د.رجب العويسي يكتب: كيف سيروي التعليم الأحداث التاريخية لجائحة كوفيد 19 للأجيال القادمة؟

د. رجب بن علي العويسي-خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في ظل ما أحدثته جائحة كورونا ( كوفيد19) من تغير في وجه العالم، وأوجدته من منغصات أرهقت اقتصاده، وانهارت على اثرها موازناته وصناديقه السيادية، وما تجرعته البشرية من مرارة الأسى والاغتراب  في وقت  سيطر الحزن على دوله وأصقاعه، وأغلقت مدنه وشوارعه حتى غدت كالأشباح ، وقيدت حركة التنقل بين قراه وأمصاره، لتعيد هذه الاحداث البشرية إلى زمن غابر، يوم أن تقطعت بها السبل وكبلت فيه حدود الحركة والسياحة والسفر، ليترك كوفيد 19 في مواقفه وأحداثه وظروفه ونوائبه عِبر لن تُنتسى، وحِكم لن تغيب، ودلالات لا يعقلها إلا العالمون.

لقد غير كوفيد 19 مجريات الأحداث، وأعاد إلى الأذهان ما كان تسرده القصص من أحوال الأولين والآخرين، وتتحدث عنه كتب التاريخ في أحوال الشعوب وثقافة العيش والظروف التي كانت تحيطهم بهم،  ليضيف لهذه الأحوال حالة من الهلع والخوف والقلق والاضطراب التي صاحبت هذه الجائحة وارتبطت بكل أحداثها، وما وفرته منصات التواصل الاجتماعي من فرص وجهها البعض للإشاعة وأساء استخدامها لترفع من درجة الخوف وتسلب الناس أمانهم وهم في عقر دارهم، وتقلق مرقدهم ومضجعهم وهم في بيوتهم وكأن ملك الموت يتصيدهم في كل مكان، أحداث كثيرة ومواقف مثيرة، وظروف استثنائية يعيشها العالم أجمع من شماله إلى جنوبه وشرقه وغربه،  لم يستطع خلالها ان يحرك ساكنا في إيقافه، سوى اجتهادات بالحد من انتشار الفيروس والتقليل من حجم انتقاله بين السكان.
و

في ظل هذه الأحداث التي  سيرويها التاريخ عن بكرة أبيها، ويصورها في أدق تفاصيلها، ويوثق مواقفها مكتوبة بالزمان والمكان، وتسجلها أقلام المؤرخين والكتاب والباحثين وصناع الكلمة وأصحاب التأليف والمغردين في منصات التواصل  الاجتماعي،  لتبقى أحداثه حاضره في فكر الأجيال القادمة، كما نعيش نحن اليوم ما عايشه الآباء والأجداد من صعوبة التنقل وغيرها من المشاهد التي نعيشها اليوم، ليسرد لنا الواقع حكاياتهم وكأننا نعيش الواقع بعينه ونستعيد قصصه، مواقف كثيرة وأحداث متغايرة  عاشها العالم في ظل احداث جائحة كورونا،  فهي تارة بآمال وطموحات وميزات، وايجابيات وفرص، ومنح وإعادة توجيه المسار، والاعتماد على النفس، وابتكار الأدوات، وتعزيز فرص التنوع وتجريب المواقف في ظروف بناء الإنسان واعداده  للعيش في الأزمات والتعامل مع الجوائح، لتصنع الظروف الصعبة والاحداث المتغايرة مواقف عصماء تبني في الانسان  مشاعر  تختلف عما ألفه في الواقع، مرحلة أكسبت إنسان اليوم الكثير من المهارات، التي لم تستطع أنظمة التعليم والتدريب وغيرها تحقيقها  بفاعلية أو تأصيلها في فقه الإنسان باحترافية، وأسهم الإجراء الاحترازي بالبقاء في المنزل وعدم الخروج منه إلا للضرورة القصوى ، اكتشاف الكثير من المهارات والممارسات الجادة والأنشطة النوعية وأنماط العيش وأساليبه وغيرها من مهارات الحياة الضرورية التي يحتاجها الإنسان، وأهمية أن يمارسها بنفسه ويعتمد فيها على ذاته، والتي أظهرت مدى تأخر التعليم عن الوفاء بها وقلة اكتراثه بتضمينها في محتواه وإبرازها في مناهجه، والقيمة المضافة التي تحققها مادة المهارات الحياتية المؤطرة وفق استراتيجيات الحياة ومواقفها إن أحسن التخطيط لها في مناهج التعليم والخطة الدراسية في رسم ملامح التغيير في حياة الإنسان في أوقات الشدائد والمحن والأزمات.

وإذا كان التاريخ قد خلّد في ذاكرة أحداث العالم، قصص من المآسي، وتراكمات من أثار الجوائح والكوارث والأوبئة التي مرت على البشرية، وما سلكه في أكثر حالاته من تسليط الأضواء على الحقائق المحزنة والآثار السلبية والظروف النكدة وحالة الحزن والفقد التي يعيشها الانسان؛ فإن دور التعليم  يأتي في إعادة مسار قراءة هذه الروايات وصقل الكتابات وترتيب أولوياتها وتوجيه الأقلام، وترقية نوازع  التعاطي معها وطريقة سردها، في ظل ما يمتلكه من ممكنات وفرص؛ وإنتاجها بطريقة أكثر أمانا واقترابا من فقه الأجيال ، وبما يتناغم مع أبجديات التفكير لديهم، وأنماط الحياة التي يرغبون في العيش في كنفها والاستمتاع بامتيازاتها ولحظاتها مع المحافظة على مساحة  الموضوعية والشفافية والمصداقية في الطرح قائمة، وتصوير الموقف وإبراز المؤثرات فيها حاضرة، لينتجها في مفردات تعبيرية وثقافية وتعليمية ومسرحية وإعلامية وروائية مختلفة، وعبر فنون متنوعة وبأشكال مختلفة كالقصص والروايات والأسئلة والأجوبة والتعبيرات الجمالية والكتب والمناهج الدراسية ، وبما يضمن حضور محتواها  في واقع الاشكال التعبيرية والإنتاجية الثقافية والفكرية والتعليمية والإعلامية وبشكل يتفاعل مع هاجس الإحساس والمشاعر المرتبطة بهذه الجائحة، لتولد في الأجيال  فرص التغيير وإعادة توجيه المسار، وتصنع فيهم حب الحياة في ظلال القيم والمبادئ والأخلاق، وتصور لهم هذه الحالة كمساحة تقييمية تمنحهم قوة الإرادة والتحمل والصبر وتؤسس فيهم قدرات رجل المهمات الصعبة وممكنات العيش في الظروف القاسية.

وبالتالي مسؤولية التعليم في تصوير هذه الاحداث  للأجيال القادمة بطريقة مألوفة لديها، متقاربه مع طموحاتها، فمع أنه يتناول وصف الحدث بكل تفاصيله، إلا أنه يضع لمعيارية العمل القائمة على المبادرات الجادة والممارسات الإيجابية الأصيلة التي تحققت من البقاء في المنزل والفرص الإيجابية التي انتجها هذا المسار؛  ليصنع منها مرحلة متقدمة في حياة الانسان، قائمة على  صناعة النجاح من مواقف الفشل، وتحقيق القوة من  الظروف الصعبة، والوصول إلى مرحلة الأمان والاستقرار والسلام الداخلي  كنتاج لمعاناة الواقع، وأن توليد  البدائل وصناعة الابتكار وتوليد الاختراعات إنما تأتي من رحم الظروف  القاسية والأحداث الصعبة والمطبات التي  تقف في وجه الانسان، ليصنع منها فرصا جديدة ومساحات متجدده، ويعيد خلالها انتاج  الواقع بطريقة أخرى،  تستفيد من كل محطات التعثر وحالات الفشل لتبني مساحات أوسع للصمود وإعادة التفكير وتوليد  الممارسة المبتكرة والتجديد والتحول ، فيعيد  هندسة الواقع، والتعامل مع حالات الهدر والاستنزاف للوقت والجهد بمهنية عالية وعبر ميزان التقييم ومعادلة التصحيح ومسارات المعالجة  التي تأخذ في الحسبان  فرص التثمير في الموارد وتوليد البديل ، بشكل يتناغم مع  الوجود البشري ويتفاعل مع  الممكنات الفكرية والمهارية والأدائية التي  أودعها الله في الانسان والتي عليه ان يكتشفها ويبحث عن عمقها ويكتشف اسرارها في نفسه،  لينتج كورونا مرحلة جديدة  وحياة متجددة قوامها الانسان وعنوانها  أهمية إعادة  التوازنات في الحياة بطريقة اكثر احترافية تقف على حلقات التطوير الحاصلة وأساليب العيش وأدوات التعايش المستخدمة وعبر نقل الانسان من حالة الغوغائية والترديد للعبارات الجوفاء الى صناعة الإرادة وإنتاج الامل وإعادة سبر الواقع بروح تحمل التغيير الذاتي والإصلاح  القائم على استشعار عظمة الموقف.

ويبقى على التعليم أن يكون عونا للتأريخ في رصد هذه الاحداث وإعادة انتاجها بطريقة  تؤسس للحياة وتبني الامل وتعيد تصحيح الواقع، وتبرز في الانسان حياة الجدية والمبادرة وتقدم له من الموجهات الأخلاقية والمبادئ الراقية التي تصبح مدد له في العيش في عالم متغير وأحداث غير مأمونه وظروف غير مضمونه، وعندها سيصنع التعليم  إنجازا تأريخيا  في حياة البشرية يفوق غيره من الإنجازات، من خلال إعادة رواية الأحداث التأريخية لجائحة كورونا ( كوفيد 19 ) بطريقة أكثر سلاسة واستيعابا واتزانا وحكمة ، لتتفاعل مع الانسان وتضعه في مواقف محاكاة يتعلم منها قيم الحياة المسؤولة ومبادئها؛ لتتحول من مجرد روايات مجردة وكلمات محبطة تلقي على كاهل البشرية  أثقال الخوف وأسباب الانتكاسة ؛ إلى إعادة هندسة الواقع وبناء السلام الداخلي للبشرية الذي يحفظ لها أمنها واستقرارها،، فهل سيدرك التعليم هذه الغاية الكبرى في قادم الوقت، ويتبني فلسفة عمل اكثر ابتكارية ومعيارية في رصد هذه الاحداث ومساعدة التاريخ في رسم ملامحها للأجيال القادمة بشكل أكثر تفاؤلية وإيجابية؟

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock