها وملأ حياة الناس رعبًا، حيث كتب: “وقع في هذه الديار وباء عظيم مسرِف زائد عن الحد…، والناس يمرّون.. فلا يرون إلا أسواقا فارغة وطرقات خالية وأبوابا مغلقة..، وخلت أكثر المساجد من الجماعات”.

كما يذكر ابن عذاري المراكشي (ت 695هـ) في “البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب” أنه وقع في تونس وباءٌ عظيم سنة 395هـ، فتسبب في “شدة عظيمة انكشف فيها الستور…، وغلت الأسعار، وعُدِم القوات…، وهلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج، فلا ترى متصرفا إلا في علاج أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت…، وخلت المساجد بمدينة القيروان”.

كما أشار ابن حجر (ت 852هـ) في كتابه “إنباء الغُمْر بأبناء العمر” ضمن وقائع سنة 827هـ، إلى تعطيل المساجد بسبب الأوبئة فقال: “وفي أوائل هذه السنة وقع بمكة وباء عظيم بحيث مات في كل يوم أربعون نفسا، وحصر من مات في ربيع الأول ألفا وسبعمئة، ويقال إن إمام المقام (مقام إبراهيم وكان أتباع المذهب الشافعي يقيمون عنده صلواتهم) لم يصل معه في تلك الأيام إلا اثنان، وبقية الأئمة بطلوا الصلاة لعدم من يصلي معهم”.

وعندما انتشر بمصر الطاعون الكبير الذي وقع سنة 749هـ وعُرف في أوروبا باسم “الموت الأسود”؛ فقد رصد المقريزي (ت 845) في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك” الآثار الاجتماعية لهذا الطاعون؛ فقال: “وبطلت الأفراح والأعراس من بين الناس فلم يُعرف أن أحدًا عمل فرحًا في مدة الوباء، ولا سُمع صوت غناء، وتعطّل الأذان من عدة مواضع، وبقي في الموضع المشهور بأذان واحد”، وذكر المؤرخ ابن تغري بردي (ت 872هـ) في كتابه “النجوم الزاهرة”- مثل ما ذكره المقريزيّ وزاد عليه بأنه “غُلقت أكثر المساجد والزوايا”.

 

المراجع

1- أمين، محمد. موسم حج سنة 1890 من خلال تقرير دبلوماسي فرنسي، مجلة دارة الملك عبد العزيز، مج 38، ع 4،2012.

2- براء ريان نزار. “تعرف على وقائع توقف صلوات الجماعة بتاريخ المسلمين”، 24 مارس 2020، www.aljazeera.net/news/cultureandart/2020/3/24

3- جمعه، علي. انقطاع الحج، مجلة مركز البحوث والدراسات الاسلامية، مجلد 5، عدد 10، كلية دار العلوم، 2009.

4- موقع الجزيرة الالكتروني، “بسبب الوباء والطاعون.. متى توقف الحج لبيت الله العتيق؟”، 9 مارس 2020، https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2020/3/9

5- موقع الحّرة الالكتروني. “عبر التاريخ.. أعوام لم تقم فيها مناسك الحج”، الأول من أبريل 2020، https://www.alhurra.com/coronavirus/2020/04/01

6- موقع الدستور الإلكتروني، “بسبب الأوبئة.. الحج توقف 40 مرة قبل كورونا”، 27 فبراير 2020، https://www.dostor.org/3014474

7- موقع صدى البلد الالكتروني،”هذه الأمراض تسببت في عدم زيارة الكعبة”، 4 أبريل 2020، https://www.elbalad.news/4255801

8- موقع قنطرة الالكتروني، “وباء كوفيد-19 يغير أجندة الأديان العالمية”، 17 مارس 2020، https://ar.qantara.de/content

9- موقع عمّون الإلكتروني، الحج توقف 40 مرة من قبل .. هل يوقف بسبب كورونا؟، 27 فبراير 2020، http://www.ammonnews.net/article/520651

· الصور من شبكة المعلومات العالمية

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى