تفاصيل غرق السفينة التي أثار صوتُ انفجارها فضولَ سُكان مسقط وأوجاعهم        

أثير-تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 في 28 يونيو 1943م تعرّضت سفينة شحن نرويجيّة تدعي إس. إس داهبو (S. S. Dahpu) لإصابة طوربيديّة مباشرة من قِبل غوّاصة معادية، وكانت السفينة راسية في ميناء مسقط حين استهدافها، وجُرح على إثرها اثنان من العمّال المسقطيّين، وقُتل 25 آخرون، وهؤلاء العمّال ليسوا ضمن طاقم السفينة، بل كانوا في الخدمة في الميناء، كما أدّتْ الإصابة إلى غرق السفينة.

“أثير” تقترب في هذا التقرير من تفاصيل أحداث غرق هذه السفينة وذلك من خلال عرض مجموعة من المحاور المتعلقة بها من حيث ماهيّة السفينة، وأسباب الحادث، وأحداثه، وأعداد القتلى والمصابين، والتعويض الذي تم تقديمه لهم ولأسرهم، وذلك اعتمادًا على عدد من الكتب والأراشيف التي تناولت الواقعة، كإرشيف سجلات مكتب الهند المحفوظ في مكتبة قطر الرقمية، والإرشيف النرويجي، وإرشيف أركنساس، وكتاب الدكتور صالح البلوشي ” مسقط في الأربعينات” الذي يعد أبرز المراجع العربية والعمانية التي تناولت الحادثة بالتفصيل.

السفينة داهبو

بحسب ما أورده الدكتور صالح البلوشي، فإن السفينة (داهبو) تم صنعها من قبل شركة “هوالدتسوير كدويتشه فيرفت” الألمانية في ميناء كيل عام 1922، وتعد من نوع سفن الشحن البخارية، بقوة 160 حصانًا، وسرعة 10 عقد، وحمولة (1974) طنًا، وفي بداية صنعها أطلق عليها اسم ” كلارا يبسين” الذي تغير بعد ذلك إلى “داهبو” عام 1936، وقد استأجرت البحرية الملكية البريطانية السفينة في شهر أبريل من عام 1942 وظلت في الخدمة لعام واحد قبل أن يتم إغراقها.

وفي شهر يونيو من عام 1943م كان خط سير السفينة النرويجية “داهبو” من ميناء البصرة إلى ميناء كراتشي، و بعد توقفٍ في ميناء البحرين غادرتها في يوم 25 يونيو فوصلت إلى مسقط حيث كان على متنها شحنة من القار وزنها 500 طن إضافة إلى بضائع عامة أخرى، و قد ذكرت الوثائق أن السفينة كانت في طريقها من شنغهاي إلى هونغ كونغ عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في وطنها النرويج وذلك في التاسع من أبريل عام 1940م .

بداية الهجوم

في صبيحة يوم ٢٨ يونيو ١٩٤٣م وصلت السفينة إلى ميناء مسقط، وكما هو معروف في الأربعينيات – وبحسب إشارة الدكتور البلوشي – لم يكن في ميناء مسقط رصيف لترسو إليه السفن لذا كانت البضائع تنزل إلى سفن خشبية محلية تنقلها إلى الشاطئ. جرت العادة نفسها عند وصول سفينة داهبو إلى الميناء فقد ركب على ظهرها مسؤول الشحن في الميناء و الذي عرف بالعامية “تنديل” وهو المسؤول عن إنزال وتوزيع الأمتعة وبذلك قد توزع العمال المحليين في مناطق السفينة المختلفة لإخراج الأمتعة والبضائع منها.

 وخلال انهماك الجميع في العمل وعندما حانت الساعة الثامنة وخمس دقائق صباحا هاجمتها الغواصة اليابانية (I-27) بقيادة (توشياكيفو كومورا) وأطلقت طوربيدًا تجاه مؤخرة السفينة داهبو فأصابتها إصابة مباشرة مما تسبب في شطرها إلى شطرين: المؤخرة غرقت في الحال أما المقدمة فظلت طافية على سطح الماء و لم تغرق إلا بعد فترة من الزمن.

كانت هذه الغواصة أكفأ غواصة صنعتها البحرية الامبراطورية اليابانية وقتها، وساهمت بفعالية في المجهود الحربي، وحقّقت نجاحاتٍ باهرة في معارك اليابان ضد الحلفاء، وكان من ضمن مهامها مهاجمة السفن الحربية البريطانية وحليفاتها في شرق أفريقيا، ومهاجمة السفن التجارية في المحيط الهندي  لتخفيف أعباء الحرب عن ألمانيا في أوروبا.

أصدر الانفجار صوتا مريعا ومن شدة الانفجار تناثر الحطام والقار وبعض حمولتها في أنحاء الميناء والبلدة، حيث كان على متن السفينة وقت الهجوم العشرات من العمال و المسؤولين، ورغم قلة الإمكانات وضعفها إلا أن عمليات الإنقاذ لم تتأخر إذ أنزلت إلى الماء فور وقوع الهجوم قوارب النجاة الخمسة التي كانت على متن السفينة، وأرسل القنصل البريطاني مزيدا من القوارب للمساعدة في عمليات النجدة، إضافة لذلك توجهت القوارب المحلية لموقع السفينة للمشاركة في عمليات الإنقاذ، وفي الساعة التاسعة وعشرين دقيقة غرق الجزء الأمامي للسفينة، ونظرا لضحالة عمق المياه فقد برز سطح السفينة من على سطح المياه.

كانت قوة الانفجار كبيرة لدرجة أنه تم إلقاء الحطام في ملعب التنس التابع للوكالة خلف مبناها وقطعت قطعة منه شرفة منزل ضابط الخزانة على شاطئ البحر.

 

المواد التي تم العثور عليها

تم إعداد تقرير يتكون من 14 صفحة يشتمل على المواد التي تم العثور عليها في السفينة “داهبو”، بعضها بحالة جيدة، وآخر تعرض للكسر والتحطيم، ومن بين المواد: صناديق خشبية وزجاجية، ومحولات، ومصابيح إنارة، وأجهزة تنفس، وبطاريات، وأجهزة لاسلكية، وأدوات نجاة، وغيرها من المواد والأدوات التي سنعرض منها كشفًا واحدًا في هذا التقرير.

قتلى ومصابون

تسبب الهجوم على السفينة “داهبو” في وقوع خسائر مادية و بشرية عدة، وفي المراسلات المتبادلة ما بين حكومة السلطنة وقتها والقنصلية البريطانية نجد أن أعداد القتلى من العمانيين (25) قتيلا، وجريحين، كما تشير تلك الرسائل والكشوف المرفقة بها إلى أن الناجين من طاقم السفينة بلغ عددهم (47) في مقابل (14) مفقودين، و(3) دخلوا المستشفى للعلاج.

ومن بين المفقودين هناك أربعة من القسم المسؤول عن المحرّك، وسبعة من قسم السطح، وثلاثة من قسم المحاسبة، بينما كان هناك ثلاثة جرحى من بينهم اثنان تم بتر ساقهما، وثالث تعرض لإصابة في وجهه.

 

تعويضات ماليّة

دفعت الحكومة البريطانيّة لأسرة كلّ شخص توفّي في هذه الحادثة 600 روبية، وللجريحيْن 100 روبية، حيث إن السفينة كانت تحت خدمة وزارة النّقل الحربي البريطاني، وفيما يبدو أنّ هذا السبب هو الذي جعل هذه الغوّاصة المعادية تضرب هذه السفينة، وكان طاقمها من البريطانيين وغيرهم من الخاضعين للنّفوذ البريطاني.

 

تعويض الورثة القُصّر

تم تقديم مبلغ (3425) روبية لتقديمها للورثة القصّر للذين قضوا في حادث الباخرة “داهبو”، وذلك لدفعه إليهم بواسطة دائرة الأوقاف والتركات، وبلغ عددهم (6) قاصرًا.

 

بقايا السفينة

تم نقل السفينة من مكانها وإخراجها من الميناء بعد أن ظلّت لفترة تشوّه بقاياها المنظر العام، وتمنع بقية السفن من الرسوّ قريبًا داخل الميناء، وقام بالعملية فريق مكوّن من الليفتاننت كوماندر ووكر والكابتن رتي وعدد من رجال البحرية البريطانية، مع الاستعانة بخدمات عدد من العمال العمانيين للمساعدة في هذا العمل.

وقع الحادث على أهل مسقط

يذكر الدكتور صالح البلوشي أن الهجوم كان بالنسبة لأهل مسقط “حدثاً غير مسبوق وكان وقعه على الجميع شديد الوطء، وكانت ردة الفعل الطبيعية هو التوجه إلى الساحل لرؤية حقيقة صوت ذلك الانفجار وأسباب تلك الأمواج العالية، فكان التدافع الكبير لدرجة اكتظ بهم الساحل. توافد الرجال والنساء والأطفال على حد سواء فالبعض كان يرغب بالمعرفة فقط لأن حدثا من هذا النوع جديدٌ عليه والبعض الآخر كان يريد معرفة مصير قريب له أو ابن حارته صعد على متن السفينة للعمل في إنزال و تحميل الأمتعة والبضائع، وكلما اقترب قارب للشاطئ و هو محمل بالجرحى و جثث القتلى يدعو الأهالي السلامة لأحبائهم و مع استمرار عمليات الإنقاذ و البحث عن المفقودين زاد النحيب وعلت الأصوات فمنهم من فقد قريب له  منهم لا يعرف مصير آخرون منهم.

كان من ضمن القتلى (التنديل)  لكن أفدح الخسائر كانت من نصيب شاب اسمه “عيسى” من حارة المدبغة الذي فقد أباه و أخاه و ثلاثة من أعمامه و قد كتب الله له النجاة رغم أنه كان معهم على متن السفينة وقت الهجوم، وقد يعود السبب في ذلك إلى أنهم كانوا في المؤخرة بينما كان هو بعيدا عنهم، ونظرا لارتفاع عدد القتلى من قاطني حارة المدبغة فقد أطلق اسم “شارع الشهداء” على الشارع الواصل من حارة العور مرورا ببوابة المثاعيب وصولا إلى حارة المدبغة، ومما زاد الأوجاع أن بعض الجرحى توفوا لاحقا نتيجة لخطورة إصاباتهم لذا كثرت بيوت العزاء في مسقط و كثرت الآلام”.

تغطية صحفية

في عدد الأحد 9 يونيو 1996 نشرت جريدة عمان ريبورتاجًا صحفيًا بحجم صفحة كاملة للصحفي عبد الله بن شامريد البلوشي تناول الحادثة، ووصف الحادث بلسان آخر الناجين، كما كشف عن مكان وجود جرس السفينة، وأعداد القتلى بحسب معلومات شركة لويدز العالمية للتأمين، بالإضافة إلى عدد من العناوين الأخرى المتعلقة بالحادثة، وكان المكرم الدكتور محمد الشعيلي قد عرض الصفحة التي تناولت التغطية في حساباته الاجتماعية على مواقع التواصل.

المراجع

  • البلوشي، صالح. مسقط في الأربعينات من القرن العشرين، دار روز ورد بوكس، نيو دلهي، الهند، 2013.
  • بن صرّاي، حمد، غوّاصات الحرب العالمية الثانية في منطقة الخليج العربي، موقع البيان الالكتروني،  4 أبريل 2019، https://www.albayan.ae/five-senses/heritage/2019-04-04-1.3527741
  • قلعة التاريخ، إغراق السفينة النرويجية داهبو في ميناء مسقط ، 15 ديسمبر 2014، https://www.facebook.com/qal3ataltareekh/posts/984525508230964/
  • مكتبة قطر الرقمية. ملف رقم: ١٩/١٦ “غرق السفينة البخارية داهبو في ميناء مسقط”، المجلدان IOR/R/15/6/451 و IOR/R/15/6/452 .
  • http://www.ssarkansan.com/home/american-hawaiian-in-wwii/montanan

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى