ما موقف القانون العُماني من خطر الحيوانات السائبة؟

أثير- المحامي صلاح بن خليفة المقبالي

تشكّل ظاهرة تسييب الحيوانات ووجودها في الطرقات العامة خطرًا محدقًا على قائدي المركبات وركابها؛ فكم من الحوادث التي زهقت بأرواح، وأخرى كانت نتيجتها إصابات بالغة كشلل كلي أو جزئي.

وهنا يثور تساؤل سنُجيب عنه عبر هذه الزاوية في “أثير”، حول موقف المشرّع العُماني من هذه الظاهرة؛ إذ تعالت الأصوات بضرورة وجود تشريع قانوني يجرّم هذا الفعل.

والمتتبع لنصوص القوانين والتشريعات العُمانية المعمول بها يجد أنها جاءت لتحمي من الأضرار الناجمة عن هذه الظاهرة، ولتدفع الخطر بعيدًا عن المجتمع، عبر التدرج في فرض العقوبة؛ ففي بداية الأمر جرّمها قانون المرور الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (28/93) والمعدّل بالمرسوم السلطاني رقم (38/2016) الذي جاء مانعًا لوجود الحيوانات السائبة في الطرقات العامة، حيث نصت المادة 33 من هذا القانون بـ : “لا يجـوز إهمـال أو تـرك المركبات أو الحيوانات أو الأشياء فـي الطريق بحالة ينجم عنها تعريض حياة الغير أو أمواله للخطر أو تعطيل حركة المرور أو إعاقتها..”، وفي شأن عقوبة المخالف نصّت المادة (52) من ذات القانون بـ : “مع عدم الإخلال بالتدابير المقررة فـي هذا القانون ، يُعاقب بغرامة لا تزيد على 200 مائتي ريال عُماني ، كل من يخالف أي حكم من الأحكام الواردة فـي هذا القانون أو اللوائح والقرارات المنفذة له ، ما لم ينص القانون على عقوبة خاصة به”. ووفق النص أعلاه فإن عقوبة من يسيّب حيوانه على الطرقات والمرافق العامة لا تتجاوز كحد أقصى غرامة مقدارها (200) مائتي ريال عماني.

ومع تطوّر الحياة دعت الحاجة إلى تدخل من المشرّع لرفع مستوى الغرامة المفروضة على كل من يسيّب الحيوانات، فالنص في قانون المرور استخدم لفظ الجمع “الحيوانات” والعقوبة أقصاها غرامة تُقدر بمائتي ريال فقط، وكان على المشرع أن يتدخل ويرفع مستوى الغرامة المفروضة في هذه الحالة، وأن يستبدل لفظ الجمع بلفظ مفرد “حيوان”، وعلة ذلك أن استخدام لفظ الجمع يكون لمجموعة من الحيوانات، لكن إذا كان هناك حيوانٌ واحدٌ تسبب بخطر على مرتادي الطريق، فهل ينجو مَن قام بتسييبه من الغرامة؟

قد يقول قائل بأن لفظ الجمع يشمل المفرد، لكن ظاهر النص واضح على دلالة المقصود به، وهو مجموعة الحيوانات، فضلًا عن أن الغرامة يجب أن تفرض عن كل حيوان على حدة؛ حتى يشكّل ذلك ردعًا سابقًا لوقوع الحوادث، ويُسهم في زيادة الوعي والإدراك لدى المسؤولين عن الحيوانات ليتخذوا التدابير اللازمة والكافية للحد من وجود حيواناتهم على الطرقات.

ثم إن المشرّع قام بإصدار قانون الجزاء العماني الجديد بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018)، حيث نص في مادته الثانية بـ: “يُلغى قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7/74، كما يُلغى كل ما يخالف هذا القانون، أو يتعارض مع أحكامه”. وقد نصت المادة (294) من قانون الجزاء العماني الجديد بـ: ” يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر، ولا تزيد على (٣) ثلاثة أشهر، وبغرامة لا تقل عن (١٠٠) مائة ريال عماني، ولا تزيد على (٣٠٠) ثلاثمائة ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين كلّا من:

د – لم يتخذ الاحتياط الكافي لمنع خطر أو ضرر ناجم عن حيوان في حيازته أو تحت مسؤوليته أو أطلقه إذا كان من شأن ذلك تعريض المرافق وسلامة الأفراد للخطر” ، وهذا النص ألغى نص التجريم الوارد في قانون المرور بشأن الحيوانات السائبة كونه جاء بعده، ونص صراحةً على إلغاء ما يتعارض مع أحكامه، والنص الوارد في قانون المرور يتعارض مع أحكام قانون الجزاء في المادة (294) البند (د)، وبالتالي أصبح هذا النص هو واجب التطبيق على حالات ترك الحيوانات السائبة.

وحيث إن المشرع العُماني أشار في هذا النص إلى خطر الحيوانات التي تصيب المرافق والأفراد، فإن تسريح الحيوانات يجعلها سببًا للإضرار بالمرافق العامة منها أو الخاصة، وبالتالي تُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون، وكذلك الحال فيما إذا تسببت هذه الحيوانات بتعريض سلامة الأفراد للخطر، فالنص يُقرأ على وجهين؛ أولهما أن على حائز الحيوان أو المسؤول عنه وحتى المتعدي بإطلاقه أن يتخذ التدابير اللازمة والاحتياطات الكافية التي تحمي الأفراد والممتلكات العامة من خطر هذا الحيوان السائب، فمتى ما اتخذ الفرد هذه الإجراءات يُعفى من العقاب إن تسبب الحيوان في ضرر للغير؛ كون الخطأ المسبب للضرر في هذه الحالة لا يكون بإرادة مالك الحيوان.

وفي الوجه الثاني لهذا النص يتضح أن المشرّع جاء دقيقًا فيما يتعلق بالمسؤولية الجزائية؛ فهو لم يذكر مالك الحيوان، وإنا استخدم لفظ المسؤول عن الحيوان أو الحائز له، فقد يكون المسؤول عن هذا الحيوان غير مالكه، وبالتالي لا يصح مساءلة المالك في هذه الحالة كون العقوبة الجزائية تكون شخصية تطبّق على شخص مرتكبها، وكذلك الحال بالنسبة لحائز الحيوان الذي تكون الحيازة آلت إليه بأي صورة كانت مشروعة أو غير مشروعة، فيبقى هو المسؤول عن الأضرار الناتجة عن هذا الحيوان، ومن جانب آخر فالمشرع ضمَّن في التجريم فعل المتعدي على الحيوان الذي قد يقوم بإطلاق هذا الحيوان تعديًا منه فيجعله مسؤولا جزائيًا ويعاقب بذات عقوبة المسؤول عن الحيوان إذا ما أطلقه.

وتطبيق هذا النص مشروطٌ بأن يُشكّل إطلاق هذا الحيوان وتسييبه خطرًا على المرافق العامة وسلامة الأفراد، لكن إذا لم يتشكل من إطلاق الحيوان أيُ خطر أو تهديد للمرافق العامة وسلامة الأفراد فلا يُسأل جزائيًا، وهذه دقة من المشرع راعى فيها وجهين: الأول سلامة المرافق العامة وسلامة الأفراد من خطر هذه الحيوانات، والثاني حاجة أصحاب الحيوانات إلى إطلاقها للرعي ونحوه، وهذه الموازنة من المشرع جاءت لتلبية رغبات ومصالح المجتمع والأفراد بضوابط صارمة حتى لا يكون هناك إفراط ولا تفريط .

وفي حال تسببت الحيوانات السائبة لحادث سير يفضي إلى إزهاق حياة قائد المركبة أو ركابها ، نجد المتضرر الأكبر هي شركة التأمين التي تصبح ملزمةً بأداء دية المتوفى، أو أن تتكفل بكافة مصاريف العلاج في حال إصابة قائد المركبة أو الراكبين بإصابات جراء الحادث، كما أنها تكون ملزمة بأداء تعويض لهم ، فيثور التساؤل هنا: ما ذنب شركة الـتأمين في صرف كافة هذه الالتزامات التي تقع على عاتقها بسبب شخص سيّب حيوانًا وتركه في الطرقات، في حين أن هذا الأخير قد لا يُسأل إلا عن مخالفة التسييب فقط؟

والجواب أن لشركة التأمين الحق في الرجوع للشخص الذي سيّب الحيوانات، ولا بد أن يُسأل عن تقصيره في إبقاء الحيوان في مأمن بعيدًا عن الطرقات العامة والمرافق ، وقد نصّت المادة (176) من قانون المعاملات المدنية العُماني بـ : “كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بالتعويض” ، ونصت المادة (197) من ذات القانون بـ : “حائز الحيوان ولو لم يكن مالكًا له مسؤول عما يحدثه الحيوان من ضرر إذا قصر أو تعدى”؛ ولذا فإن ترك الحيوان سائبًا يُعد تقصيرًا من صاحبه ، أو حارسه ، ويُلزم من أهمل الحيوان بتعويض المتضرر من ذلك الإهمال، وهنا نلاحظ أن هذا النص لا يعفي شركة التأمين من سداد المستحقات والتعويضات للمضرور، بل يجب عليها أداؤها له ثم تقوم هي بدورها بالرجوع إلى المسؤول أو الحائز للحيوان وتطالبه بالتعويضات التي قامت بسدادها للمؤمن له، استنادًا إلى أحكام قانون المعاملات المدنية، ويستفيد كذلك من هذا النص المرافق العامة التي قد تطالها أفعال التخريب من الحيوانات السائبة كالحدائق والمتنزهات العامة أو الأشجار المزروعة على جنبات الطرقا؛ فيكون حائز الحيوان مسؤولًا عن جبر الأضرار الناتجة عن تركه لحيواناته دون رعاية منه، أو دون وضع تدابير تكفل سلامة الممتلكات العامة.

ختامًا ، نرى أن الوعي المجتمعي أمر مهم للحد من هذه الظاهرة ومخاطرها، وأن يختار ملاك الحيوانات أماكن رعي لحيواناتهم بعيدًا عن الطرقات والمرافق العامة، ومن جانب آخر ينبغي على السلطات المختصة تشديد الرقابة، ومعاقبة كل من تسوّل له نفسه تسييب الحيوانات وتركها لتشكّل خطرًا سواء على المرافق العامة، أو على سلامة الأفراد.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock