د.رجب العويسي يكتب: هل سيعيد كورونا إنتاج وهيكلة الملكية الفكرية الوطنية؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

في ظل اقتصاد المعرفة لم يعد الحديث عن مفاهيم الملكية الفكرية وبراءات الاختراع ترفا فكريا، بل هو خيار استراتيجي وضرورة للعيش في واقع متغير سمته المنافسة، وقراءة الحاضر واستشراف المستقبل بطريقة أكثر احترافية ومهنية، يرسم طريقها الوعي ويحدد معالمها هدف التغيير، في ظل التزام بتحقيق نواتج اقتصادية وانتاجية عالية الكفاءة وعوائد مادية ملموسة الأثر، لتشكل بدورها الملكيات الفكرية الحاضنة للمنتج، الضامنة لجودته وحيويته وفاعليته للنزول به إلى حيز الفعل، ونقله من مرحلة التنظير إلى التطبيق، فتتجه خلاله مستلزمات براءات الاختراع والملكية الفكرية إلى منتجات تجارية قادرة على صناعة الفارق، ولُيظهر خلالها المنتج في أذواق مختارة، ومواصفات تستجيب للتوقعات وتتوافق مع الرغبات وتتناغم مع الاحتياجات، لتتحول الأفكار العائمة الى نماذج وتطبيقات عملية تمارس في الواقع وتمشي على الأرض، بحيث تظهر معالمه في مشروع تجاري وصناعي أو منتج اقتصادي أو غيرها، يتميز بمعايير معينه تتطابق مع الحالة العمانية وخصوصيتها ، فيعزز العمل الابتكاري أحد الغايات التي تسعى الدولة إليها ويحقق خطط الحكومة في التنويع الاقتصادي ؛ فهي بذلك مركز انتاج القوة في ميدان المنافسة، ونافذة الأمل لتعظيم القيمة المضافة للرأسمال البشري الاجتماعي ، “العقل الاستراتيجي المفكر” ، لتؤسس الملكية الفكرية الحاضنة مرحلة متقدمة في العمل الوطني المتجه لتوظيف اقتصاد المعرفة ورسم ملامح تفوقه في بيئة العمل والإنتاج العمانية، بما تمنحه تشريعات الملكية الفكرية من فرص ونجاحات، فهي الحافظة لحقوق كافة الأطراف التي تشارك في ابتكار أو إنجاز عمل أو مشروع معين، والمؤصلة لمعالم التميز في هذه الابتكارات عبر التثمير الاقتصادي لها، والاعلاء من الفرص الإنتاجية المترتبة عليها، والمساهمة في تعزيز بنيتها وتقوية رصانتها الفكرية بشكل يدعم تطورها وتقدمها ومساهمتها الفاعلة في نقل هذه الابتكارات وبراءات الاختراع والنماذج التطبيقية إلى حيز الفعل، متخذة من وسائل الترويج ومنصات التسويق وبرامج التوجيه والتوعية، ما يفتح لها المجال للغوص في عالم التقدم العلمي، وصناعة بدائل العطاء النوعي التي تغير وجه المجتمعات وتمنحها فرص الثراء، وترسيخ معايير البناء، واثبات بصمة لها في عالم يقرأ في اتساع براءات الاختراع وزيادة تسجيل الملكيات الفكرية مدخل استراتيجي لرسم استحقاقات المستقبل، بما يؤكد على أهمية مضاعفة الجهود الوطنية نحو إيجاد أنظمة قوية للابتكار وتأصيل ثقافته في سلوم المواطن وإتاحة النفاذ إلى أنظمة وطنية فعالة للملكية الفكرية وبراءات الاختراع تعمل على استحداث ونشر التكنولوجيات والمنتجات والخدمات اللازمة لتعزيز الحضور النوعي للاقتصاد الوطني القائم على الابتكار في الخريطة العالمية.

وعندها تصبح الملكية الفكرية منصة وطنية ورابطة فكرية تصب فيها كل الابتكارات والمنتجات الفكرية الاستثنائية وبراءات الاختراع القابلة للتطبيق، بحيث تسمح لأصحاب الحقوق من المبدعين والمفكرين والمؤلفين ومالكي براءات الاختراع والعلامات التجارية بالاستفادة من عملهم واستثماره، لتتجلى خلالها القيمة المضافة للملكية الفكرية وتحويلها إلى مصدر منافسة وعنصر انتاج قادم، ومسار عمل يصنع التقدم ويبني الأمنيات ويحقق الأحلام، فيتجاوز السطحية ويدخل في العمق، ويكتسب التمكين مما يصنعه من تأثير في كل مجريات الاقتصاد الوطني؛ فهي من جهة تعمل على تعزيز حضور الصناعات المحلية القائمة على الاستفادة من هذه الحقوق وتعظيم قيمتها المضافة في الواقع الوطني ، بما يضمن احتواء الرأسمال البشري العماني وإعادة توجيه اهتمامه وتمكين موارده وتأطير ابتكاراته وتفوقه في انتقاء نوعية الصناعات التي يحتاجها الواقع ، بالشكل الذي يضمن صناعة مجتمع الابتكار والملكية الفكرية وتعزيز حضور ثقافته بشكل أكثر احترافية ؛ وهي من جهة أخرى تعمل على تشجيع وجذب الاستثمارات الخارجية وتقديم ضوابط ونظم الحماية اللازمة التشريعية والقانونية والتحفيزية وتقليل حاجز الإجراءات وتعقد الأليات المرتبطة بها، خاصة في ظل التشريعات التي أتاحتها السلطنة في هذا الجانب وحزمة الحوافز المقدمة للمبتكرين العمانيين في تسجيل براءات الاختراع والملكيات الفكرية، بما يضمن التزاما معايير الرصانة والجودة والأصالة والكفاءة في مواجهة كل أشكال التقليد أو المحاكاة السلبية، ويضع حدا للأصناف المقلدة منها والتي غزت الاسواق ونافست المنتج الأصيل، وتمييزها عن غيرها ممن يحمل الابتكارية والاستدامة والقوة والمهنية، والتعامل بوعي مع نواتج هذا السلوك في ظل قراءة للتحديات الناتجة عن التجارة الالكترونية ومجتمع التقنية والاتصالات التي ساهمت في ظهور هذه التصنيفات المقلدة في المنتجات.

وهنا تبرز القيمة المضافة للاهتمام بثقافة الملكية الفكرية في رسم ملامح المنتج الوطني وتحديد موقعه في خريطة الابتكار والملكية الفكرية العالمية وما تشهده من تطورات ونمو متسارع في المنتج الفكري المقدم وبراءات الاختراع المسجلة أو في قدرة هذه المنتجات على إعادة انتاج الواقع بطريقة ساهمت في تعزيز دور مؤسسات الابتكار وريادة الاعمال والباحثين والمفكرين في تسجيل براءات اختراعهم، وتسجيل انتاجهم الفكري والمعرفي في الملكية الفكرية بما يحفظ لهم حقوقهم ويصنع لإنجازاتهم مساحة أمان ترسم معالم الطريق لمستقبل اقتصادي مشرق ومسار انتاجي قادر على التعاطي مع الازمات والعيش في ظل ظروف عصيبة قاسية، في ظل ما يعيشه العالم اليوم من جائحة كورونا( كوفيد19)، والتي أفصحت عن تحولات جذرية في منظومة الابتكار والبحث العلمي ، الذي بدوره دفع الأفراد والمؤسسات ومراكز البحث العلمي بالجامعات في مختلف القطاعات إلى ابتكار واختراع المئات من الابتكارات، وتسجيل الآلاف من الملكيات الفكرية وبراءات الاختراع الجديدة حول العالم وعبر تفعيل منظومة البحث العلمي ومراكز البحوث الطبية وتنشيط حركة المختبرات والجامعات وتمكين العلماء والأطباء والباحثين والعاملين الصحيين والاستشاريين وذوي الاختصاص وشركات الإنتاج الطبي وشركات الادوية والعقاقير الطبية وإنتاج الامصال وتجريب للعينات المصابة وغيرها، وإجراء الدراسات التشخيصية والمسحية ودراسات الحالة النفسية والبحوث العلمية المخبرية واختراع الأدوات والمستلزمات الطبية والادوية والعقاقير والأمصال والأدوات التي توفر ضمانات لمقاومة الفيروس ومعالجة المصابين به، او عبر تعزيز اقتصاد التعليم والاستثمار فيه من خلال الشركات الطلابية الصغيرة والمتوسطة، وريادة الأعمال في المشاريع التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، والفرص التدريبية التخصصية للباحثين المتخصصين والكادر الصحي والممارسين الصحيين في انتاج مستلزمات وحلول التعامل مع الفيروس.

لقد أدركت السلطنة القيمة المضافة التي تحملها الملكية الفكرية وبراءات الاختراع في بناء اقتصاد وطني قادر على العيش في الظروف الاستثنائية، وتعزيز رؤية التنويع الاقتصادي، وأهمية العمل الوطني الفاعل على الدفع بالجهود القائمة في حفظ حقوق كافة الأطراف المساهمة في الابتكار والانجاز الاختراع وتقديم مشروع اقتصادي استثماري وطني له أثره في الحزم الاقتصادية الوطنية؛ وأسهم وجود مرجعية وطنية في الملكية الفكرية ، بهدف نشر ثقافة الملكية الفكرية وتعزيز الوعي المجتمعي بها عبر مختلف الوسائل والأدوات والأنماط والمنصات التواصلية والشركات القائمة في هذا الشأن وصناعة موجهات التواصل مع المبتكرين وتسجيل ابتكاراتهم واختراعاتهم، سوف يضمن امتلاك المجتمع لفقه الملكية الفكرية بشكل عام وبراءات الاختراع وغيرها من المكونات التفصيلية بشكل خاص، عزز ذلك وجود منظومة متكاملة من التشريعات الوطنية التي ستوفر فرص اكبر ونماذج عمل ناجحة، تتناغم مع توجهات الحكومة نحو اقتصاد المعرفة والقيمة المضافة للتقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي بما يتماشى مع القيم والأخلاقيات والمعايير الدولية في حفظ حقوق المبدعين والمبتكرين وكافة المنتجين والمطورين، ويتوافق مع القوانين والاتفاقيات النافذة ؛ كما اتجهت جهود السلطنة في هذا الاطار وعبر اللجنة الرئيسية للابتكار التقني لمواجهة فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” إلى توجيه الكوادر الوطنية المتخصصة لتقديم حلول تقنية ابتكارية للتصدي لفيروس كورونا المستجد “كوفيد19 ” في مجال: سرعة التشخيص والتقصي الوبائي والرعاية الصحية عن بعد ، إضافة إلى توفير المستلزمات الصحية والدوائية وتقنيات الوقاية، وبدورها ناشدت وزارة التجارة والصناعة المخترعين العمانيين وأصحاب الابتكارات والباحثين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بتقديم ابتكاراتهم العلمية المتعلقة بمكافحة فيروس كورونا (كوفيد-19) لحمايتها من السرقة سواء كان بطريقة الكشف المبكر عن المرض أو أي طرق للوقاية من الإصابة بالفيروس والتطبيقات الإلكترونية المرتبطة بهذا المجال ؛ ومع ذلك فإن جائحة كوفيد 19 الاستثنائية التي يعيشها العالم والتسابق العالمي في رصد براءات الاختراع وتنشيط الملكية الفكرية، يضعنا أمام مسؤولية وطنية نحو تقييم هذا الواقع وتحديد موقع عمان في الخريطة العالمية للملكية الفكرية، ويطرح في الوقت نفسه على المراكز البحثية الوطنية تساؤلات حول حجم الإنجازات البحثية والعلمية والطبية والصحية والدوائية التي حققتها، وبراءات الاختراع التي تم تسجيلها منذ بدء انتشار الوباء، ودور الشركات الوطنية في انتاج المستحضرات الدوائية والوقائية مثل الكمامات والاغطية والقفازات والمعقمات والمطهرات وأدوات التنظيف وغيرها من اللوازم التي تستخدمها المعامل الطبية المخبرية والمختبرات أو يستخدمها العامة للوقاية من انتقال الفيروس؛ ومع ما أشار إليه تقرير منشور لوزارة التجارة والصناعة لعام 2018 من ان عدد طلبات العلامات التجارية الوطنية والدولية وبراءات الاختراع وحق المؤلف والتصاميم والنماذج الصناعية بلغت في الفترة من يناير وحتى نهاية ديسمبر عام 2018 ما مجموعه ( 11756)، إلا أنها مؤشرات غير كافية في رصد الواقع الحالي المصاحب لكوفيد19، وبناء تحول نوعي يضع الملكية الفكرية كمدخلات إنتاجية في تعزيز اقتصاد المعرفة وتوظيف التقنية والفضاءات الالكترونية في رسم ملامح التقدم العلمي والتقني والطبي في مواجهة جائحة كورونا، ويلقي على المنظومة الوطنية للابتكار والملكية الفكرية وبراءات الاختراع والمؤسسات الصناعية والتجارية والمجالس العلمية والبحثية والهيئات المعنية، إعادة هيكلة هذا الواقع الوطني ومراجعة آليات العمل وأدواته واساليبه وآليات اتخاذ القرار، والصلاحيات الممنوحة لهذا القطاع، والممكنات والأجندة التي يعمل عليها، وموقع الملكية الفكرية في المنظومة الاقتصادية الوطنية والمعول عليها تحقيقه، والمساحة الممنوحة للمواطن في تنشيط الملكية الفكرية وبراءات الاختراع ، بالشكل الذي يضمن صناعة تحول قادم في إدارة هذا الملف وإعادة هيكلة انتاجه ورسم ملامحه مستفيدة من جائحة كورونا في رصد احصائي وتحليلي وتقييمي وتشخيصي للحالة العماينة في براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية.

وأخيرا يأتي الاحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية، الذي يصادف السادس والعشرين من ابريل، والعالم يواجه أزمة خانقة وظروف صعبة ناتجة عن انتشار فيروس كورونا كوفيد 19، بما يلقي على عمل المنظمة العالمية للملكية الفكرية(الويبو) جهدا استثنائيا في تشجيع حكومات العالم على الابتكار وبراءات الاختراع ونشر ثقافة الملكية الفكرية للوصول إلى بدائل وحلول استراتيجية للحد من انتشار الفيروس، وحيث تتجه الأنظار خلال هذا العالم إلى توظيف العالم الافتراضي وعبر حزمة من الأنشطة والقنوات الافتراضية، والبرامج المتنوعة التي تتضمن مقاطع مرئية عن الملكية الفكرية، وتفعيل منصات التواصل الاجتماعي والترويج الإعلامي المحلي والدولي، أو عبر المناقشات العلنية مع الجمهور لبث الوعي ونشر المعرفة بالملكية الفكرية؛ ومع أن شعار المنظمة لعام 2020 جاء تحت عنوان “الابتكار من أجل مستقبل أخضر”، فإنه يتقاسم المشترك مع هذه الظروف بتسليط الضوء على دور التقنية والتكنولوجيا في توليد حلول لمشكلات البيئة والحد من التلوث وانبعاث غاز الكربون وتعزيز الابتكار في الصناعات صديقة البيئة بالشكل الذي يضمن مزيد من الحفاظ على مكوناتها وتحقيق أفضل الفرص للعيش في بيئة تحمل في ذاتها مقومات جودة الحياة وفق نطاق بيئي أخضر يضفي على الإنسانية طابع السلامة والصحة والأمان، وهو الدور نفسه المطلوب ان تتجه إليه جهود الدول في الحد من انتشار فيروس كورونا ( كوفيد 19) ، في تنشيط دور الملكية الفكرية نحو تكوين حوار عالمي قادر على تجاوز التهديدات النفسية والاشاعة وإنتاج اللقاح والأمصال والأدوات في مواجهة الفيروس ؛ وأن تبرز الملكية الفكرية في منصاتها التفاعلية البحث عن شراكة أخلاقية إنسانية عالمية من خلال مراجعة التشريعات والضوابط التي تتيح إمكانية توسيع نطاق الحصول على بعض الأدوية والإمدادات الطبية الحاصلة على براءات اختراع في الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم جراء جائحة كورونا وفي أوقات الازمات والعيش في الظروف الصعبة للدول ، وفي الوقت نفسه يتيح مساحة مناسبة لتبادل الخبرة والتجربة العالمية، والثقة بين بلدانه في إنتاج الإمدادات الطبية أو الأدوية أو اللقاحات محليا… فهل سنضع دروس كوفيد 19 أمام مراجعة جادة لموقعنا في خريطة الملكية الفكرية وبراءات الاختراع والابتكار لنتجه باقتصادنا إلى بر الأمان ونوجه بوصلة انتاجه للعيش في الظروف الصعبة ؟

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock